الموضوع التالي

الموضوع التالي

الـفـهـــــرس

الموضوع السابق

الموضوع السابق

أحكام شركات التأمين

 

ومكانها

 

من شريعة الدين

 

 

 

شركات التأمين

إعلم أنها لما كثرت الخيرات واتسعت التجارات وفاض المال على الناس من جميع الجهات اخترع الناس لهم فنونا من المعاملات والشركات لم تكن معروفة في سالف السنين ولم يقع لها ذكر عند الفقهاء المتقدمين .

من ذلك شركات التأمين على اختلاف أنواعها ، وفي قضية ذات أهمية وليدة هذا العصر، وقد راجت بين العالم وصارت حديث القوم في سمرهم ومجالسهم ، وأخذ بعض الناس يموج في بعض في موضوعها بالتجهيل والتضليل وبالتحريم والتحليل.

أسبق من رأيناه طرق موضوع الكلام فيها من علماء المسلمين والشيخ ابن عابدين المتوفى عام 1252هـ ، فقد ذكرها في كتاب » الرد المختار « ، ونصه:

قال:» إنها جرت العادة أن التجار إذا استأجروا مركبا من حربي يدفعون له أجرته ثم يدفعون أيضا مالا معلوما لرجل مقيم في بلاده يسمى ذلك المال (سوكرة) على أنه مهما هلك المال الذي في المركب بغرق أو حرق أو نهب أو غيره ، فذلك الرجل ضامن له بثمنه في مقابلة ما يأخذه منهم ، فإذا هلك من مالهم شيء يؤدي ذلك المستأمن للتجار بدله تماما.. قال: والذي يظهر لي أنه لا يحل للتاجر أخذ بدل الهالك لأن هذا التزام ما لا يلزم « انتهى.

و يظهر لي أن مبدأ عملية التأمين هو الخوف من الحوادث و الكوارث الشديدة التي تفاجئهم فتجحف بذهاب أنفسهم و أموالهم ، فأراد بعض التجار بهذا التأمين التحفظ على ضمان أموالهم  ، فأراد بعض التجار بهذا التأمين التحفظ على ضمان أموالهم كما أراد الآخرون التأمين على بدل حياتهم ، و هذا كله لم يكن معروفا في بلدان المسلمين قبل هذه السنين .

ثم أخذ علماء هذا العصر يتكلمون في موضوعها ، حيث دعت الحاجة و الضرورة إلى البحث فيها ، لأن » لكل حادث حديث و لكل مقام مقال « .

فمنهم من قال بتحريم عقد التأمين بكل أنواعه ، و منهم من أباحه بكل أنواعه ، و منهم من توسط فيه فقال بإباحة شيء و منع شيء منه .

و إنما موقفنا منه موقف التفصيل لأحكامه ، ثم التمييز بين حلاله و حرامه والذي ترجح عندنا هو أن التأمين على حوادث السيارات و الطائرات و السفن و المصانع و المتاجر أنه مباح لا محظور فيه ، إذ هو من باب ضمان المجهول و ما لا يجب و قد نص الإمام أحمد و مالك و أبو حنيفة على جوازه .

و هذا نوع منه يقاس عليه لإلحاق عليه لإلحاق النظير بنظيره ، كما سيأتي بيانه .

أما التأمين على الحياة ، فإنه غير صحيح و لا مباح لأننا لم نجد له محملا من الصحة لأن وسائل البطلان محيطة به من جميع جهاته ، فهو نوع من القمار و يدخل في بيع الغرر كبيع الآبق الذي لا يدري أ يقدر على تحصيله أم لا ، و يدخل في مسمى الربا الذي هو شراء دراهم بدراهم مؤجلة ، و يدخل في الدين بالدين ، حيث أن المؤمن يدفع قيمة التأمين مقسطة في سبيل الحصول على دراهم أكثر منها مؤجلة ، أضف إليه أنها لا تقتضيه الضرورة و توجبه المصلحة ، كما سيأتي بيانه قريبا إن شاء الله .

                         

التأمين على السيارات

إن الله سبحانه في كتابه و على لسان نبيه بين الحلال و الحرام بيانا واضحا فقال تعالى :  » و قد فصل لكم حرم عليكم إلا ما اضطررتم إليه « وقال : » و لا تقولوا لما تصف ألسنتكم الكذب هذا حلال و هذا حرام لتفتروا على الله الكذب  « ، و قال : » أرأيتم ما أنزل الله لكم من رزق فجعلتم منه حراما و حلالا كل آ الله أذن لكم أم على الله تفترون  « .

و في البخاري و مسلم عن نعمان بن بشير ، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : » الحلال بين و الحرام بين و بينهما أمور مشتبهات لا يعلمهن كثير من الناس فمن اتقى الشبهات فقد استبرأ لدينه و عرضه و من وقع في الشبهات وقع في الحرام ، كالراعي يرعى حول الحمى يوشك أن يقع فيه ، ألا و إن لكل ملك حمى ألا و إن حمى الله محارمه ألا و إن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد كله ، و إذا فسدت فسد الجسد كله ألا و هي القلب  « .

