![]() |
|
|
البيان
في حكم التبايع نسيئة بالأوراق الجاري
التعامل في هذا الزمان إن للعلماء أقوالا مختلفة
في الحكم في الأوراق المتعامل بها ، أي فيما يتعلق بالتعامل بها و في تحقيق المناط
في إلحاقها بشيء من العقود بها و في حكم زكاتها ، و في حكم بيع بعضها ببعض نسيئة . فبعض الفقهاء ألحقها بالعروض و بعضهم
ألحقها بالسند على البنوك . ويظهر أن هذه الأقوال صدرت منهم حال
ابتداء اختراع التعامل بها و عدم الثقة بها في ابتداء أمرها ،حيث جعلها بعضهم
بمثابة العروض و بعضهم جعلها بمثابة الدين على البنوك الذي لا يثق به حتى يقبضه ،
فهي سنج على نقود دين لم تقبض ، هذا حاصل الأقوال منهم خالة ابتداءها و هو اجتهاد
منهم يؤجرون عليه غير أن الاجتهاد يتبدل كما قال عمر في مسألة المشركة: » تلك على ما قضينا و هذه على ما
نقضي « . إن حاصل الأوراق المالية في ابتداء
أمرها حال اختراع التعامل بها كانت تصدرها الحكومات على اختلاف أجناسها ، و تلتزم
دفع المبلغ المكتوب عليها ذهبا كان أو فضة ، فحامل ورقة الذهب يقبض ذهبا و حامل
ورقة الفضة يقبض فضة من غير تأخير ، فجرى العمل بذلك أزمانا متعددة . أما الآن و في هذا الزمان ، فقد زال
هذا الإلتزام ، لأن كل الحكومات على اختلاف أجناسها أخذت تسك أوراق العملة بدون ملاحظة
لما لديها من ذهب أو فضة ، فهي تتمشى على عز الدولة و قوتها و سياستها في نظام
تقوية عملتها ، مما يقتضي الثقة بها و قبول البنوك لها . إذ ليس في الإمكان الآن أن تدفع الحكومة
ما لديها من ذهب و فضة إلى من بأيديهم الأوراق المتعامل بها ، و إنما و تحتفظ
بالذهب و الفضة في خزائنها ، مع التزامها لسير عملتها و تعزيزها في التعامل بها
كذهب و فضة . و من نظر إلى الأشياء بعين المعقول و
طبقها على قواعد النصوص و الأصول يتبين له بطريق الوضوح أن حكمة التشريع تقتضي جعل
هذه الأوراق المتعامل بها بمثابة الذهب و الفضة على حد سواء ، بحيث تجعل ميزانا للتعامل كالنقود المعدنية في
البياعات و في الديات و قيم المتلفات و أروش الجنايات و في دخول الربا عليها و
وجوب الزكاة فيها . و ليس عندنا ما يمنع جواز اختراع
الناس لنقود من القرطاس أو النحاس أو الرصاص ، يتعاملون بها كتعاملهم بالذهب و
الفضة ، سيما إذا كانت هذه العملة مضمونة عن طريق الحكومة و البنوك فيتعلق بها من
الأحكام و أمور الحلال و الحرام ما يتعلق بالذهب و الفضة و الفلوس على حد سواء . و بذلك يتبين أن الأوراق المالية على
اختلاف أجناسها تقوم مقام الذهب و الفضة في المنع من بيع بعضها ببعض نسيئة و ينطبق
عليها حكما و معنى ينطبق على بيع الذهب و الفضة نسيئة لما روى الخمسة و صححه الحاكم
عن ابن عمر ، قال : » قلت : يا رسول الله ، إني أبيع الإبل
بالنقيع فأبيع بالدنانير و آخذ هذه من هذه و أعطي هذه من هذه فقال رسول الله : لا
بأس أن تأخذها بسعر يومها ما لم تتفرقا و بينكما شيء « .و في البخاري و مسلم عن زيد بن
أرقم و البراء بن عازب ، قالا : » نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم
