الموضوع التالي

الموضوع التالي

الـفـهـــــرس

الموضوع السابق

الموضوع السابق

من شرط صحة الشهادة كونها تنفسك عما يكذبها

إن الله سبحانه ، يقول : » و أقيموا الشهادة لله  « ، كما قال : » و أقيموا الصلاة « ، فأمر بإقامة الشهادة كما أمر بإقامة الصلاة لله ، و إقامة الشهادة هي أن تأتي بها مقومة غير مائلة و لا مزيفة ، بل تشهد على حقيقة ما رأيت و سمعت بثبت و إتقان من غير زيادة و لا نقصان ، كما في الحديث على مثل الشمس » فاشهد أو دع « .

و الشهادة على الهلال هو مما يكثر الاشتباه فيها دائما ، بحيث يخيل للشخص أنه رأى شيئا و لم يكن شيئا ، كما علم بالقطع كثرة وقوع ذلك .

فإذا انحصرت الشهادة على رؤية الهلال في واحد أو اثنين من بين مجموع الناس ، فإنها شهادة ظنية ليست يقينية ، تشبه الخبر الذي يحتمل الصدق والكذب فهي لا تفيد اليقين قطعا ، سيما إذا كان هذا الشاهد أو الشاهدان ممن لا تعرف ثقتهما و لا عدالتهما ، إذ ليس الخبر كاليقين و لم يقل أحد من أئمة المذاهب الأربعة و لا فقهاءهم أنه يجب تصديق خبر مدعي الرؤية و إن لم تعلم عدالته .

سيما في هذا الزمان ، الذي ضعفت فيه الأمانة و فاض فيه الغدر و الخيانة و حاول الكثير من المنافقين بأن يتلاعبوا بالدين » الذين يبغونكم الفتنة و فيكم سماعون لهم « و المنافقون في هذا الزمان هم شر من المنافقين الذين نزل فيهم القرآن » الذين لا يألونكم خبالا ودوا ما عنتم « . قد بدت البغضاء من أفواههم و ما تخفي صدورهم أكبر ، فكان أحدهم يشهد برؤية الهلال في وقت مستحيلة رؤيته فيه ، و هذا مما يؤكد بطلان شهادتهم و وقوع التساهل في الحكم بها ، كما شهدوا في زمان فات برؤية هلال شوال و أمر الناس بالفطر فأفطروا ، و عند خروجهم إلى مصلى العيد لصلاة العيد انخسفت الشمس و الناس في مصلى العيد ، و من المعلوم أن الشمس
لا يخسف بها في سنة الله إلا في اليوم الثامن و العشرين و التاسع و العشرين ، أي ليالي الأسرار، كما أن القمر لا ينكسف إلا في ليالي الأبدار ، أي ثلاث عشرة أو أربع عشرة و خمس عشرة ، كما حقق ذلك أهل المعرفة بالحساب و علماء الفلك و حققه شيخ الإسلام ابن تيمية في مواضع عديدة و أبطل ما يعارضه .

فالاستمرار على هذا الخطأ الناشئ عن الشهادات المزورة لا يجيزه النص و لا القياس ،
و لن نعذر عند الله و عند خلقه بالسكوت عنه .

ثم إن الناس في هذا الزمان أخذوا يتساهلون في تصحيح الشهادة و تمحيص العدالة ،
و صار كل واحد مقبول الشهادة على خاصة الهلال ، و بناء على هذا التسامح أخذ بعض الناس يتسابقون إلى ادعاء رؤية الهلال بدون تثبت و يقين فدخل الخطأ على الناس في هذه العبادة فصاروا يصومون شيئا من شعبان و يفطرون شيئا من رمضان ، بناء على شهادة من لا يعرفون عدالته و لا ثقته .