 فأخبر النبي صلى الله عليه في هذا الحديث أن الحلال المحض بين واضح لا مجال للشك فيه و أن الحرام المحض بين لا يختلج في القلب الجهل به و لكن بينهما أمور مشتبهات لا يعلم أكثر الناس حقيقة الحكم فيها هل هي من الحلال أو من الحرام . و مفهوم الحديث أن القليل من الناس و هم أهل العلم و المعرفة يعرفون حكم الله في هذه المشتبهات فيلحقون الحلال و نظيره من الحلال ، و الحرام و نظيره من الحرام .

فالذي يخاف عليهم من الوقوع في الحرام عند مقاربتهم للمشتبهات هم العوام الذين تخفى عليهم غوامض الأحكام و يتجاسرون على الأشياء المشتبهات بدون سؤال عن حلال و الحرام ، كما أن العلماء ينبغي المشتبهات عندما يخفى عليهم طريق الحكم فيها ، لحديث : » دع ما يريبك إلى ما لا يريبك « ثم إن هذه المشتبهات تقع في العقود و الشروط و المبايعات و الأنكحة و الأطعمة و الرضاع ، و قد ترجم عليها البخاري في صحيحه ، فقال : » باب تفسير المشتبهات « ثم ساق بسنده عقبة بن الحارث أنه تزوج أم يحي بنت أبي إهاب ، فجاءت امرأة سوداء فقالت : إني أرضعتكما فسأل النبي صلى الله عليه وسلم فقال : كيف و قد قيل ، ففارقها عقبة و نكحت زوجا غيره . ثم ذكر حديث عبد الله بن زمعة مع عتبة بن أبي وقاص ، حيث قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : » الولد لك يا عبد الله بن زمعة و احتجبي منه يا سودة  « . فأمر سودة أن تحتجب عنه مع أنه محكوم بكونه أخاها ، لكن لما رأي قرب شبهه بعتبة بن أبي وقاص أمرها أن تحتجب عنه و هو من باب اتقاء الشبهات .

فمن هذه المشتبهات ما يقع مشكلا مشتبها في وقت إلى أن يتصدى له من يخرجه من حيز الاشتباه والغموض إلى حيز التجلي و الظهور حتى يصير واضحا جليا لا مجال فيه للاشتباه .

فمن هذا النوع قضية التأمين على السيارات فهي و إن أشكل على الكثير من الناس من أجل تجدد حدوثها و غموض أمرها و عدم سبق الحكم من الفقهاء فيها بإسمها ، فإن لها في الفقه الإسلامي أشباها و النظائر ينبغي أن ترد إليها و يؤخذ قياسها منها ، كما يرد الفرع إلى أصله و النظير إلى نظيره .

و هذا يعد من القياس الصحيح الذي نزل به الكتاب و السنة و عمل به الصحابة رضي الله عنهم فإنهم كانوا يمثلون الوقائع بنظائرها و يشبهونها بأمثالها و يردون بعضها إلى بعض في أحكامها ففتحوا للعلماء باب الاجتهاد و نهجوا لهم طريقه و بينوا لهم سنة تحقيقه و تطبيقه .كما سيأتي بيانه .

 

الأصل في العقود الإباحة حتى يقوم دليل التحريم

ذهب الإمام أبو حنيفة رحمه الله إلى أن الأصل في العقود و الشروط الحظر إلى أن يقوم دليل الإباحة و هذا هو مذهب الظاهرية عليه تدل نصوص الإمام الشافعي و أصوله .

و ذهب الإمام مالك إلى أن الأصل في العقود الإباحة إلا ما دل الدليل على تحريمه و عليه تدل نصوص الأحمد و أصوله و هو اختيار شيخ ابن تيمية رحمه الله .

فقد قال شيخ الإسلام : »أن الأصل في العقود الصحة و الجواز و لا يحرم و يبطل منها إلا ما دل الشرع على إبطاله و تحريمه بنص صحيح أو قياس صريح  « . قال : » و أصول الأحمد المنصوصة عنه تجري على هذا القول ،و مالك قريب منه  « انتهى .

و قد نهج هذا المنهج العلامة ابن القيم رحمه قال في الأعلام : » الخطأ الرابع : فساد اعتقاد من قال أن العقود المسلمين و شروطهم و معاملتهم على البطلان حتى يقوم الدليل الصحة ، فإذا لم يقم عندهم دليل على صحة العقد أو شرط معاملة ، استصحبوا بطلانه فأفسدوا بذلك عقودا كثيرة من معاملات الناس و شروطهم بلا برهان من الله بناء على هذا الأصل و جمهور الفقهاء على خلافه و أن الأصل في العقود و الشروط الصحة حتى يقوم الدليل على البطلان ، و هذا القول هو الصحيح ، فإنه لا حرام إلا ما حرم الله و رسوله ، كما أنه لا واجب إلا ما أوجبه الله و رسوله و لا دين إلا ما شرعه الله و رسوله  « .. انتهى .

