الموضوع التالي

الموضوع التالي

الـفـهـــــرس

الموضوع السابق

الموضوع السابق

التأمين على الحياة

وبيان بطلانه بالبراهين والبينات

 

 

التأمين على الحياة

إن الله سبحانه في كتابه وعلى لسان نبيه نصب أعلاما وحدودا للحلال يعرف بها الحلال وأعلاما وحدودا للحرام يعرف بها الحرام ، فقال: » تلك حدود الله ومن يتعد حدود الله فقد ظلم نفسه« وحدود الله محرماته ، وقال: » وقد فصل لكم ما حرم عليكم إلا ما اضطررتم إليه « .

وقد أنزل الله الكتاب والميزان ليقوم الناس بالقسط ، فالكتاب هو الهادي إلى الحق ، و الميزان هو الذي توزن به أعمال الخلق فيعرف عدلها من عائلها ، و صحيحها من فاسدها ، فترد الفروع إلى أصولها و يلحق النظير بنظيره و يعطي حكمه في الجواز و المنع كما في رسالة عمر بن الخطاب إلى أبي موسى الأشعري رضي الله عنهما حيث قال : » ثم الفهم الفهم فيما أدلي إليك مما ورد عليك مما لم يكن في كتاب و لا سنة ، ثم اعرف الأشباه و الأمثال و النظائر و قس الأمور عند ذلك ، ثم اعمد فيما ترى إلى أحبها إلى الله تعالى و أشبهها بالحق  « انتهى .

لهذا يعتبر من الجور و عدم العدل إلحاق الحرام بالحلال ، و كذا عكسه بحجة رواجه بين الناس أو مسايرته للتطور الجديد أو حكم الأنظمة بموجبه » و لو اتبع الحق أهوائهم لفسدت السموات و الأرض و من فيهن  حج « .

لأن كل تعامل أو اشتراك أو اشتراط ينافيه الشرع فهو باطل وإن كان مائة شرط .

إن التأمين على اختلاف أنواعه لا ينبغي أن ينظر إليه بنظرات سلبية سطحية ليس لها غرض إلا المادة و الحصول على المادة و التشجيع على كسب المادة بشتى الطرق الملتوية و الحيل المنحرفة عن المكاسب الصحيحة إلى المكاسب الخبيثة .

و ربما تحاملوا بالملام و الإنحاء بالمذام على من قال في الحرام هو حرام ، كأنهم يريدون توسيع الطرق لكسب المال من حلال و حرام ، كما في البخاري أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : » يأتي على الناس زمان لا يبالي الرجل من أين أخذ المال أمن حلال أو من حرام  « . 

 

 

                 

 

 

             صفة عقد التأمين على الحياة

هو أن يأتي من يريد التأمين على حياته إلى شركة التأمين ، فيتفق معها على تأمين حياته عشرين عاما أو أقل أو أكثر ، في مقابلة شيء معلوم من النقود ، كأربعة آلاف أو أقل أو أكثر ، يدفعها مقسطة بين عشر سنين كل سنة يدفع مثلا أربعمائة ريال ، على أنه إن مات في خلال هذه المدة المحدودة ، فإن شركة التأمين ملزمة بدفع أربعين ألفا أو خمسين ألفا ، على حسب ما يتفقان عليه ، حتى و لو لم يكمل دفع الأقساط كلها .

فإن دفع بعض الأقساط ثم عجز عن دفع الباقي ذهب عليه كل ما دفعه . و فيه شروط و مصطلحات بينهما ، منها كون الشركة تشترط على نفسها أن تدفع ربحا خمسة في المائة في حالة استمرار عقد التأمين .

و لا شك أن هذا العقد بهذه الصفة باطل قطعا ، و لن تجد له محملا من الصحة و إن حذلقة من يحتال لإباحته فإن وسائل البطلان محيطة به من جميع جهاته .

منها أنها تسليم دراهم مقسطة في دراهم أكثر منها مؤجلة قد يتحصل عليها و قد تفوت عليه في حالة عجزه عن بعض الأقساط فحقيقتها أنها شراء دين بدين و شراء دراهم بدراهم أكثر منها و تشبه بيع الآبق المنهي عنه في حالة جهالة الحصول على العوض المشروط ، و قد يفوت عليه مع رأس ماله و مع ما فيه من الربا و سائر وسائل البطلان ، فإنها لا تقتضيه الحاجة
ولا توجبه المصلحة و يمجه العقل فضلا عن الشرع .

