الموضوع التالي

الموضوع التالي

الـفـهـــــرس

الموضوع السابق

الموضوع السابق

بسم الله الرحمن الرحيم

                                                                            14/10/90هـ

حضرة صاحب السماحة مفتى قطر                              الموقر

      قطر

السلام عليكم و رحمة الله و بركاته ــ و بعد :

يسر الأمانة العامة لرابطة العالم الإسلامي أن ترجو من سماحتكم المساهمة في تحقيق هدف من أهدافها النبيلة التي ترمي إلى جمع الكلمة و توحيد الصف و الدعوة إلى التضامن في سبيل الحق و إعلاء كلمة الله .

و لقد و جدت الرابطة في اختلاف الأقطار الإسلامية على دخول شهر رمضان و ثبوت الصيام ، مثار نزاع شديد أدى إلى فرقة و خصومة في بعض البلدان الإسلامية ، الأمر الذي يحز في النفوس و تألم له القلوب التي تود للمسلمين أن تسود بينهم المحبة و الألفة ، فيكونوا عباد الله إخوانا يتسابقون في الخيرات و يسارعون إلى المبرات . و لقد فكرت الأمانة العامة في إيجاد حل لجمع هذا الشتات الفكري و النزاع الفقهي الذي قد تتطور آثاره إلى فرقة يأباها الضمير الإسلامي  فتقدمت إلى المجلس التأسيسي بتقرير حول هذا الموضوع و ما يترتب على ذلك من محاذير
وأضرار . و لقد درس المجلس هذا التقرير و قرر ضرورة استقصاء البحث في هذا الموضوع الهام من الوجهة الفقهية والأدلة الشرعية بشأن النقاط التالية :

الأولى : اختلاف المطالع ، هل يعتبر أو لا يعتبر .

الثانية  : ما تثبت به رؤية الهلال ، هل يكفي خبر الواحد العدل أو لا بد من نصاب الشهادة أو الاستفاضة ، و هل الشهور كلها في ذلك سواء أو تختلف .

الثالثة  : الحكم إذا كان بالسماء غيم قد يحول دون الرؤية .

الرابعة : رؤية الهلال نهارا قبل الزوال أو بعده .

الخامسة : هل يجوز الاعتماد على الحساب الفلكي في ثبوت الهلال أو لا يجوز .

و غير ذلك من النقاط و البحوث ، الأمر الذي يحتاج إلى دراسة مستفيضة فيه و اختيار ما يرى من الأحكام محققا للغرض مدعما بالأدلة الشرعية ، و لذلك قرر المجلس استمرار البحث في هذا الموضوع و عرضه في الدورة المقبلة لاجتماعه في منتصف شهر جمادي الثانية 1391هجرية .

و نظرا لما لسماحتكم من مكانة علمية مرموقة و غيرة دينية معروفة و حرص على توحيد الكلمة و جمع الشتات في ظل الأحكام الشرعية و التعاليم الإسلامية ، فإن الأمانة العامة لترجو أن تتلقى من سماحتكم دراسة مستوفاة حول هذه النقاط التي أشار إليها المجلس ، حتى تتمكن بعد دراسة الآراء و البحوث من وضع قرار يتفق و أهداف الشريعة الإسلامية و تعاليمها .

و ثقوا يا صاحب السماحة أنكم بهذه المساهمة العلمية تؤدون رسالة إسلامية لها أجرها العظيم و ثوابها الجزيل عند من لا يضيع أجر من أحسن عملا . و تقبلوا عظيم شكري و تحيتي و احترامي .

                                                                      محمد سرور الصبان

                                                                          الأمين العام

                                                                    لرابطة العالم الإسلامي

يرجى الرد على العنوان التالي

ح / رابطة العالم الإسلامي ــ مكة المكرمة

 

 

 

الحمد لله رب العالمين و به نستعين ، و نعوذ بالله من شرور أنفسنا و سيئات أعمالنا و من همزات الشياطين .

أما بعد ــ فإن الله سبحانه بعث نبيه محمدا ــ صلى الله عليه وسلم ــ كافة الناس عربهم و عجمهم بدين كامل و شرع شامل صالح لكل زمان و مكان قد نظم أمور الناس أحسن نظام في عباداتهم و أعيادهم و معاملاتهم و سائر أمور الحلال و الحرام ، و ساوى في التكليف بهذا الدين بين سائر الناس الخاص منهم و العام ، فلم يجعل عبادة أحد منهم مقيدة و مرتبطة بأمر الآخر و لا إرادته .