إذا ثبت هذا ، فإن صفة عقد التأمين الحوادث السيارات و هو أن يتفق الشخص الذي يريد التأمين على سيارته مع شركة التأمين سواء أ كان التأمين كاملا أو ضد الغير ، فيدفع قدرا يسيرا من المال على تأمينها مدة معلومة من زمان ، كعام كامل بشروط و قيود و التزامات معروفة عند الجميع من أهمها : كون السائق يحمل رخصة سياقة ، فمهما أصيبت هذه السيارة أو أصابت غيرها بشيء من الأضرار في الأنفس و الأموال خلال المدة المحدودة ، فإن الشركة ملزمة بضمانه بالغا ما بلغ .

و يستفيد المؤمن على سيارته حصول الأمان و الاطمئنان على نفسه و على سيارته التي يسوقها بنفسه أو يسوقها رجل فقير لا مال له و لا عاقلة ، فيستفيد عدم المطالبة و المخاصمة في سائر الحوادث التي تقع بالسيارة متى كان التأمين كاملا ، و تقوم شركة التأمين بإصلاحها عند حدوث شيء من الأضرار بها . و مثل هذا الأمان و الاطمئنان يستحق أن يبذل في حصوله نفيس الأثمان .

و ليس فيه المحذور سوى الجهالة بالأضرار التي تعظم في بعض الأحوال فتقتضي بهلاك بعض النفوس و الأموال و قد لا تقع بحال .

 هذه الجهالة مغتفرة فيه كنظائره من سائر الضمانات . فقد ذكر الفقهاء صحة الضمان عن المجهول و عما لا يجب .

قال في » المغنى « : و يصح ضمان الجنايات ، سواء كانت نقودا كقيم المتلفات أو نفوسا كالديات ، لأن جهل ذلك لا يمنع وجوبه بالإتلاف فلم يمنع جوازه بالالتزام . قال : ولا يشترط معرفة الضامن للمضمون عنه و لا علمه بالمضمون به لصحة ضمان ما لم يجب .. انتهى .

و هذه هي نفس قضية التأمين على ضمان حوادث السيارات ، ثم إن هذه الجهالة في عقد التأمين لا تفضي إلى نزاع أبدا ، لتوطين الشركة أمرها في عقدها على التزام الضمان بالغا ما بلغ ، فلا تحس بدفع ما يلزمها من الغرامة في جنب ما تتحصل عليه من الأرباح الهائلة .

و قد دعت إليها الحاجة و الضرورة في أكثر البلدان العربية ، بحيث لا يمنح السائق رخصة السياقة إلا في سيارة مؤمنة و إلا اعتبروه مخالفا لنظام سير البلد ، و هذه مما يزول بها شبهة الشك في إباحتها و تتمخض للجواز بلا إشكال .

و في هذا التأمين مصلحة كبيرة جدا أيضا ، و هي أن المتصرفين بقيادة السيارات هم غالبا يكونون من الفقراء الذين ليس لهم مال و لا عاقلة ، فمتى ذهبت أرواح بعض الناس بسببهم و بسوء تصرفهم فلن تذهب معها دياتهم لورثتهم ، بل يجب أن تكون مضمونة بهذه الطريقة .

إذ من المعلوم أن الحوادث السيارات تقع دائما باستمرار و أن الحادثة الواحدة تجتاح هلاك العدد الكبير من الناس و من الحزم و فعل أولي العزم ملاحظة حفظ دماء الناس و أموالهم .

و هذا التأمين و إن كان يراه الفقير أنه من الشيء الثقيل في نفسه و يعده غرامة مالية عليه حال دفعه لكنه يتحمل عنه عبأ ثقيلا من خطر الحوادث ، مما يدخل تحت عهدته و مما يتلاشى معها ما يحس به من الغرامة لكون المضار الجزئية تغتفر في ضمن المصالح العمومية . . و الله أعلم .

      

إزالة الشبهات اللاحقة لتأمين السيارات

إن العقود و الشروط و الشركات و المبايعات كلها مبنية على جلب المصلحة و درء المفسدة ، بخلاف العبادات ، فإنها مبنية على التشريع و الاتباع لا على الاستحسان و الابتداع .

و الفرق بينهما هو أن العبادات حق الله ، يؤخذ فيها بنصوص الكتاب و السنة .

أما المعاملات ، فإنها مبنية على جلب المصلحة و درء المفسدة، إذ هي من حقوق الآدميين بعضهم مع بعض ، بحيث يتعامل بها المسلم مع المسلم و المسلم مع الكافر .