و الحاصل أن قضية التأمين على الحياة هي نم المعاملات المستحدثة الفاسدة لمشابهتها لعقد الميسر حقيقة و معنى من بات اجتماع الفرع بالأصل و مساواته له في المعنى و الحكم ، لأن الصحابة رضي الله عنهم كانوا يمثلون الوقائع بنظائرها و يشبهونها بأمثالها و يردون بعضها إلى بعض في أحكامها .

لأنه بمقتضى تحقيق النظر في حكم هذا العقد ، ثم في تطبيقه على ما يشاكله من نظائره ، ثم الحكم فيه بالميزان العادل غير العائل على ضوء النصوص الصحيحة المبنية على حفظ الدين و النفس والمال .

بدراسة عميقة سليمة من الأهواء النفسية و الأغراض الشخصية دراسة تبين الأحكام و عللها و شمول مصالحها و ترد الأشياء إلى أصولها بدون إطراد عرفي و لا اقتضاء عقلي ، فإنه حينئذ يتبين بذلك فساد هذا العقد و خروجه عن حدود ميزان العدل والحق .

لأن الحلال ما أحله الله و رسوله و الحرام ما حرمه الله و رسوله  » و قد فصل لكم ما حرم عليكم إلا ما اضطررتم إليه « ، و إنما حرم الله الميسر من أجل أنه أكل للمال بغير حق، مع كونه يورث العداوة و البغضاء على أثر سلب المال بغير حق .و الله يقول:  » و لا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل و تدلوا بها إلى الحكام لتأكلوا فريقا من أموال الناس بالإثم وأنتم تعلمون  « .

و النبي صلى الله عليه وسلم قد فصل ما أجمله الله في كتابه من شئون تحريم العقود و المعاملات صيانة للأموال عن التلاعب بها بغير حق ، فنهى عن بيع الغرر و هو المجهول العاقبة و غير الموثوق بالحصول عليه ، كبيع الآبق و بيع ما في بطون الأنعام ، و بيع حبل الحبلة ، و بيع الحصاة و الملامسة و المنابذة و ضربة الغائص ، و بيع ما ليس عندك ، كما حرم الربا و الميسر و هو القمار و كما حرم الخمر شربه و بيعه و أكل ثمنه ، كما حرم الخداع و الغش و الكذب .

كل هذه حرمها الشارع من أجل أنها تفضي إلى مفسدة الميسر الذي يثير العداوة و البغضاء بين الناس و الذي هو أكل أموال الناس بالباطل .

و قد أخذ الناس تتجاري بهم الأهواء في تأمين الحياة حتى أخذوا يؤمنون على أعضاء الإنسان فبعضهم يؤمن على يده و بعضهم يؤمن على رجله ، و بعضهم يؤمن على صوته ، و حيث قلنا بطلان التأمين على الحياة من أصله ، فإنه مقضي للبطلان في أبعاضه من باب الأولى والأحرى كما قلنا ببطلان الميسر بكل أنواعه .

و قضية عقد التأمين على الحياة هي من نوع ذلك بمقتضى المطابقة و التضمن . فإن المؤمن على حياته يدفع نقودا قليلة مقسطا في نقود كثيرة مؤجلة و غير موثوق بالحصول عليها ، و قد تفوت عليه بعجزه عن دفع بقية الأقساط و قد يفوت عليه معظمها ببقائه حيا إلى نهاية المدة المحدودة .

و الفرق بينه و بين التأمين السيارات و الطائرات و نحوهما واضح جدا فإن المؤمن على سيارته لا يريد بتأمينها الحصول على نقود أكثر مما دفع و لا أقل لا في حياته و لا بعد مماته و إنما يريد الأمان و الاطمئنان عن الحوادث منها أو عليها ، و حيث تتكفل الشركة بضمان ما وقع عليها فقط ، و هذا الأمان و الاطمئنان هو مما يستوجب أن يدفع فيه نفيس الأثمان و الضامن غارم كما ثبت بذلك الحديث بقوله : » الزعيم غارم و العارية مؤداة « .