و من حكمته و شمول رحمته ، أن جعل العبادات في الإسلام متعلقة بالظهور و المشاهدة و الأمر الجلي و الواضح الذي لا خفاء فيه ، فوقت صلاة الفجر يعرف بطلوع الفجر و انتشاره ، و وقت الظهر يعرف بزوال الشمس ، و وقت العصر حين يصير ظل كل شيء مثله بعد فيء الزوال ، و وقت المغرب بغروب الشمس ، و وقت العشاء بذهاب الشفق الأحمر .

و يعرف وقت الصيام رمضان برؤية الهلال باديا للناظرين ، فإن لم ير مع الغيم فبإكمال عدة شعبان ثلاثين يوما و كذلك شهر الحج .

يقول الله : » يسألونك عن الأهلة قل هي مواقيت للناس و الحج  « ، و سبب هذا السؤال على ما رواه أبو نعيم ، أن معاذ بن جبل و ثعلبة بن غنم ، قالا : يا رسول الله ، ما بال الهلال يبدو دقيقا كالخيط ثم يزيد حتى يعظم و يستوي و يستدير، ثم لا يزال ينقص و يدق حتى يعود كما كان لا يكون على حالة واحدة فأنزل الله » يسألونك عن الأهلة قل هي مواقيت للناس و الحج « ، فنقلهم سبحانه عن السؤال عن الذات إلى الإخبار بالصفات ، كأن الله قال : أنه لا فائدة ولا مصلحة لكم في البحث عن جرم الهلال ، و إنما عليكم أن تنظروا إلى الحكم و المصالح المترتبة على الهلال ، حيث جعله الله ميقاتا لصيام الناس و حجهم و عدد نسائهم و إيلائهم و حلول ديونهم و به تعرف أشهر الحج و الأشهر الحرم التي حرم الله القتال فيها ، سواء كان التحريم باقيا أو منسوخا .

 فالتوقيت بالأهلة هي المواقيت المشهورة لجميع الناس منذ خلق الله الدنيا يقول الله : »  إن عدة الشهور عند الله اثنا عشر شهرا في كتاب الله يوم خلق السماوات و الأرض منها أربعة حرم ذلك الدين القيم « .

لأن التوقيت بالأهلة يسهل على جميع الناس معرفتها ، العالم بالحساب و الجاهل به و البدوي و الحضري و الكاتب و الأمي ، لكون الهلال أمر مشهور مشهود به مرئي بالأبصار و أجلى الحقائق ما شوهد بالعيان ، إذ ليس المخبر كالمعاين ، و لهذا سمي  » هلالا « لاستهلال الأصوات برؤيته ، كما سمي شهر الشهرته إذ الرؤية للهلال و اشتهاره بمثابة الفجر و انتشاره . و قصد الشارع الحكيم من هذا كله هو شهرة العلم بدخوله و خروجه ، إذ هو بمثابة الصوى و المنار الذي يعرف به ، حيث قال : » صوموا لرؤيته و أفطروا لرؤيته  « .و قال » لا تصوموا حتى ترو الهلال و لا تفطروا حتى تروه  « لقصد التعبد بالوظائف الواجبة فيه حتى لا يزداد فيها و لا ينقص منها ، و بخلاف الشهور الشمسية ، فإنه لا يعرفها إلا الحاسب أو الكاتب و يجهلها أكثر الأميين من الحضر و كل البوادي و لا يترتب عليها شيء من العبادات أبدا .

لهذا لا يجوز الاعتماد في الصوم و الفطر على الحساب ، كحساب الجداول و غيرها ، لكون الحساب مبني على الظن و التخمين لا على العلم و اليقين ، فهم في إجراء عملية الحساب يجعلون شهرا كاملا و شهرا ناقصا إلى نهاية السنة ، و من المعلوم أن تمام الشهر ثلاثين قد يتوالى في شهرين و ثلاثة و النقص في الشهر كونه تسعا و عشرين قد يتوالى في شهرين و ثلاثة فينتقض بذلك نظام حسابهم ، كما نرى وقوع الخطأ في التقاويم ، حيث يقول بعضهم : أن أول الشهر يوم كذا و بعضهم يقول يوم كذا .