فمتى كان الأمر بهذه الصفة ، فإنه ليس عندنا نص صحيح و قياس صريح يقتضي تحريم هذا التأمين يعارض به أصل الإباحة أو يعارض به عموم المصلحة المعلومة بالقطع .

إذا العقود والشروط عفو حتى يثبت تحريمها بالنص أو بالقياس الصحيح .

و التحريم هو حكم الله المقتضي للترك اقتضاء جازما كما حققه أهل الأصول و هذه الشركة المنعقدة للتأمين إن رأت في نفسها من مقصدها أو رآها الناس إنها تجارية استغلالية .

لكن حقيقة الأمر فيها و الواقع منها أنه يتحصل منها اجتماع المنتفعين منفعتها في نفسها في حصول الأرباح لها أو منفعة الناس بها ، فهي شركة تعاونية محلية اجتماعية تشبه شركة الكهرباء و الأسمنت و غيرهما ، فكل هذه الشركات تدخل في مسمى التعاون بين الناس ، لأن الشخص الغني بإخوانه قوي بأعوانه و يد الله مع الشريكين ما لم يخن أحدهما صاحبه ، فهي من جنس المشاركة بالوجوه ، و مشاركة الأبدان و مشاركة المفاوضة . و قد حصل الخلاف قديما بين الفقهاء في جواز هذه المشاركات ، فمنهم من قال بجوازها و منهم من قال بمنعها ، كما حصل الخلاف في شركة التأمين على حد سواء ، ثم زال الخلاف عن هذه الشركات كلها و استقر الأمر على إباحتها على اختلاف أنواعها .

ووجه الإشكال دعوى دخولها في مسمى الجهالة و الغرر الذي نهى عنه الشارع .

كما روى مسلم في صحيحه قال: » نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن بيع الغرر « .

و فسر هذا الغرر المنهي عنه بثلاثة أمور : ( أحدها ) المعدوم : كبيع حبل الحبلة و بيع ما في بطون الأنعام و بيع ما ليس عندك و نحوه .

( الثاني ) بيع المعجوز عن تسليمه : كبيع الآبق .

( الثالث) المجهول المطلق : كبعتك عبدا من عبيدي أو ما في بيتي ، و منه بيع الحصاة و بيع الملامسة ، و المنابذة و ضربة الغائص و بيع الحظ و النصيب المسمى باليانصيب فكل هذه داخلة في بيع الغرر المنهي عنه شرعا ، لكونها يقع فيها النزاع غالبا نظير ما يقع في القمار ، فإن هذا العبد الآبق إنما يبيعه صاحبه بدون ثمن مثله مخاطرة ، فإن تحصل عليه قال البائع : غبنتني ، فإن لم يجده قال المشتري : غبنتني رد علي ثمني .

و هذا المعنى منتف في هذا المشاركة التي مبناها على التعاون الإجتماعي الصادر عن طريق الرضاعة و الاختيار بدون غرر و لا خداع .

فجواز المشاركة هذه أشبه بأصول الشريعة و أبعد عن كل محذور ، إذ هي مصلحة محضة للناس بلا فساد .

غير أن فيها تسليم شيء من النقود اليسيرة في توطيد تأمين السيارة و من السهل أن يختصرها الشخص من زائد النفقة كذبيحة يذبحها لأدنى سبب أو بلا سبب ، لأن كل عمل كهذا فإنه يحتاج بداعي الضرورة إلى مال يلزمه و يقوم بالتزام لوازمه ، و ليس عندنا ما يمنع بذل المال في التزام الضمان . كما قالوا بجواز : اقترض لي ألفا و لك منه مائة ، و أنه جائز و منه ضمان الحارس بأجره .

فصحة هذا الضمان و التزام لوازمه يتمشى على نصوص الإمام أحمد و أصوله .

قال في المغني : » دلت مسألة الخرقي على ضمان المجهول كقوله : ما أعطيته فهو علي و هذا مجهول فمتى قال ، أنا ضامن لك ما على فلان ، أو ما يقضي به عليه أو ما تقوم به البينة أو ما يقربه لك أو ما يخرج الحساب ، صح الضمان بهذا كله و بهذا قال أبو حنيفة و مالك  « .  

قال : » و فيه صحة ما لم يجب صحة الضمان عن كل من وجب عليه حق و فيه صحة الضمان في كل حق من الحقوق المالية الواجبة أو التي تؤول إلى الوجوب   « … انتهى .

و قال في المغني أيضا : » و يصح ضمان الجنايات ، سواء كانت نقودا كقيم المتلفات أو نفوسا كالديات ، لأن جهل ذلك لا يمنع وجوبه بالإتلاف فلم يمنع جوازه بالالتزام « .

قال : » و لا يشترط معرفة الضامن للمضمون عنه و للعلم بالمضمون به  « .