فدعوى المبيحين له بأن عقد التأمين على الحياة يقع بالتراضي و أن شركة التأمين تدفع العوض المتفق عليه بحالة الاختيار بدون إجبار و إنه لن يسير العداوة و البغضاء كما يثيرها القمار و أنه قد يخلف هذا المال للأولاد الضعاف الذين قد تحيط بهم الحاجة و الفقر بعد موته . فهذا ليس إطلاقه و لا يبرر انعقاده .

فدعوى انعقاده بالتراضي يبطله كون العود المحرمة كلها تقع بالتراضي و لا يحللها رضى المتعاقدين ، و قد سبق حكم الله لتحريمها و بطلانها .

و أما دفع الشركة للعوض بمقتضى الرضاء بدون أن يقع فيه عداوة و لا بغضاء فهذا ليس على إطلاقه فمتى أردت أن تعرف عدم صحته فأفرض أن رجلا اتفق مع شخص آخر على تأمين حياته لكون عقد التأمين على الحياة يصح من الفرد مع الفرد كما يصح مع الشركة ، إذ الحكم واحد . فاتفق معه على أن يدفع المؤمن على حياته قدر أربعة آلاف أو أقل أو أكثر مقسطة ، بحيث يدفع في كل سنة جزءا منها على حساب تأمين حياته عشرين سنة أو عشر سنين إن مات في خلال هذه المدة المضروبة لزم الملتزم خمسون ألفا أو أربعون على حسب ما يتفقان عليه بحيث يدفعها إلى ورثة المؤمن لحياته ، فبعد إبرام العقد و دفع أول أقساط توفي المؤمن لحياته أفتراه يدفع هذا القدر الذي التزمه أي أربعين أو خمسين ألفا إلى الورثة بطريق الرضى و الاختيار ، أم تراه يتهرب عن الدفع و يعمل ألف حيلة في الامتناع و عدم السماح بالدفع و على أثره يقع النزاع بينه و بين خصمه في إمتناعه ، ثم تنعقد بينهما العداوة و البغضاء أعظم مما يقع بين أهل القمار .و في حالة الإصرار على الإمتناع تستدعيهما الحاجة و الضرورة إلى الترافع إلى القاضي الشرع ليقطع عنهما النزاع و يريحهما من مشقة الخصام بالحكم بالعدل . أفترى هذا القاضي يحكم بالتزام الملتزم ما التزم به على نفسه ، سواء كان أربعين أو خمسين ألفا إلى ورثة المؤمن على حياته أم تراه يرد الأشياء إلى أصولها و الفروع إلى نصوصها ، فيحكم بإرجاء ما قبضه كل واحد منهما ، ثم التحاسب فيما لكل منهما أو عليه لا وكس و شطط ، عملا بقوله تعالى : » و إن تبتم فلكم رؤوس أموالكم لا تظلمون و لا تظلمون  « .

و كيف ننسى في مثل هذه القضية حكم رسول الله صلى الله عليه وسلم و قضاءه في وجوب رد المال على صاحبه عند تعذر أخذ عوضه .

كما روى مسلم في صحيحه عن جابر ، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : » لو بعت على أخيك ثمرا فأصابته جائحة فلا يحل لك أن تأخذ منه شيئا بم تأخذ مال أخيك بغير حق « .

و هذا حكم رسول الله في مثل هذا العقد الواقع صحيحا في بداية الأمر و بطريق الرضى و الاختيار من كل منهما ، و لكنه لما لم يقبض عوض ما اشتراه القبض التام الذي يحصل به الانتفاع حكم رسول الله يرد الثمن على صاحبه ، و كونه لا يحل للبائع أن يأكل ما أخيه بغير حق و الذي لا يحل هو الحرام لكون الأموال محترمة لا يحل أخذها إلا عن طريق الحق .

أفترى شرع الإسلام المبني على مصالح الخاص والعام و على حفظ الدماء و الأموال ، أفتراه يحكم بفسخ هذا العقد و وجوب رد الثمن على المشتري كاملا لم يتحل على قبض ما اشتراه ، ثم يبح أخذ هذا المال الكثير بدون مقابل من العوض ما عدا الالتزام على نفسه به فلا يقول بصحة هذا العقد و إباحة ما يترتب عليه من العوض إلا من يقول بصحة عقد الميسر ، أي القمار و إباحة ما يترتب عليه من المال ، إذ هما في الحكم سواء و الكل واقع بالتراضي بينهما .

