![]() |
|
|
إن كل
اجتماع يعقده الزعماء و الرؤساء و سائر المنتدبين لعلاج الأوضاع و إصلاح الأحوال و
الأعمال ، فإن مبدأ حديثهم يتناول البحث عن اختلاف المسلمين في الأعياد ، حيث يكون
عيد بعضهم اليوم و بعضهم بعد يومين ، و الكل مسلمون على دين واحد ، فهم يرون أن في
هذا الاختلاف نوع مغمز لأعداء الإسلام ، حيث يظنون أن المسلمين متفرقون في أصل
الدين و العقيدة ، و أنهم لن يتفقوا أبدا ، فالزعماء أعطوا هذا البحث نوعا من
الاهتمام ، يحبون اجتماع المسلمين على عيد واحد في يوم واحد ، كما أنهم على دين واحد
يأمر بالاجتماع و الاتفاق و ينهى عن الاختلاف و الافتراق » و اعتصموا بحبل الله جميعا و لا
تفرقوا « ، و كان النبي صلى الله عليه وسلم
ــ إذا قام إلى الصلاة قال : » استووا ولا تختلفوا فتختلف قلوبكم « . و أن هذا البغية المنشودة و الرغبة
المطلوبة لمن العمل السهل الميسر متى أخذوا بعزائم أسبابها و دخلوا عليها من بابها
، كيف و قد نصب الله لها صوى و منارا يعرفهم طريقها و يسلك بهم سبيل تحقيقها . و نحن نعيش في ضمن دولة إسلامية دينية
، هدفها الحق و السير برعاياها على سبيل العدل ، فهي تحيل النظر في أحكام الأهلة
إلى المحاكم الشرعية ، لتصحيح الشهادة و تمحيص العدالة ، ثم إبلاغ الناس بما يلزم
من ذلك . و أن الرأي السديد و الأمر المفيد
لجمع الناس على الصيام و العيد القريب منهم و البعيد ، هو في امتثال المأمور و
اتباع المأثور الثابت عن النبي صلى الله عليه وسلم حيث قال: » صوموا لرؤيته و أفطروا لرؤيته ،
فإن غم عليكم فأكملوا العدة ثلاثين « . و في قوله : » أنا أمة أمية لا نحسب و لا نكتب
الشهر هكذا و هكذا، تارة تسعا و عشرين و تارة ثلاثين ، فلا تصوموا حتى تروا الهلال
و لا تفطروا حتى تروه، فإن غم عليكم فأقدروا له « . متفق عليه . و لمسلم : فأقدروا
له ثلاثين . فالخطاب في هذا كله لعامة المسلمين
الذين خلق الله لهم الأهلة ليهتدوا بها لميقات صومهم و حجهم ، لأن من مقاصد الشارع
اتفاق الأمة في عباداتها و أعيادها ما أمكن الاتفاق . و غرض الشارع الحكيم من هذا كله هو
شهرة العلم بهذه الأوقات لقصد التعبد فيها بوظائفها المفروضة على الناس . و أن الأحكام المتعلقة بالصيام و عيد
الإسلام منوطة برؤية الهلال رؤية صحيحة ثابتة ، بحيث يراه عدد من العدول المعروفين
بالثقة و العدالة ، إذ الهلال أمر مشهور مشهود به مرئي بالأبصار و من أصح
المعلومات ما شوهد بالعيان ، إذ ليس الخبر كالعيان . و الحكمة في ذلك جعل العبادة في
ابتدائها و انتهائها مما يتيسر العلم بوقته لكل أحد من بادية و حاضرة ، و عالم و
جاهل و كاتب و أمي و رجل و امرأة ، فلم يجعل عبادة أحد متعلقة بإرادة الآخر ، لأن
الله سبحانه العظيم شأنه ، علم ما كان يتلاعب به علماء الأديان و رؤساء الأمم
السابقة ، من تصرفهم في العبادات الشرعية ، حيث أسقطوا عن أممهم فرض الصيام الواجب
عليهم تدريجيا ، و كانوا يحلون لهم و يحرمون بدون إذن من الله ، و اتخذوا أحبارهم
و رهبانهم أربابا من دون الله . فجعل عبادة هذه الأمة متعلقة
بالمشاهدة و الظهور و الأمر الجلي ، سواء في ذلك فرائض الصلوات و الصيام و الحج ،
يقول الله : » يسألونك عن
الأهلة قل هي مواقيت للناس والحج « . فمعرفة وقت الصيام في دخوله و خروجه ،
يعرف برؤية الهلال جليا واضحا ، بحث يستوي في العلم به و التكليف بواجبه جميع
الناس أو بإكمال العدة عند حصول ما يمنع الرؤية و متى رؤي ابتدأ فإنه يحكم لأول
ليلة ، سواء كان صغيرا أو كبيرا و سواء كانت منزلته عالية أو منخفضة ،فلو جرى
المسلمون على عملية التوثق و اليقين في دخوله و خروجه ، بحيث لا يصومون و لا
يفطرون حتى يراه عدد من العدول الثقات لسلموا من هذه التشكيكات و الاختلاف في
الصوم و العيد الناشئة عن الشهادات غير الثابتة في الرؤية و التساهل في الحكم
بصحتها و العمل بها و الله أعلم . |