و هذه هي نفس قضية ضمان التأمين على السيارات ، فإن شركة التأمين تلتزم ضمان الديات و أروش الجنايات و قيم المتلفات ، كما ذكر جوازه صاحب المغنى و الشرح الكبير و الإقناع ، ولا يقدح في صحته جهل الضامن للمضمون به و لا المضمون عنه . فنصوص الإمام أحمد و أصوله تتسع لقبولها كنظائرها من الضمانات ، و كذلك الإمام مالك و أبو حنيفة كما ذكرنا موافقتهما على ذلك . 

غير أن الإمام أحمد أكثر تصحيحا للعقود و الشروط من سائر الأئمة و نصوص مذهبه تساير التطور في العقود المستحدثة .

و إنما وقع اللبس فيها على من قال بتحريمها من علماء هذا العصر ، كابن عابدين من جهة أنهم اعتقدوها قمارا أو جهالة أو غرورا ، أو التزام ما لا يلزم أو كونها على عمل مجهول قد يفضي إلى غرامات باهظة .

فيتمسكون بما بلغهم من العمومات اللفظية و القياسات الفقهية التي اعتقدوا شمولها لمثل هذا العقد يظنونها عامة أو مطلقة و هي لا تنطبق في الدلالة و المعنى على ما ذكروا .

أو يعللون بطلان مثل هذا العقد بكونه لم يرد به أثر و لا قياس .

و الله سبحانه قد أمر عباده بالوفاء بالعقود في قوله : » يا أيها الذين آمنوا أوفوا بالعقود « . و هو شامل لكل عقد يتعاقده الناس فيما بينهم و يلتزمون الوفاء به ، و لم يكن قمارا و لا ربا و خديعة .

إذ الأصل في العقود الصحة و الإباحة إلى ما قام الدليل على تحريمه ، لكون العقود و الشروط و المشاركات من باب الأفعال العادية التي يفعلها المسلم مع الكافر و ليست من العبادات الشرعية التي تفتقر إلى دليل التشريع .

فمن أعطى الشركة مالا على حساب التزام ضمان سيارة بطيب نفس منه و التزمت الشركة لوازمه ، فإن مقتضى الشرع يحكم بصحة هذا الضمان ، أخذا من قوله تعالى : » أوفوا بالعقود « ، و من قوله : » و لا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل إلا أن تكون تجارة عن تراض منكم« ، و في الحديث : » لا يحل مال امرئ مسلم إلا عن طيب نفس منه « ، و هذا العوض قد خرج عن طيب نفس من مالك السيارة و من الشركة ، فثبت بذلك إباحته و قواعد الشرع لا تمنع لأنه عمل مقصود للناس يحتاجون إليه و ربما يجبرون بطريق النظام عليه ، إذ لو لا حاجتهم إليه لما فعلوه ، لأن المال عزيز على النفوس لا تسخو ببذله إلا في سبيل منفعتها ، و هذا المقام هو في حاجة إلى تأمين سيارته لحصول الاطمئنان  و الأمان عما عسى أن ينجم عنها من حوادث الزمان .

و بما أن هذه الشركة هي من ضمن العقود التي أمر الله بالوفاء بها ، و من جنس التجارة الواقعة بين الناس بالتراضي ، و من جنس المشاركة بالأبدان و الوجوه و المفاوضة فإنها أيضا من جنس الصلح الجائز بين المسلمين ، لما روى أبو داود و الدارقطنى من حديث سليمان بن بلال ، حدثنا كثير بن زيد عن الوليد بن رباح عن أبي هريرة ، قال : » قال رسول الله صلى الله عليه وسلم » الصلح جائز بين المسلمين إلا صلحا أحل حراما أو حرم حلالا و المسلمون على شروطهم « و كثير بن زيد قال : يحي بن معين هو ثقة و ضعفه في موضع آخر ، و روى الترمذي من حديث كثير بن عبد الله بن عمرو بن عوف المزني عن أبيه عن جده ، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: » الصلح جائز بين المسلمين إلا صلحا حرم حلالا أو أحل حراما و المسلمون على شروطهم إلا شرطا أحل حراما أو حرم حلالا  « ، قال الترمذي : حديث حسن صحيح ، و قال شيخ الإسلام بن تيمية : أن هذا الحديث يترقى إلى الصحة بتعدد طرقه ، مع العمل عليه بإجماع أهل العلم .

فهذا الاشتراك الاجتماعي الأهلي المنعقد للضمان في تأمين حوادث السيارات يعتبر من التعاون المباح و ما ينتج عنه من الأرباح فحلال لا شبهة فيه ، أشبه بشركات الكهرباء و الأسمنت و نحوها ، و يدخل في عموم الصلح الجائز بين المسلمين و إباحته تتمشى على ظاهر نصوص مذهب الإمام الأحمد .

