![]() |
|
|
عملية
التمهيد لجمع الناس على الصيام و العيد أنه
ينبغي لنا أن نعمل فيما يعود بالصلاح على أمتنا وأهل ملتنا ، من كل ما يقضي بتخفيف
هذا الاختلاف والافتراق ، ويستدعي الاجتماع والاتفاق بأمر يقتضيه الحزم وفعل أولي العزم
ويكون مقرهم بمكة المكرمة ، مكان خيره
الله لبيته الذي جعله مثابة للناس وأمنا والذي هو أول بيت وضع في الأرض لعبادة
الله ـ عز و جل ـ فهذا هو مقرهم ، وأما تنظيم أمرهم وإصدار القرارات الصادرة منهم
في إبلاغ إثبات الأهلة وغيرها فيكون عند » الأمانة العامة لرابطة العالم
الإسلامي «
بمكة المكرمة فهي التي تتولى تنظيم أمرهم ، فهذه اللجنة
الاستهلالية يصرفون جهدهم في مراصدة الهلال وقت التحري لطلوعه ، فإذا رأوه حكم
بصحة رؤيتهم وصام الناس وأفطروا على يقين من أمرهم وحزم في أمر دينهم. ويمكن لأئمة المسلمين وقضاتهم بأن
يصدوا حكما للعمل برؤيتهم فيصير حجة على الجمهور من سائر الأقطار الإسلامية التي
تتفق مطالعها وإن لم يروه ترجح عدم استهلاله فلا يلتفتوا إلى أي خير يأتيهم من أي
بلد لرجحان عدم ثباته اللهم إلا أن يثبت ثبوتا شرعيا قطعيا بشهادة عدد من العدول الذي
لا يمكن اتفاقهم على الكذب ، كما روى أهل المدينة عن مالك أن الرؤية لا تلزم
بالخبر عند غير أهل البلد الذين وقعت فيهم الرؤية إلا أن يكون الإمام يحمل الناس
على ذلك ذكره في بداية المجتهد. وهذا العمل بهذه الصفة هو مما يزيد
المسلمين ثقة ويقينا واطمئنانا ولو عمل المسلمون علمه في التوثق واليقين في دخول
الشهر وخروجه بصفة ما ذكرنا لنجحوا في مهمة الاتفاق من جميع الآفاق. وأما إذا خيم الغيم على هلال شعبان
وأشكل الأمر على الناس فظاهر مذهب الحنابلة في ذلك معروف. وهو أنهم يحسبون تسعا وعشرين من شعبان
ثم يصومون اليوم الثلاثين ، حكما ظنيا احتياطيا أنه من رمضان ، ويستدلون على ذلك
بحديث ابن عمر أن رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ قال: » صوموا لرؤيته وأفطروا لرؤيته ، فإن
غم عليكم فأقدروا له « وفسر ابن عمر فأقدروا له بالتضييق عليه ، أي جعله تسعة وعشرين
يوما ، وقد خالف في ذلك من خالف من علماء الحنابلة ، إذ ليس القول بهذا ، متفق
عليه عندهم. أما الجمهور ، فإنه عند الغيم يكملون
عدة ثلاثين يوما ، سواء كان الغيم في هلال شعبان أو في هلال رمضان ، وكذا لو غم
الذي قبله فإنهم يعملون في هلال بإكمال العدة ثلاثين من كل شهر وهذا هو الظاهر من
مذهب مالك والشافعي وأبي حنيفه، وهو اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية ـ رحمه الله ـ لما
في الصحيحين أن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ قال: » صوموا لرؤيته وأفطروا لرؤيته ، فإن
غم عليكم فأكملوا العدة « ولمسلم » .. فأكملوا عدة شعبان ثلاثين يوما « . وكان سبب اختلافهم هو الإجمال في
قوله: فأقدروا له ، حيث فسره من فسره التضييق عليه ، أي جعله تسعة وعشرين ، كما هو
رأي ابن عمر ـ رضى الله عنه ـ وذهب الجمهور إلى أن معناه إكمال العدة ثلاثين ،
واستدلوا له بالأحاديث المفسرة له بإكمال العدة ثلاثين. أما تفسيره بالتضييق عليه ، فإن فيه
بعدا في اللفظ والمعنى ولم يثبت رفعه إلى الرسول بهذا اللفظ ، ويكفي في رده
الروايات المصرحة بإكمال العدة ثلاثين فقد ثبت رفعها وهي مفسرة لقوله: فأقدروا له
، فوجب أن يحمل المجمل على المفسر وهي طريقة معروفة عند الأصوليين خلاف في جواز استعمالها ، إذ ليس عندهم
بين المجمل والمفسر تعارض أصلا ، والمفسر مقدم على المجمل . وعن الإمام أحمد رواية أخرى أن الناس
في هذه القضية تبع للإمام إن صام صاموا وإن أفطر أفطروا ، لحديث » الصوم يوم تصومون والفطر يوم تفطرون
والأضحى يوم تضحون « رواه الترمذي من حديث أبي هريرة ،
وقال حسن غريب ، لكون القضية موضع اجتهاد وللإمام مجال في الاجتهاد فيها . أما المسلمون المقيمون أو الساكنون في
لندن وأمريكا وفرنسا والروس وسائر بلدان أوربا الذي تغمرها الغيوم المتواصلة دائما
، بحيث لا يرون فيها الشمس إلا نادرا ، فضلا عن الهلال فإن هؤلاء يكونون تبعا
للجنة الاستهلالية وللبلدان العربية في الصوم والفطر كسائر جماعة المسلمين ، إذا
هذا هو غاية جهدهم في معرفة وقت صومهم وفطرهم لحديث الصوم يوم يصوم الناس والفطر
يوم يفطر الناس » والأضحى يوم
يضحي الناس «
والناس هم جماعة المسلمين. وفي الختام ، فإن هذا هو نهاية ما
حضرني من الكلام في إيراد النصوص والأحكام المتعلقة بشأن الهلال وشهر الصيام وعيد
الإسلام ، وهي جواب عن رسالة الأمن العام لرابطة العالم الإسلامي ـ عليهم السلام ـ
كما أنها هدية دينية للخاص والعام ، وأني أرجو أن تقع بموقع القبول والرضي من
علماء المسلمين الذين لهم لسان صدق في العالمين ، وقدم راسخ في الفقه في الدين
وقلم خالص في النصح لله وعباده المؤمنين ، و لا أقول ببراءتي فيها من الخطأ
والتقصير، غير أنني لدى الحق أسير ، إذ ليس كل قائل خبير و لا كل ناقد بصير سوى
الله الذي لا معقب لحكمه ، نعم المولى ونعم النصير ، وصلى الله على محمد البشير
النذير وعلى آله وصحبه أجمعين. جرى تحريره في اليوم الثامن والعشرين
من شهر ذي القعدة ، عام ثلاث تسعين بعد الثلاثمائة وألف.
|