![]() |
|
|
الأوراق
المالية الجاري بها التعامل في هذه الأزمنة إن كل عارف بنصوص الفقه وأصوله يتبين
له بأن هذه الأوراق الجاري بها التعامل قد قامت مقام التعامل بالنقود المعدنية من
الذهب والفضة وانطبق عليها حكمهما ، سواء بسواء في منع بيع بضعها ببعض نساء وفي
ضمانها بالإتلاف وفي وجوب زكاتها ، وغير ذلك من سائر الأحكام. وكان تعامل الناس في قديم الزمان منذ
خلق الله الدنيا بالذهب والفضة ، ولهما المكانة العالية والقيمة الغالية في نفوس
الناس لأنهما قيم نفائس الأموال والمعاملات والأرزاق ، كما أنهما من زينة الحياة وجلب
الخيرات ، يقول الله: » زين للناس حسب الشهوات من النساء
والقناطير المقنطرة من الذهب والفضة « ، وقال: » والذي يكنزون الذهب والفضة ولا
ينفقونها في سبيل الله فبشرهم بعذاب أليم«. وقال عن أهل الكهف: » فابعثوا أحدكم بورقكم هذا إلى
المدينة فلينظر أيها أزكى طعاما فليأتكم برزق منه« . والورق من الفضة كما حكى عن نبي الله
يوسف أنهم » شروه بثمن بخس
دارهم معدودة وكانوا فيه من الزاهدين « والدراهم من الفضة. وقال: » ومن أهل الكتاب من إن تأمنه بقنطار
يؤده إليك ومنهم من إن تأمنه بقنطار لا يؤده إليك إلا ما دمت عليه قائما« ، والدينار من الذهب ، فهما
العملتان الدارجتان عند الأمم قبلنا. فمن حكمة الله ورحمته وجود هذين
النقدين وعزتهما في النفوس وعجز الناس عن صنعة ما يشبههما أو يقوم مقامهما في
عزتهما و نفاستهما على أن أهل الكيمياء قد بذلوا جهدهم وغاية اجتهادهم للحصول على
مثلهما فلم يظفروا بذلك. وقد جرى التعامل بهما زمن النبي صلى
الله عليه وسلم و زمن خلفاءه الراشدين و أصحابه باسم الدنانير من الذهب و الدراهم
من الفضة قديما و حديثا ، فكانوا يظنون كل الظن أنه لا غنى للناس عنهما و أنه لن
يقوم غيرهما في التعامل و قيم الأموال مقامهما أبدا . حتى روى البخاري في صحيحه عن النبي
صلى الله عليه وسلم ما يدل على عدم التعامل بهما في آخر الزمان ، و أن الناس
يتبايعون بينهم بدون ذهب و لا فضة . فروى البخاري في صحيحه عن أبي هريرة
أنه قال : » كيف بكم إذا لم
تجتبوا دينارا و لا درهما ــ و في رواية لا صفراء و لا بيضاء ــ فقيل له : و هل
ترى ذلك كائنا يا أبا هريرة ، فقال : و الذي نفسي بيده إنه قول الصادق الصدوق « . فقد وقع مصداق ما أخبر به بينما
السامعون لهذا الحديث قد استغربوا سماعه و استبعدوا وقوعه لظنهم أنها لن تستقيم أعمال الناس و لا معاملتهم بدون ذهب
و لا فضة ، فوقع كما أخبر. نظيره عن أرض العرب ، و أنها لا بقوم الساعة حتى تكون
أرض العرب مروجا و أنهارا و كانت توصف ف الأزمنة السابقة بالأرض العابسة اليابسة
قليلة الماء و النماء . إن أسبق تاريخ عرفناه عن ابتداء
اختراع الأوراق المالية و التعامل بها هو ما ذكره ابن بطوطة في رحلته إلى الصين . قال : »و أهل الصين لا يتبايعون إلا بقطع
كاغد على قدر الكف مطبوعة بطابع السلطان و إذا تمزقت الكواغد في يد إنسان حملت إلى
دار تشبه دار السكة و أبدلت بكاغد جديد بدون أن يعطي شيئا من العوض عليها ، و إذا
مضى إنسان إلى السوق بدراهم فضة أو دنانير ذهبا ، يريج شراء شيء لم يؤخذ منه ولم
يلتفت إليه حتى يصرفه بالبالشت ، أي نقود الكاغد ثم يشتري به ما أراد .. انتهى « . فهذا هو أول تاريخ عثرنا عليه في
التعامل بورق الكاغد . أما بلدان أوربا فيظهر من تاريخهم أن
أسبق من استعمله فرنسا ، و يسمي بلسانهم ( بنك نوت ) ، ففي أشهر القواميس للغة
الفرنسية ، لصاحبه لاروس قال في تعريفه : » ورقة البنك هي
ورقة قابلة لدفع قيمتها عينا لدى الاطلاع على حاملها و هو يتعامل بها كما يتعامل
بالعملة المعدنية من الذهب و الفضة ، غير أنه ينبغي أن تكون مضمونة ليثق الناس
بالتعامل بها …انتهى« . فاستقر عمل الناس في التبايع بينهم
بالأوراق النقدية كنقود معدنية و ذلك في كل مكان و لكل زمان دولة و رجال . وصارت
هذه النقود بمثابة الأجناس المتنوعة أشبه الذهب و الفضة فلكل دولة نقود تسمي
باسمها ، فيجوز التبايع بين هذه النقود متفاضلا بشرط الحلول و التقابض حال العقد و
لا يجوز بيع بعضها ببعض نسيئة كالذهب مع الفضة ، كما سيأتي بيانه . |