 قال في الإقناع : و يصح ضمان أروش الجنايات نقودا كانت كقيم المتلفات  ، أو حيوانا كالديات ، لأنها واجبة و تؤول إلى الوجوب .. انتهى و سبق قول صاحب المغنى و هذا تشبه قضية ضمان التأمين على سيارات ، حيث تلتزم  الشركة ضمان الديات و أروش الجنايات و قيم المتلفات ، كأضرار السيارات و نحوها من كل ما هو واجب بالضمان أو يؤول إلى الوجوب و لا يشترط معرفة المضمون عنه و لا المضمون به .

و يقدح في صحة هذا الضمان كون المؤمن على السيارة يدفع شيئا من المال ، فإن هذا لا يقدح في صحة الضمان و الحالة هذه ، إذ ليس عندنا ما يمنعه .

 و لا يقدح في صحة هذا الضمان تبرع الشركة لدفع الديات و قيم الأضرار و المتلفات بدون رجوع فيه إلى أحد ، فإن هذا كله جائز على قواعد المذهب ، إذ من المعلوم شرعا و عرفا أن الجناية تتعلق بالجاني المباشر لها في خاصة العمد و على العاقلة في قتل الخطأ فيما زاد الثلث من الدية ، غير أن التزام الشركة بضمان هذه الجنايات و إن عظم أمرها و عدم اللجوء منها على أحد في غرمها أنه صحيح جائز ، و هو مما يجعل الجاني الذي لم يتعمد و كذا عاقلته في راحة عن المطالبة و الغرامة و هو خير من كونهم يتكففون الناس في سؤال هذه الغرامة أعطوهم أو منعوهم .

و غاية ما يتركون عليها هو الجهالة عن قدر الغرامة ، و هي مغتفرة فيها كسائر أمثالها من الضمانات و الشركات التي لا تخلو من الجهالة كشركة الأبدان و الوجوه و المفاوضة ، فإن فيها كلها شيئا من الجهالة . و قد تكلم بعض الفقهاء المتقدمين بعدم جوازها من أجله ثم استقر الأمر على أن مثل هذه الجهالة مغتفرة . 

قال في الإقناع : » و يصح ضمان ما لم يجب و ضمان المجهول كضمان السوق ، و هو أن يضمن ما يجب على التاجر للناس من الديون وهو جائز عند أكثر أهل العلم كمالك و أبي حنيفة وأحمد« انتهى.

و قال في الاختيارات : » و يصح ضمان المجهول و منه ضمان السوق و هو أن يضمن ما يلزم التاجر من دين و ما يقبضه من عين مضمونة و تجوز كتابته و الشهادة به لمن لم ير جوازه ، لأن ذلك محل الاجتهاد « انتهى .

فهذه المشاركات و ما يترتب عليها من الالتزامات التي هي بمعنى الضمانات كلها من الأشباه و الأمثال و النظائر التي يجب أن يقاس بعضها على بعض في الإباحة كشركة الأبدان و شركة الوجوه و شركة المفاوضة ، و مثله شركة الكهرباء و الإسمنت ، و لأن حمل معاملة الناس و عقودهم و شروطهم على الصحة حسب الإمكان أولى من حملها على البطلان بدون دليل و لا برهان … و الله أعلم .

 

تسامح مذهب الحنابلة في تقبل التأمين على السيارات وكثير من العقود والشروط والمعاملات

إن كل مختص في فهم فقه الأئمة الأربعة ، فإنه سيعرف تمام المعرفة أن نصوص الإمام أحمد وأصوله تستصحب الحكم بصحة عقد التأمين على السيارات وأن جوازها يتمشى على مذهبه ، كما يوافقه مذهب الإمام مالك وأبي حنيفة.

ولا نعنى بذلك أن الحنابلة ذكروا هذا العقد باسمه وصفته في كتبهم ، بل ولا غيرهم من سائر المذاهب لكونها حديثة الاختراع ولكل حادث حديث.

وإنما نعني أن نصوص الإمام أحمد ، تتسع لقبولها كسائر نظائرها من الشركات والضمانات وبيع أسهم الشركات.

لكون الإمام أحمد أكثر تصحيحا للعقود والشروط من سائر الأئمة ، ونصوص مذهبه تساير التطور في العقود المستحدثة.

لأن نصوص وإن تنص على كل عقد أو شرط باسمه لكنها كافي لحل جميع مشاكل العقود والشروط والشركات بالنص أو الاقتضاء أو التضمن ، غير أنها تحتاج إلى فهم ثاقب وتطبيق سليم وتبحر في فقه النصوص والقصود.

وقد اشتهر عند المتأخرين تسامح مذهب الإمام أبي حنيفة في مساير التطور في العقود المستحدثة ، من أجل أصحابه نشروا عنه ذلك وهو صحيح، غير أن مذهب الإمام أحمد يمتاز عليه في كثير من المسائل التي تقتضيها الحاجة وتوجبها المصلحة ، من ذلك أن نصوص الإمام أحمد وأصوله تدل على أن الأصل في العقود والشروط الصحة إلا ما دل الدليل على التحريم خلاف ما ذهب إليه الإمام أبوحنيفه من أن الأصل في العقود والشروط الحظر إلا ما دل الدليل على الإباحة وهو قول الظاهرية ، وهو مذهب الشافعي.