عن بيع الذهب بالورق دينا « ، و في البخاري و مسلم عن أبي
سعيد الخدري ، أن النبي صلى الله عليه و سلم قال : » لا تبيعوا الذهب بالذهب إلا مثلا
بمثل و لا تشفوا بعضها على بعض و لا تبيعوا الورق بالورق إلا مثلا بمثل و روى البخاري و مسلم عن عمر بن
الخطاب رضي الله عنه ، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : » الذهب بالورق ربا إلا هاء و هاء ،
و التمر بالتمر ربا إلا هاء و هاء « يعني هاك وهات . و لهما من حديث عبادة بن الصامت ،
أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : » الذهب بالذهب و الفضة بالفضة وزنا
بوزن مثلا بمثل يدا بيد ، فإذا اختلفت هذه الأجناس فبيعوا كيف شئتم إذا كان يدا
بيد « ، فكل هذه
النصوص تتظاهر و تتفق على وجوب الحلول و التقابض حال العقد في النقدين . و إنما خص النبي صلى الله عليه
وسلم الذهب و الفضة بالذكر لكونها
المعيار الثابت في التعامل بهما في زمنه ، حيث جعل قيما للأموال و المتلفات و
الديات و أروش الجنايات و بعض الكفارات . و ليس الحكم مخصوصا بهما و لا مقصورا
عليهما دون ما يقوم مقامهما و يعمل عملهما في الثمينة لكون الحكمة في منع بيع
بعضها ببعض نسيئة لم يكن من أجل نفاستهما أو صلاحيتهما للسبك و التحلي أو جعلهما
خزانة نفيسة مدخرة كل هذا لم يكن مرادا من مقاصد الشارع ، لأن هذه الأشياء لا قيمة
لها عند الله و عند رسوله ، إذ هي و القرطاس سواء . و إنما الحكمة هو عموم المصلحة في
استقرار العملة و ثباتها ، بحيث لا تجعل كالعروض تهبط و ترتفع و يزول منها
الاستقرار و الثبات الذي أريد بها من أثمان و المبيعات و قيم المتلفات و الديات و
أروش الجنايات و الكفارات ، و لهذا نهى رسول الله عن كسر السكة الرائجة بين
المسلمين . و هذا مما يؤيد القول في علة المنع من
بيع بعضها ببعض نسيئة و أنه الثمينة كما هو الظاهر من قول مالك و الشافعي و أحمد
في إحدى الروايات عنه و رجع هذا القول العلامة بن القيم في الأعلام ، و قال :إنه
أصوب الأقوال و أعدلها و هو أرجح من قول من قال : أن العلة أن العلة فيهما كونهما
موزونين كما هو الظاهر من مذهب أبي حنيفة و إحدى الروايتين عن أحمد. و القواعد الشرعية و القياس الصحيح
يعطي النظير حكم نظيره و يسوي بينهما في الحكم و يمنع التفريق بينهما و الاستدلال
بالملزوم على لازمه و تعديه هذا الخصوص إلى العموم لأن الاعتبار في أحكام الشرع هو
بعموم اللفظ لا بخصوص السبب و لو لم يكن حكم الشيء حكم مثله لما لزمت التعدية و
لما قامت الحجة على الناس في سائر أحكام الكتاب و السنة . كما أن الصحابة رضي الله عنهم يقيسون
الأشياء بنظائرها و يشبهونها بأمثالها و يلحقون بعضها ببعض في أحكامها ففتحوا
للعلماء باب الاجتهاد و نهجوا لهم طريقه و بينوا لهم قاعدة تحقيقه و تطبيقه . فالشريعة منزهة عن أن تنهى عن شيء
لمفسدة فيه ثم تبيح ما هو مشتمل على تلك المفسدة أو أزيد منهما ، فإن الله سبحانه
على لسان نبيه أوجب الحلول و التقابض في بيع الدنانير و الدراهم و نهى عن بيع
بعضها ببعض نسيئة رحمة منه بأمته و من المستحيل أن يشرع من التبايع بهذه الأوراق