ثم إن العقود المحرمة مقرون بها الشؤم و الفشل و محق الرزق و انتزاع البركة يقود بعضها إلى بعض في الشر كما قيل من أن المعاصي يريد الكفر .لهذا يظهر من مساوئ مثل هذا العقد أن الورثة من الأولاد و الزوجة متى عرفوا من موروثهم تأمين حياته بهذا المال العظيم ، أي قدر خمسين ألفا أو أربعين و خشوا فوات هذا المال بطول حياته و تجاوزه للمدة المحدودة فإنهم سيعملون عملهم مباشرة أو بالتسبب بالقضاء على حياته حرصا على الحصول على هذا المال و حذرا من فواته بطول حياته ، لكون المال مغناطيس النفوس يسيل لعابها على حبه و التحيل على فنون كسبه ، مع العلم أن الناس قد ساءت طباعهم و فسدت أوضاعهم و ضعف إيمانهم و فاض الغدر و الخيانة بينهم .

و قد قص الله علينا خير من كان قبلنا ليكون لنا بمثابة العزة و العبرة ، وخير الناس من وعظ بغيره .

فقال تعالى : » و إذ قتلتم نفسا فأدارأتم فيها و الله مخرج ما كنتم تكتمون فقلنا اضربوه ببعضها كذلك يحي الله الموتى و يريكم آياته لعلكم تعقلون « .فمعنى أدارأتم ، أي تدافعتم في الخصام .و ذكر بن كثير في التفسير عن ابن أبي حاتم ، حدثنا الحسن بن محمد بن الصباح ، حدثنا يزيد بن هارون ، أنبأنا هشام بن حسان عن محمد بن سيرين عن عبيدة السلماني ، قال : كان رجل من بني إسرائيل عقيما لا يولد له و كان له مال كثير و كان ابن أخيه هو وارثه فاستبطأ موته فقتله ثم حمله فوضعه ليلا على باب رجل منهم ثم أصبح يدعي عليهم و يقول : أنتم قتلتم عمي حتى تسلحوا و ركب بعضهم على بعض ، فقال عقلائهم و ذوو الرأي منهم : علام يقتل بعضكم بعضا و هذا نبي الله موسى فيكم فاسألوه ، قال : فأتوا نبي الله موسى عليه السلام فذكروا ذلك له فأمرهم أن يذبحوا بقرة و أن يضربوه ببعضها ففعلوا ذلك فبعثه الله حيا سويا ، فقال : قتلني ابن أخي فلان فم يورث قاتل من قاتله بعد ذلك . و رواه ابن جرير بنحوه .

و تاريخ هذا العصر يحكي عن مثله ، و هو أن رجلا أمن حياة والدته لدى شركة التأمين ، فبعد إبرام العقد و تسليم بعض الأقساط صنع له قنبلة و وضعها تحت كرسي ثم أمر والدته أن تجلس على الكرسي فثارت بها القنبلة حتى جعلتها قطعا فذهب إلى شركة التأمين يطالبهم بعوض حياة والدته ، فبعد إجراء البحث و التفتيش عرفوا تمام المعرفة أنها خيانة و مكيدة من الولد على والدته حرصا منه على الحصول على عوض حياتها ، و قد اعترف لهم بذلك بعد تحديه بالإمارات و الدلائل . و أما قوله أنه قد يخلف هذا المال لأولاده الضعاف ، فإن حسن المقاصد لا يبيح المحرمات » إن يكن غنيا أو فقيرا فالله أولى بهما  « فكم من غني خلف أموالا كثيرة فاجتاحتها أيدي الظلمة و أجلوسهم على حصير الفقر أو صار هذا المال سببا في فسقهم و فسادهم. و كم من رجل نشأ فقيرا فرزقه الله مالا كثيرا ، و في الحديث » من أحب أن يحفظ في عقبه و عقب عقبه فليتق الله « فاحفظ الله يحفظك أي في دينك و دنياك و في أهلك و عيالك .