ومنها عقد المساقاة على النخل والشجر بالثلث أو النصف أو بشيء مما يخرج منها أو من غيرها أو بالنقود.

فقد أنكرها الإمام أبوحنيفه والإمام الشافعي وقالا: إنها بيع ما لم يخلق وأنها من الإجارة المجهولة وتفضي إلى الغرر.

أما الإمام أحمد فقد أجازها عملا بحديث خيبر وكما أن الضرورة والحاجة وعموم المصلحة تقتضي ذلك وعليه العمل في هذا الزمان.

ومنها شركة المفاوضة ، وهي أن يفوض كل واحد منهما إلى شريكه التصرف في ماله مع حضور صاحبه وغيبته ، فقد قال الإمام الشافعي لا يجوز واتفق الإمام أحمد ومالك وأبو حنيفه على جوازها.

ومنها شركة الأبدان ، فقد قال الإمام الشافعي بمنعها ، واشترط الإمام مالك لصحتها اتحاد الصنيعة بين الشريكين.

أما الإمام أحمد، فقد أجازها مع اختلاف الصنعة واتفاقها ، كما أجاز الاشتراك على الدابة له نصف وللدابة النصف الثاني.

ومنها شركة الوجوه ، فقد قال الإمام مالك والشافعي ببطلانها لكون الاشتراك الصحيح يتعلق على المال وعلى العمل وكلاهما معدومان في هذا المشاركة مع ما فيه من الغرر، لأن كل واحد منهما عاوض صاحبه بكسب غير محدود لا بصناعة لا بعمل مخصوص. هذا حجة من قال بمنعها كمالك والشافعي.

أما الإمام أحمد ، فقد قال بجوازها لأنها عمل من الأعمال فجاز انعقاد الاشتراك عليها.

وهذا هو الظاهر من مذهب الإمام أبي حنيفه وهو اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية.

ومنها شرط الخيار في البيع ، فقد قال الإمام مالك والشافعي وأبوحنيفه: لا يجوز الخيار فوق ثلاثة أيام إلا أن الإمام مالك قال لا يزاد الخيار على ثلاثة أيام إلا بقدر الحاجة ، كأن يصل إلى البلد وهو لا يصل إليها إلا فوق ثلاثة أيام.

أما الإمام أحمد ، فإنه قال بجواز شرط الخيار على ما يتفقان عليه زادت المدة أو قصرت حتى ولو زاد على الشهر ، لأنه حق ثابت بالشرع فرجع في تقديره إلى مشترطه كالأجل ويحكم بالملك في مدة الخيار للمشتري له غنمه وعليه غرمه.

ومنها إذا باع شيئا واستثنى نفعه المباح مدة معلومة غير الوطء ودواعيه ، كما لو باع بيتا واستثنى سكناه حولا أو أكثر.

فقد قال الإمام أبو حنيفه والشافعي: لا يصح هذا الشرط ، لأنه ينافي مقتضى البيع ، أشبه ما لو اشترط أن لا يسلمه إليه.

أما الإمام أحمد ، فقد قال بصحة هذا الشرط ولزوم ما يترتب عليه ، لقصة جابر حين باع بعيره على النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ واستثنى حملانه إلى المدينة.

وتأخير تسليم المبيع إلى المدة المحدودة لا ينفي صحة البيع كالدار المؤجرة فإنه يصح البيع فيها مع تأخير تسليمها.

ومنها بيع التلجئة وهي إذا خشي إنسان سلطانا أو ظالما أن ينتزع ملكه منه قهرا فاتفق مع إنسان بأن يظهر للناس أنه اشتراه منه ليحتمي بذلك من هذا الظالم و يريد بيعه على الحقيقة ، فإن هذا يسمى بيع تلجئة.

وقد قال الإمام أبو حنيفه والشافعي هو بيع صحيح ، ثم باركانه وشروطه فلزم العقد فيه.

أما الإمام أحمد ، فقد قال بعدم لزوم البيع لأنها لم يقصدا البيع الحقيقي الذي هو انتقال المبيع إلى المشتري فلم يصح بناءا على ما اتفقا عليه قبل العقد ، لكون العقود محموله على القصود.

ومنها بيع العربون وهو أن يشتري شيئا فيسلم بعض ثمنه ويقول جئتك ببقية الثمن وإلا فالعربون لك.

فقد قال مالك والشافعي وأبو حنيفه: هذا لا يصح لأنه بمثابة الخيار المجهول.

أما لإمام أحمد ، فقد قال: لا بأس به وفعله عمر وأجازه ابن عمر ، وضعّف حديث النهي عن بيع العربون.