إن أعظم مقاصد القرآن الكريم و الشرع الحكيم في التوقيت بالأهلة هو اتفاق الأمة في عباداتهم من صيامهم و حجهم و أعيادهم ما أمكن الاتفاق ، إذ هذا من السهل الميسر ، متى سلكوا مسالكه و أخذوا بعزائمه .

فلو جرى المسلمون على نصوص الكتاب و السنة في إثبات الأهلة بطريق اليقين من الرؤية بأن يراه عدد من العدول المعروفين بالأمانة و الصدق فيصومون برؤيتهم على يقين من أمر دينهم لكان أفضل في حقهم من هذا الاختلاف الواقع بينهم في صومهم و أعيادهم لأنهم في هذا الزمان أخذوا يتساهلون في تصحيح الشهادة بدون أن يعرفوا ثقته و عدالته و نجم عن هذا التساهل أن صاروا يشهدون به في وقت مستحيلة رؤيته فيه و يشهدون به الليلة ثم لا يراه الناس الليلة الثانية من كل ما يحقق بطلان شهادتهم ، فدخل على الناس بسبب هذا التساهل شيء من الخطأ في هذا العبادة فصاروا يصومون شيئا من شعبان و يفطرون شيئا من رمضان .

و بسببه وقع الاختلاف بين أهل الإسلام في صومهم و عيدهم ، لأنه متى كان بعض أهل الإسلام يعتمدون في صومهم و عيدهم على الرؤية المحققة الذي يشهد بها عدد من العدول الذي لا يمكن تواطؤهم على الكذب فيصومون برؤيتهم و يفطرون برؤيتهم ، و هؤلاء هم أسعد الناس بالصواب في هذه القضية .

و بعضهم يعتمدون في صومهم و فطرهم على أي خبر يأتيهم من أي بلد عن طريق الإذاعة فيقبلونه على علاته و يعملون به في صومهم و فطرهم ، فإن هذا بلا شك من لوازمه الافتراق و عدم الاتفاق ، كما يشهد به الواقع المحسوس .

فلو عملوا عملهم في التوثق في الشهادة فلم يدخلوا في صوم رمضان و لم يخرجوا منه إلا باليقين الثابت من الرؤية الصادقة التي يشهد بها عدد من الثقات العدول ، كما نص على ذلك جمهور فقهاء المسلمين ، لحصل حينئذ الاتفاق ، و زال عن الناس هذا الافتراق ، إذ الرؤية المحققة الصحيحة تجمع أهل الإسلام من شتى البلدان فيراه أهل الشام و مصر و العراق و المغرب كما يراه أهل نجد و الحجاز و اليمن و كما يراه أهل فارس و باكستان و الهند .

و ما ذكره الفقهاء من اختلاف المطالع بين هذه البلدان ، فإنما قالوه بمحض الاجتهاد يؤجرون عليه ، لكنه بمقتضى المشاهدة و التجربة يترجح عدم صحته و أن التفاوت في مطلعه بين هذه البلدان منتف ، فيراه أهل الشام و العراق و مصر كما يراه أهل نجد و الحجاز و اليمن ، لا يتغير عن مطلعه ولا يختلف عن حالته لأن الله سبحانه نصب الهلال ميقاتا لجميع الناس عربهم و عجمهم ، يعرفون به وقت صومهم و حجهم » يسألونك عن الأهلة قل هي مواقيت للناس و الحج « ، و ما كان كذلك ، فإنه لا يتغير بحال و لو جربوا لعرفوا صحة ذلك .

 و الحكمة في ذلك ظاهرة ، و هي أن تكون طريقه إثبات العبادة واحدة ، و ما ثبت من الأحكام على رؤية الهلال ، فإنه لا يتغير بحال و لا يختلف في محل دون محل .

و إنما يقع الاختلاف بين الناس لاختلاف الرائي ، و عدم توثقه في رؤيته لا المرئي .

فقول النبي صلى الله عليه وسلم ــ : » صومكم يوم تصومون و فطركم يوم تفطرون و أضحاكم يوم تضحون « هو خطاب لجميع الناس في كل بلد ، لكون الهلال إذا ظهر في بلد و رأوه رؤية صحيحة ، فإنه غالبا يظهر كذلك في كل بلد ، إذا لم يحل دون منظره غيم أو قتر.

و إذا لم يظهر الهلال و إنما قيل بأنه رؤي في بلد كذا ، فإن هذا خبر يصدقه اليقين أو يكذبه ، و ما آفة الأخبار إلا رواتها ، و الله أعلم .