النقدية ما يسقط به ما أوجبه يبيح ما حرمه من التوصل إلى الربا الذي لعن آكله و
موكله و آذنه بحرب من الله و رسوله و شدد في الوعيد لما يشتمل عليه من المفسدة في
الدنيا و الدين و مع هذا يتحيل بعض الناس في التوصل إلى هذا الأمر المحرم بجعل هذا
النقود بمثابة العروض التي يصوغ بيع بعضها ببعض نسيئة خفي عليهم أن حكم النظير حكم
نظيره و إنكار التفريق بين المتماثلين فلا ترتكبوا مع ارتكبت اليهود و تستحلوا محارم
الله بأدنى الحيل . فالذهب و الفضة مع الأوراق
المتعامل بها و إن اختلفا جنسا ، فقد اتفقا حقيقة و معنى لاعتبار كل منهما قيما
للأموال و تضمن بالإتلاف و متى كان الربوي يشارك مقابله في المعنى فإنه يشاركه فيه
حكمة المنع إذ لا يمكن أن ينهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن بيع الذهب بالفضة
دينا ثم يرخص فيما يماثلهما و يقوم مقامهما في الثمنية إذ الأحكام الشرعية تعطي
النظير حكم نظيره . فمتى كان الأمر بهذه الصفة ، فإن
بيع أوراق العمل بعضها ببعض نسيئة هي نفس ما نهى عنه رسول الله من بيع الدراهم
بالدنانير نسيئة . لأن التبايع بهذه الصفة يفسد
الاستقرار هذا النقد في الثمنية و يلحقه بعروض التجارة المعرض للارتفاع و الهبوط و
عدم الثبات و الاستقرار فيختل بذلك النظام التعامل من التقديرات للديات و أروش
الجنايات و قيم المتلفات و بعض الكفارات . وهذا النهي إنما صدر من الشارع
الحكيم الذي هو » عزيز عليه ما
عنتم حريص عليكم بالمؤمنين رؤوف رحيم« ، ولم ينه عن شيء ومضرته واضحة
ومفسدته راجحة ، وقد ظهر من ضرر هذا أنه يقود فاعله إلى ربا الفضل ثم إلى ربا
النسيئة ، ثم يترتب عليه المضرة الكبيرة من تراكم الديون على المعسر لسهولة
الاستدانة بهذا الصفة . ولأن صاحب الدراهم متى انفتح له باب
الطمع في بيعها بدراهم مؤجلة خف عليه تحصيل الزيادة عن طريق الربا بدون تعب ولا
مشقة فيعامل بذلك المعسر وغير المعسر ويفضي إلى انقطاع منافع الناس بالتجارات
والأرباح المباحة وينقطع المعروف بين الناس من القرض الذي يراد به الإرفاق
والإحسان للمحتاج وقد قيل: إنه أفضل من الصدقة لكونه يقع عن حاجة . وقد أوجب الله
إنظار المعسر بقوله: »
وإن كان ذو عسرة فنظرة إلى ميسرة « ، فقلب الدين عليه ربا. ولأن الناس متى انفتح لهم باب استدانة
النقود بالنقود سهل عليهم استدانتها عند أدنى سبب فتتراكم الديون على شخص من حيث
لا يحتسب فيقع أولا في ربا الفضل ثم يقوده إلى ربا النسيئة ثم إلى المأثم والمغرم
الذي استعاذ منه النبي صلى الله عليه وسلم . » إن المشاهدة في
الحاضرين هي أكبر شاهد لتصديق نصوص الدين« . لقد رأينا الذين انتهكوا حرمة هذا
النهي فاستباحوا استدانة النقود من البنوك نسيئة رأيناهم قد وقعوا في ربا الفضل ثم
قادهم إلى ربا النسيئة وأخذت البنوك ترابي عليهم وهم نائمون على فرشهم لأن البنوك
الآن تعامل الناس بربا النسيئة أي الجاهلية التي حرمه الإسلام ونزل في الزجر عنه
كثير من آيات القرآن ولعن رسول الله آكله ومؤكله وكاتبه وشاهديه من بين الأنعام وحقيقته