ومنها لو اشترطت الزوجة في صلب العقد بأن لا يتزوج عليها أو أن لا يتسرى عليها أو أن لا يخرجها من دار أهلها أو بلدها ونحو ذلك.

فقد قال أبو حنيفه ومالك والشافعي: هذا شرط باطل لحديث » كل شرط ليس في كتاب الله فهو باطل ولو كان مائة شرط « ، وحديث » إلا شرطا أحل حراما أو حرم حلالا « ، وهذا الشرط يقتضي تحريم الحلال من التزوج بغيرها أو التسري أو السفر.

أما الإمام أحمد ، فقد قال بصحة هذا الشرط ولزومه ، وأنه لم يف به فلها الخيار بين البقاء أو فسخ النكاح ، لما روى البخاري أن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ قال: » إن أحق الشروط أن توفوا به ما استحللتم به الفروج « ، وحديث » المسلمون على شروطهم « .

والقول بصحة هذا الشرط ولزومه يروي عن عمر وسعد بن أبي وقاص ومعاوية وعمرو بن العاص ولا يعرف لهم مخالف في عصرهم فكان إجماعا.

وتزوج رجل بإمرأة واشترطت عليه دارها فأراد نقلها بغير اختيارها ، فخاصموه إلى عمره، فقال لها شرطها . فقال الرجل: إذا يطلقننا يا أمير المؤمنين فقال عمر: مقاطع الحقوق عند الشروط.

فهذه العقود والمشاركات والشروط وما يترتب عليها من الالتزامات والضمانات كلها من الأشباه والأمثال والنظائر التي يقاس بعضها على بعض في الإباحة لملائمتها للمعاملات في هذا العصر والتي لا توجد عند غيره من الأئمة .

وكل ما يصححه من العقود والشروط ، فإن لديه دليلا خاصا من أثر أو قياس لكونه يستنبط دلائل مذهبه من مسنده وقد بلغه في العقود والشروط من الآثار عن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ وعن الصحابة ما لم يبلغ غيره من الأئمة فقال به.

فهذا الاشتراك الاجتماعي الأهلي المنعقد لضمان تأمين السيارات والطائرات والسفن ونحوها ، يعتبر من التعاون المباح ويدخل في حدود التعامل الجائز، وما ينتج عنه من الأرباح فحلال لا شبه فيه ، أشبه شركة الكهرباء والإسمنت ونحوهما.

لأن حمل معاملة الناس على الصحة ، حسب الإمكان أولى من حملها على البطلان بدون دليل ولا برهان لكون العقد الصحيح عند أهل الأصول هو ما يتعلق به النفوذ من بلوغ المقصود ويعتد به . والباطل بخلافه وهو ما لا يتعلق به النفوذ ولا يعتد به ، وهذا الاشتراك وما يترتب عليه مستكمل لشروط الصحة شرعا.

ومن تأمل هذا تبين له أن جواز هذا الاشتراك وإباحة ما يترتب عليه من الربح أنه أشبه بأصول الشريعة وأبعد عن كل محذور .

لكون الأصل في العقود والشروط الإباحة إلا ما دل الدليل على تحريمه وأصول الإمام أحمد ونصوصه وقواعد مذهبه تقبل مثل هذا العقد وتنافي تحريمه.

لكن بعض العلماء في هذا العصر القائلين بمنعه أخذوه من العموميات اللفظية والقياسات الفقهية التي اعتقدوا شمولها لمثل هذا العقد ظنا منهم أنه جهالة أو غرر ، وما عارضوا به لم يصح عن الشارع القول بموجبه ولم يدخل في عموم المنهي عنه في أصل الشرع و لا في نصوص أحمد وأصوله ، لكون الجهالة فيه مغتفرة وليست من الغرر المنهي عنه ، بل هي من النوع الجائز كسائر أمثاله من الضمانات والشركات.

وبهذا تندفع الاعتراضات وتبقي الأدلة الشرعية كافية للإقناع العلمي الذي تزول به الشكوك والشبهات .

لهذا يجوز للقاضي الشرعي أن يحكم بصحة هذا العقد ولزوم ما يترتب عليه من الضمان.

ومتى صدر الأمر به من الحكومة يتمحض للحتم والإلزام.

وهو يدخل في ضمن عقد الضمان الذي ذكره الفقهاء من الحنابلة والمالكية والأحناف، حيث قالوا بصحة ضمان ما لم يجب وضمان المجهول وضمان أروش الجنايات ، سواء كانت نقودا أو ديانا وكونه لا يشترط لصحة مثل هذا الضمان معرفة الضامن للمضمون عنه ولا قدر المضمون به فمتى قابل العاقل بين هذا الضمان الموصوف بما ذكر وبين ضمان التأمين على السيارات وجده منطبقا عليه بجميع صفاته وإن اختلف مسمياته وقواعد الشرع تعطي الشيء حكم نظيره. والله أعلم.