الموضوع التالي

الموضوع التالي

الـفـهـــــرس

الموضوع السابق

الموضوع السابق

موانع الرؤية للهلال بمقتضى سنة الله الجارية في خلقه

إن الهلال آية من آيات الله في استهلاله و في إبداره و في إستراره ، وقد جعل الله له علامات يعرف بها إمكان رؤيته و علامات يعرف بها تعذر رؤيته ، كما جعله تارة ثلاثين و تارة تسعا و عشرين ، و قد قال بعض الصحابة : لما صمنا مع النبي صلى الله عليه وسلم تسعا و عشرين أكثر ما صمنا ثلاثين ، و الرؤية الصادقة الصحيحة تصدق ذلك أو تكذبه ، فهي أصح العلامات للعمل به ، لحديث : » صوموا لرؤيته و أفطروا لرؤيته «  و قال: » لا تصوموا حتى تروا الهلال و لا تفطروا حتى تروه ، فإن غم عليكم فأكملوا العدة ثلاثين « .

و متى رؤي الهلال ابتدأ حكم به لأول ليلة ، سواء كان صغيرا أو كبيرا و سواء كانت منزلته مرتفعة أو منخفضة ، لأن أجلى الحقائق ما شوهد بالعيان .

أما العلامات التي يعرف بها امتناع رؤيته و عدم صحة الشهادة به ، فمن أهمها كون يرى صباحا فيما بين الفجر و طلوع الشمس من جهة الشرق ، ثم يدعي بعضهم رؤيته مساء من ذلك اليوم من جهة الغرب ، فإن هذا من الممتنع المستحيل قطعا ، بمقتضى الحس و التجربة ، و العادة الجارية في سنة الله حتى و لو كان أقوى نظرا من زرقاء اليمامة ، فلا تتفق رؤيته صباحا ثم رؤيته مساء من ذلك اليوم ، فمن ادعاه فإنما خيل له و لم يره ، فالشهادة بذلك تعتبر كاذبة ، لأن من شرط صحة الشهادة كونها تنفك عما يكذبها .

و قد أجرى الله العادة في خلق القمر أنه يظهر لأبصار الناس في ثمانية و عشرين يوما من الشهر لحلوله في ثمانية و عشرين منزلا ، ثم يختفي عن أبصار الناس يومين إن كان تاما ثلاثين أو يوما واحدا إن كان ناقصا ، أي تسعة و عشرين .

فهذا الاختفاء و الاستسرار في اليومين أو اليوم لا بد منه كما هو متفق عليه عند أهل العلم و أهل الحساب و الجداول و المفسرين و علماء اللغة و بعضهم قال بجواز اختفائه ثلاثة أيام .

ويسمى هذا الاختفاء للهلال : السرار والاستسرار واجتماع النيرين والمحاق وغير ذلك من التسمية الجارية على ألسنة العرب ، فمتى رأوه صباحا طالعا نيرا ، عرفوا تمام المعرفة أنه لن يهل مساء من ذلك اليوم أبدا ، بمقتضى العادة التي  أجراها الله فيه .

وما يدعيه بعض أهل العلم من إخواننا في زماننا من القول بجوازه .

وعدم امتناعه كما سمعنا به من بعضهم ويجادلون في إثباته فهو قول لم يستند إلي إثبات لا بطريقة المشاهدة ولا التجربة ، ويترجح أن هذا القول إنما خرج منهم مخرج الظن والتخمين بدون علم ولا يقين وبدون مشاهدة و لا تجربة ، وذلك لا يغني عن الحق شيئا.

وكأنهم في نظرهم ومناظرتهم بنوا أمرهم على الشهادة المزيفة برؤية الهلال حيث يراه الناس صباحا ، ثم يشهد بعضهم برؤيته مساء ، فبنوا أمرهم ورأيهم على هذه الشهادة الكاذبة وجعلوها لهم بمثابة القاعدة وهي بلا شك من باب قياس الفاسد على الفاسد.

وسنورد من الأدلة ما يوضح امتناع ذلك وعدم إمكانه بمقتضى سنة الله في خلقه .

قال البغوي في تفسيره على قوله تعالى: » هو الذي جعل الشمس ضياء والقمر نورا وقدره منازل لتعلموا عدد السنين والحساب ما خلق الله ذلك إلا بالحق يفصل الآيات لقوم يعلمون « من سورة يونس.

قال: إن منازل القمر ثمانية وعشرين منزلا وأسماءها: الشرطان والبطين والثرياء والدبران والهقعة والهنعة والذراع والنثرة والطرفة والجبهة والزبرة والصرفة والعواء والسماك الأعزل والغفر والزبانا والأكليل والقلب والشولة والنعايم والبلدة وسعد الذابح وسعد بلع وسعد السعود وسعد الأخبية والفرغ المقدم والفرغ المؤخر والرشاء.

قال: فينزل القمر كل ليلة منزلا منها ويستتر ليلتين إن كان الشهر ثلاثين أو ليلة واحدة إن كان تسعا وعشرين.