من ذلك ، أنه جاء الخبر من إحدى البلدان برؤية هلال شوال من هذه السنة ليلة الجمعة ، و أن يوم الجمعة هو العيد فضجت الأصوات من الإذاعات يأمرون الناس بالفطر يوم الجمعة ، لاعتبار أنه العيد ، فأفطر الناس و في الليلة الثانية التي هي ليلة السبت ، اجتهد الناس لرؤيته فلم يروه قطعا ، و في الليلة الثالثة التي هي ليلة الأحد رآه أفراد من الناس الحادة أبصارهم رأوه ضعيفا ، و قد سبره عدد من العقلاء الرؤساء حتى غاب في خمس و عشرين دقيقة ، و بعضهم قال في ثلاثين دقيقة ، و هو الليلة الثالثة على حسب هذه الشهادة ، و كان الصحابة يصلون مع رسول الله صلى الله عليه وسلم صلاة العشاء غيبوبة القمر ليلة الثالثة ، كما في سنن أبي داود عن النعمان بن بشير ، أنه قال : أنا أعلم الناس بوقت صلاة العشاء الآخرة ، كان رسول الله صلى الله عليه وسلم ــ يصليها سقوط القمر لثالثه .

لهذا اضطرب الناس من هذه الشهادة ، و عرفوا تمام المعرفة أن يوم الجمعة من رمضان و كذا يوم السبت على الراجح ، و أخذوا يسألون عن قضاء هذا اليوم أو اليومين ، هل يجب أو يستحب أو لا يجب و لا يستحب .

و هذه المسألة ترجع إلى قضية من أفطر في نهار رمضان ، يظن أن الشمس قد غربت ثم تبين أنها لم تغرب ، و قد وقعت هذه القضية على الصحابة ــ رضى الله عنهم ــ كما روى البخاري في صحيحه ، قال : حدثني عبد الله بن شيبة ، حدثنا أبو أسامة عن هشام بن عروة عن فاطمة عن أسماء بنت أبي بكر قالت : أفطرنا على عهد النبي صلى الله عليه وسلم يوم غيم ثم طلعت الشمس . قيل لهشام : أ فأمروا بالقضاء ، قال : لا بد من قضاء . و قال معمر : سمعت هشاما قال : لا أدري أ قضوا أم لا . قال في فتح الباري : » اختلف عن عمر في ذلك عنه ترك القضاء قائلا : لم نقض أنا لم نتجانف الإثم « و روى مالك عنه أنه قال : الخطب يسير و قد اجتهدنا .

و روى عبد الرزاق ، عنه أنه قال : نقض يوما . و روى سعيد بن منصور عنه : و فيه من أفطر منكم فليصم يوما مكانه . قال : و جاء ترك القضاء عن مجاهد و الحسن ، و به قال إسحاق و أحمد في رواية واختاره ابن خزيمة ، انتهى .

و ظاهر المذهب وجوب القضاء لكون الأصل بقاء النهار و حكى في الإفصاح اتفاق الأئمة على وجوب القضاء .

و رجح شيخ الإسلام ابن تيمية ــ رحمه الله ــ عدم القضاء لدخوله في عموم قوله : عفي لأمتي عن الخطأ و النسيان . انتهى . و كما لو أكل ظانا أن الفجر لم يطلع فتبين أنه طالع فلا قضاء عليه في ظاهر المذهب .

و قد نص الفقهاء على أنه لو وقف الناس بعرفة اليوم الثامن خطأ ، فإن حجهم صحيح ، لقول النبي صلى الله عليه وسلم ــ : » الحج يوم يحج الناس و هذا يوم حج الناس « على حسب اجتهادهم ، كما لو اجتهد إنسان فصلى ثم تبين أنه صلى غير جهة القبلة ، فإن صلاته صحيحة ، لا يعيدها ، لكون المكلفين إنما خوطبوا بالظاهر الذي يسعهم العلم به ، فإذا اجتهدوا فأخطأوا فلا حرج عليهم ، أشبه بالقاضي إذا اجتهد و أخطأ فله أجر .