أنه متى حل الدين وعجز عن الوفاء قالوا له: إما تقضي وإما أن ترابي ، فيزيد من
الربح ويمد له في الأجل حتى يصير القليل من الدين كثيرا ، ولهذا يكفر مستحل هذا
الربا عند جمهور علماء ولم يحرمه الله ورسوله إلا رحمة بالأمة . لكونه يقوض بالتجارات ويوقع في
الأزمات والحاجات ويهدم بيوت الأسرة والعائلات. وقد شوهد في الاعتبار أن كثيرا من
التجار الذي كانوا يخوضون في استدانة النقود من البنوك بلا مبالاة ، لقصد التوسع
في التجارات رأيناهم يجرون الويلات على أثر الويلات من جراء أضرار المراباة. إذ قد يعرض لهم ما يفاجئهم من كساد
التجارات وعدم انفاقها في سائر الأوقات ، وأضف إليه ما يعرض لهم من حوادث الزمان
فيعجزون عن وفاء مالهم من الديون فتضاعف عليهم البنوك على سبيل التدريج ما
استدانوه حتى تستأصل حاصل ما بأيديهم من الأموال والعقارات ، صدق الله العظيم: » يمحق الله الربا ويربي الصدقات « . ولهذا حمى النبي ـ صلى الله عليه وسلم
ـ هذا الحمى وسددت الطرق التي تفضي إليه فحذر عن مقاربته رحمة منه بأمته ولا يجني
جان إلا على نفسه وكل امرئ بما كسب رهين. وسر الحكمة أنه من قال بجواز بيع
أوراق العملة بعضها ببعض نسيئة ، واعتبرها كعروض ، فقد فتح للناس باب الربا على
مصراعيه وأباحه لهم بنوعيه وقادهم إلى فعل ما نهاهم عنه رسول الله . ( لكن ها هنا أمر ينبغي أن لا نغفل
عنه لعموم البلوى به ) . وهو أن التجار الذين يستوردون أصناف
البضائع من الخارج مثل البلدان الأوربية وأمريكا واليابان والصين والهند وغيرها ،
فإنهم بداعي الضرورة يحتاجون إلى فتح إعتماد عن طريق أحد البنوك فيشترون النقود
التي يريدون تحويلها بما يسمونها العملة الصعبة من البنوك بحيث تدفع في محل ما
يستوردون منه البضائع بنقود حاضرة ويأخذون صاحب البنك عليها شيء من النقود اليسيرة
في سيبل قيامه بإجراء عملية التحويل كأجرة. وهي نفس قضية شراء النقود الغائبة
بنقود حاضرة لكنها أقل منها ضررا وخطرا لأنها ليست من البيع بالنسيئة الذي نهى عنه
النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ وإنما هي من باب شراء نقود بنقود حاضرة ، ثم إجراء
عملية التحويل في هذه النقود إلى البلد الذي يريده. فلو قيل بالمنع لتعطلت أعمال الناس
ومعاملاتهم وكسدت تجارتهم ، إذ من المعلوم أن السفر بالنقد ممنوع . ومن نصوص الفقه أن الضرورة تقدر
بقدرها إذا ضاق الأمر اتسع والمشقة تجلب التيسير ويجوز ارتكاب أدنى الضررين لدفع
أعلاهما . لهذا نرى أنه لا بأس لهؤلاء التجار من
شراء النقود الغائبة من النقود الحاضرة لدعاء الحاجة إلى ذلك ، فيشتري من النقود
قدر حاجته قليلا كان أو كثيرا ، كما يجوز للتاجر والصراف البيع عليه بهذه الصفة
وتكون هذه القضية كالمستثناة للضرورة لثبات الرخصة الشرعية في أشياء من ربا الفضل
مما تدعو إليه الحاجة ، كبيع العرايا من التمر مع جهالة التماثل ، وكبيع السيف
بفضة ، إذ قلنا بالمنع تمشيا مع النهي بدون النظر إلى الضرورة لتعطلت أعمال الناس
ومعاملاتهم ، والله أعلم. |