وقال القرطبي في تفسيره على الآية وعلى قوله: » والقمر قدرناه منازل« .

قال: إن الله سبحانه قدر للقمر منازل وهي ثمانية وعشرون منزلا ينزل القمر منها كل ليلة بمنزلة ويومان للنقصان والمحاق ، ثم ساق عدد النجوم الثمانية والعشرين ينزل في كل ليلة منها ثم يستتر.

وقال ابن كثير في سورة نوح:

قدر الله للقمر منازل وبروجا وفاوت نوره ، فتارة يزداد حتى يتناهى ثم يشرع في النقص حتى يستتر ليدل على مضي الشهر .

وقال الخطيب الشربيني، في تفسيره: أنوار التنزيل ، قال: إنه منازل القمر ثمانية وعشرون منزلا وأسماءها: الشرطان والبطين .. إلخ.

قال: وهذه المنازل مقسومة على البروج وهي اثنا عشر برجا لكل برج منزلان وثلث ، فينزل القمر منها كل ليلة منزلا ثم يستتر ليلتين إن كان ثلاثين أو ليلة واحدة إن كان تسعا وعشرين.

وقال في تفسير المنار على الآية المذكورة:

قال: إن الله قدر للقمر في سيره في فلكه منازل ينزل كل ليلة ي منزل منها لا يخطئه ولا يتخطاه وهي ثمانية وعشرون معروفة تسميها العرب بأسماء النجوم المحاذية لها وهي ثمانية وعشرون : الشرطان والبطين وذكر بقية النجوم ، ثم قال: فهذه المنازل الثمانية والعشرون هي التي يرى فيها القمر بالأبصار ، ثم يبقى ليلتان إن كان الشهر ثلاثين أو ليلة واحدة إن كان تسعا وعشرين يحتجب فيها عن الأبصار فلا يرى أبدا.

وقال شيخ الإسلام ابن تيمية ـ رحمه الله ـ

قال: إن القمر يجري في منازله الثمانية والعشرين كما قدره الله منازل، ثم يقرب من الشمس فيستتر ليلة أو ليلتين لمحاذاته لها ، فإذا خرج من تحتها جعل الله فيه النور ، ثم يزداد نوره كلما بعد عنها إلى أن يقابلها ليلة الإبدار ، ثم ينقص كلما قرب منها إلى أن يجامعها ، ولهذا يقولون الاجتماع ، وأهل الحساب يسمونه اجتماع القرصين الذي هو وقت الاستسرار ، كما يعرف بذلك وقت الكسوف والخسوف ، فإن الشمس لا تكسف في سنة الله إلا عند الاستسرار إذا وقع القمر بينها وبين أبصار الناس على محاذات مضبوطة  كما أن القمر لا يخسف إلا في ليالي الإبدار لتحول الأرض بينه وبين الشمس ، فمعرفة الكسوف والخسوف تدرك بالحساب الصحيح.

قال: وأهل الحساب يرون بأنهم يعرفون طلوع الهلال بأنه عند غروب الشمس يكون قد فارقها بعشر درجات أو أقل أو أكثر أما كونه يرى أو لا يرى فهو آمر حسي طبيعي يحققه وجوده ليس حسابيا ، والآمر الشرعي في الصوم والفطر إنما يترتب على الرؤية المحققة لا على الحساب. انتهى.

وقال الراغب الأصبهاني في غريب القرآن ، قال: والسرار هو اليوم الذي يستسر فيه القمر آخر الشهر . وقال في نهاية ابن الأثير ، قال الأزهري: يقال سرار الشهر وسرره وهو آخر ليلة استسر فيها الهلال بنور الشمس ، وقال في مختار الصحاح: استسر القمر أي خفي ليلة السرار ، وربما كان ليلة وربما كان ليلتين.

وقال في لسان العرب: استسر القمر إذا خفي ليلة السرار ، وربما كان ليلة وربما كان ليلتين ، قال الشاعر:

نحن صبحنا عامرا في دارها

 

 

عشية الهلال أو سرارها

قال: وحكى عن الكسائي وغيره ، أنه قال: السرار آخر الشهر ليلة يستسر الهلال.

وقال أبوعبيده: ربما استسر ليلة وربما استسر ليلتين .. انتهى . وبهذا يتبين أن استسرار القمر ليلة أو ليلتين أنه من الآمر الثابت شبه المجمع عليه عند المحققين من سائر العلماء ،وقد أجرى الله العادة به واستقر في نفوس الناس معرفته ، فمتى رآه الناس صباحا عرفوا تمام المعرفة أنه لن يهل مساء أبدا ولا تنخرم هذه العادة التي هي بمثابة القاعدة ، بدعوى الرؤية الكاذبة ، وما كل ما يقال أنه رؤي في بلد كذا أن يكون صحيحا واقعا لوقوع الفرق شرعا وعرفا بين الخبر واليقين، والله أعلم.