ثم إن القائلين بإباحة التأمين على الحياة لما لم يجدوا نصا يعتمدون عليه و لا قياسا يستندون إليه ، أخذوا يركبون التعاسيف في الصدر و الورود و يستدلون بما يعد بعيدا عن المقصود ، شأن العاجز المبهوت يتمسك في استدلاله بما هو أوهى من سلك العنكبوت ، أشبه من يحاول اقتباس ضوئه من نار الحباحب والتماس ريه من السراب الكاذب ، من ذلك استدلالهم ببيع الوفاء ، وهو أجنبي عن البحث في الحقيقة والمعنى فلا يمت إليه بصفته ولا صلة.

وصفته عند الأحناف هو أن يضع الرجل عقاره الذي تساوي قيمته ألفا أو ألفين فيضعه عند رجل في خمسمائة أو أكثر ويكتب عليه بيع وفاء يريدون من هذه التسمية أن يستحل المرتهن غلة هذا العقار ما دام باقيا في يده بدون أن يرجع عليه مالكه في شيء من قيمة غلته في مقابلة ما ينتفع صاحبه بالدراهم ، وإذا تحصل صاحب العقار على النقود استرجع عقاره بدون منازعة لاعتقاد الجميع بأنه باق على ملك صاحبه.

وقد حدث هذا التعامل بهذه الصفة في بلدان فارس . قيل في القرن الخامس وأفتى الكثير من الفقهاء بكونه رهنا لا ينصرف إلى غيره وإن سموه بيعا لكون الاعتبار في العقود بالمقاصد وهما لم يقصدا التبايع الحقيقي وهذا هو الصحيح ، لأنهما إنما قصدا بهذه التسمية محض التوثقة واستباحة الغلة فقط ، والأسماء لا تغير الأشياء عن حقائقها.

ثم إنه على فرض صحة ما ذكروا من أنه بيع مستقل بحالته وعلى صفته ، فإنه مخالف للقياس في صيغ البيوع الصحيحة وما خالف القياس لا يقاس عليه عند أهل الأصول ، مع كونه بعيدا في القياس عن مشابهة التأمين على الحياة.

ثم استشهدوا أيضا على جوازه بقضية عقد الموالاة عند الأحناف .

وصفته.. أن يقول رجل لآخر:أنت مولاي ترثني إذا مت وتعقل عن فيصح ذلك عندهم ويرثه إن لم يوجد من يرثه بفرض أو تعصيب أو ذي رحم ويستدلون عليه بما روي عن تميم الداري ، قال: سألت رسول الله عمن أسلم على يد رجل؟ فقال رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ: » هو أحق الناس به محياه ومماته « وفسروا محياه بالعقل ومماته بالميراث وينسبون القول به عن علي وابن عمر وابن مسعود ، وهذا الحديث ضعيف جدا ، قال في المغني: أنه ضعيف لا يصح ، وقال الشافعي: الموالاة ليست بشيء.

والإمام أبو حنيفه يعترف على نفسه بأنه مزجي البضاعة من الحديث وقد ظنه صحيحا فبنى على ظنه القول به وأخذه عنه أصحابه كما في البداية وبدائع الصنائع وغيرهما ، وكان أصل الحديث صحيحا في بداية الأمر ، ثم نسخ الحكم به وانقطع العمل بموجبه .

وأصل الموالاة في بدء الإسلام هو أن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ آخى بين المهاجرين والأنصار وكانوا تسعين رجلا نصفهم من المهاجرين ونصفهم من الأنصار فآخى النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ بينهم على المواساة ويتوارثون بعد الموت دون ذوي أرواحهم إلى حين وقعة بدر، قال ابن عباس: كان المهاجري يرث الأنصاري دون قرابته وذوي رحمه للإخوة التي آخى بينهما رسول الله .

ولهذا يقول الزبير ابن العوام : أن معشر قريش لما قدمن المدينة قدمناها ولا مال لنا فوجدنا الأنصار نعم الإخوان فواخيناهم ووارثناهم فآخى أبوبكر خارجة ابن زيد ، وآخى عمر فلانا ، وآخى عثمان رجلا من بني زريق بن سعد ، قال الزبير: وآخيت أنا كعب بن مالك فوالله يا بني لو مات عن الدنيا ما وريه غيري حتى أنزل الله : » وأولوا الأرحام بعضهم أولى ببعض في كتاب الله من المؤمنين والمهاجرين إلا أن تفعلوا إلى أوليائكم معروفا كان ذلك في الكتاب مستورا« فرجعنا إلى مواريثنا وبقيت المناصرة الدينية . ذكره ابن كثير في التفسير عن أبي حاتم.

كما ينسب عن عمر وعلي وابن مسعود فمحمول على ذلك في بداية الإسلام وإلا فقد أجمع الصحابة على نسخه فلم يحفظ عن أحد منهم القول به ولا الحكم بموجبه .

والوصية بماله كله ممن لا وارث له جائز في ظاهر مذهب الإمام أحمد ، ولهذا قالوا: وتجوز الوصية بماله كله ممن لا وارث له.

والحكم في الموالاة على العقل هو الحكم في الإرث ، على حسب ما ذكرنا وأنه منسوخ، وقد حكم رسول الله صلى الله عليه وسلم ، بإيجاب دية الخطأ على العاقلة كما في الصحيحين عن أبي هريرة ، قال: اقتتلت امرأتان من هزيل فرمت إحداهما الأخرى بحجر فقتلها وما في بطنها، فاختصموا إلى رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ فقضى رسول الله أن دية الجنين غرة عبد أو وليدة وقضى بدية المرأة على عاقلتها ورثها ولدها ومن معهم فقام حمل بن النابغة الهزلي ، فقال: يا رسول الله ، كيف نغرم من لا شرب ولا أكل ونطق واستحل ومثل ذلك يطل؟ فقال رسول الله: » إنما هذا من إخوان الكهان « ، من أجل سجعه الذي سجعه . وانعقد عليه الإجماع.

فكانت القبيلة تجلس لتوزيع الدية بينهم فيحملون كل شخص ما يستحقه على حسب مقدرته وقربه ، وهذا من التعامل الواجب بحكم الشرع .

ومن محاسن الشريعة وقيامها بمصالح العباد في المعاش والمعاد أن أوجب الله دية الخطأ على من عليه موالاة القاتل ونصرته لحيث أن هذا القاتل هو قريبهم ورحمهم ، ولم يتعمد القتل وإنما وقع بغير اختياره وقصده فوجب عليه في خاصة نفسه عتق رقبة مؤمنة ، فإن لم يجد فصيام شهرين متتابعين توبة من الله كما أوجب الدية على العاقلة.

ومن المعلوم أن الجناية في الأصل تتعلق بالجاني ، فلا يجنى جان إلا على نفسه ، لا تزر وازرة وزر أخرى ، أي لا يحمل أحد ذنب الآخر وكانت الدية في الأصل مائة من الإبل وفي الغالب أن القاتل لا يستطيع حملها بجملتها فإيجاب الدية مع الكفارة عليه في ماله فيها ضررعليه  لعدم قدرته عليها ، وإهدار دم القتيل من غير ضمان فيه ضرر على ورثته.

فكان من محاسن الشريعة أن وأجب دية الخطأ على أقارب القاتل، أي عاقلته ، كما أوجب الله النفقة على الأقارب ، فإيجاب الدية على العاقلة من جنس ما أوجه الشارع من النفقة على المضطرين ونحوهم والأقربون هم أحق بالمعروف.

لأن المؤمن كثير بإخوانه غني بأعوانه: » وتعانوا على البر والتقوى ولا تعاونوا على الإثم والعدوان« .

وهذه هي حقيقة التعاون بين الأرحام الواجبة في دين الإسلام.

ولا تحمل العاقلة العمد المحض ولا المال من قيمة عبد ونحوه ولا ما دون ثلث الدية.

والحاصل هو أن الأمة التي يبذل أغنيائها المال وتقوم بفريضة التعاون على الأعمال فيكفل أغنيائهم فقرائهم ويعول أقويائهم ضعفائهم ويعودون بفضل ما أوتوا إلى إخوانهم المعوزين ويعطفوا على البائسين والمنكوبين أنها لا بد أن تتسع تجارتها وأن تتوفر سعادتها وأن تدوم على أفرادها النعمة ما استقاموا على هذه الفضيلة ثم يكونون مستحقين لسعادة الدنيا والآخرة.