![]() |
|
|
الجهاد في سبيل الله
وفضل النفقة عليه خطبة
أقاها المؤلف يوم الجمعة على الناس حينما حمي وطيس الحرب بين المسلمين واليهود في
العاشر من رمضان عام 1393هـ بسم الله الرحمن
الرحمن الرحيم الحمد لله ونستعين بالله ، ولا حول ولا قوة إلا بالله ،
ونصلي ونسلم على رسول الله ، وأشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمداً رسول الله
. أما بعد : فإن من حكمة احكم الحاكمين أن أوجب الله على
عباده المؤمنين جهاد الكفار والمنافقين ليمتحن بذلك صحة إيمان المدعين وليعلم الكل
علم اليقين ان الدنيا دار ابتلاء وامتحان والعاقبة للمتقين " ذلك ولو يشاء
الله لانتصر منهم ولكن ليبلو بعضكم ببعض " ، " ولنبلونكم حتى نعلم
المجاهدين منكم والصابرين " . والجهاد هو سنام الإسلام لأن الدين رأسه
الإسلام وعموده الصلاة وذروة سنامه الجهاد في سبيل الله ، والجهاد يكون بالحجة
والبيان ويكون بالقوة والرجال ويكون بالمال . ولكل مقام مقال لأن الجهاد مأخوذ من
بذل الجهد والطاقة في اعلاء كلمة الحق ونصر دينه والذود عن حدود المسلمين وحقوقهم
وحرماتهم . والمسلم يجاهد بسيفه ولسانه وماله ، كما في الحديث ، أن النبي صلى الله
عليه وسلم قال : (جاهدوا المشركين بأموالكم وأنفسكم وألسنتكم ) . وأخبر النبي صلى الله عليه وسلم : ( بأنه ما ترك قوم الجهاد
في سبيل الله إلا سلط الله عليهم ذلاً لا ينزعه حتى يراجعوا دينهم ) . وفي القرآن والسنة تكرار فضل الجهاد
والمجاهدين ، وأخبر الله في كتابه الحكيم : بأن الجهاد هو التجارة الرابحة في
الأجر ، كما أنه من أسباب العز والنصر فقال : " يا أيها الذين آمنوا هل أدلكم
على تجارة تنجيكم من عذاب أليم تؤمنون بالله ورسوله وتجاهدون في سبيل الله باموالكم
وأنفسكم ذلكم خير لكم إن كنتم تعلمون – الى قوله ... وأخرى تحبونها نصر من الله
وفتح قريب " . إن السلف الصالحين من الصحابة والتابعين لما سمعوا آيات
الجهاد تتلى عليهم قالوا : ( سمعنا وأطعنا غفرانك ربنا ) فساحت أيديهم بالنداء
وسمحت نفوسهم بالفداء ، فمنهم البائع لنفسه ، ومنهم الباذل لماله حمية دينية ونخوة
عربية ، لعلمهم أن الله اشترى من المؤمنين أنفسهم وأموالهم بان لهم الجنة يقاتلون
في سبيل الله ، فمن أخبارهم الشهيرة ومآثرهم المنيرة أن رجلاً من الصحابة ، جاء
إلى رسول الله فقال : أرأيت إن قاتلت فقتلت صابراً محتسباً ماذا أكون ، فقال :
" في الجنة " وكان في يده كسرة تمرة فقال : والله لإن بقيت حتى آكل هذه
الكسرة ، إنها لحياة طويلة ثم رمى بها وهز سيفه وأقبل يرتجز ويقول : ركضاً الى
الله بغيــر زاد إلا
التقى وعمل المعــاد والصبر في
الله على الجهاد إن
التقى من أفضل المزاد فقاتل حتى قتل – رضي الله عنه - . ثم أن النبي صلى الله عليه وسلم حثهم على الجهاد في سبيل
الله في غزوة العسرة ، وكانت زمن جهد ومجاعة فقال عثمان بن عفان رضي الله عنه :
عليَّ مائة بعير بأحلاسها وأقتابها . ثم حثهم أخرى ، فقال عثمان : عليَّ مائة بعير
بأحلاسها وأقتابها . ثم حثهم أخرى ، فقال عثمان : عليّ مائة بعير بأحلاسها
وأقتابها ، ثم جاء بصرة دنانير كادت كفه تعجز عنها فوضعها بين يدي رسول الله ،
فجعل رسول الله يقلبها ويقول : ( ما ضرَّ عثمان ما فعل بعد اليوم ، غفر الله لك
ياعثمان ما قدمت وما أخرت ) . وقدمت عير من الشام لعبد الرحمن بن عوف تقدر بسبعمائة بعير تحمل
طعاماً وثياباً وإدماً ، فتصدق بها كلها في سبيل الله . فبالله قل لي : كيف عاقبة أمرهما بعد هذا الانفاق الطائل ،
أجبك بأنهما توفيا وهما من أحسن الناس حالاً ، وأكثر الناس مالاً ، وتصدق عمر بشطر
ماله . إن الله سبحانه قد ضمن النصر للمؤمنين المجاهدين ، فقال :
" إنا لننصر رسلنا والذين آمنوا في الحياة الدنيا ويوم يقوم الأشهاد " ،
وقال : " وكان حقاً علينا نصر المؤمنين " ، فهذا النصر المضمون للمؤمنين
هو مشروط بنصرهم لدين الله وحمايته والذود عن حدود المسلمين وحقوقهم وحرماتهم ،
وأن يجاهدوا أنفسهم على القيام بواجبات دينهم قبل ان يجاهدوا عدوهم حتى يكون الله
وليهم وناصرهم والمعين لهم على عدوهم " إن تنصروا الله ينصركم ويثبت أقدامكم
" ونصر الله هو أن يقصد بالحرب حماية الحق وإعلاء كلمته ولا بد مع هذا من
الأخذ بأسباب عدته من الوسائل من الحزم والحذر والاستعداد بالقوة كما أرشد إليه
الكتاب العزيز في قوله : ط خذوا حذركم " " وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة
" ، والقوة تختلف باختلاف الأحوال والأزمان ولكل زمان دولة وقوة ورجال تناسب
حالة القتال ، وفسر النبي صلى الله عليه وسلم القوة بالرمي وهو حق ولم يذكر الرمي
به لكونه يختلف باختلاف الزمان والمكان . أما اذا تخلف عملهم عن واجبات دينهم أو لم يستعدوا بالحزم
والقوة لجهاد عدوهم ، فإنه يتخلف عنهم هذا النصر المضمون لهم من اجل إحلالهم
بواجبات عملهم وعدم امتثالهم لأمر ربهم ابتلوا بهذه المصائب ليطهرهم من المعايب
كما قيل كم ضارة نافعة ، لأن ذنوب الجيش جند عليه والاتكال على الايمان بدون عمل
يعتبر عجزاً ومخالفة لأمر الله ورسوله . فلا يصح التوكل ولا يصلح إلا بعد الأخذ
بالأسباب المؤهلة من النصر . لهذا ، يجب التفكير في سبب تخلف هذا النصر عن المؤمنين طيلة
هذه السنين في قوله : " وكان حقاً علينا نصر المؤمنين " ولن يخلف الله
وعده وإن تخلف هذا النصر هو من أجل تخلف إصلاح الأحوال والأعمال ، فتسلط الأعداء
عليهم في حال تقصيرهم بواجبات دينهم وعدم استعدادهم بالقوة لمجابهة عدوهم "
وما أصابكم من مصيبة فبما كسبت أيديكم ويعفو عن كثير " . إن الشيء بالشيء يذكر والدنيا كلها عبر . إنه لمّا كانت وقعة بدر وكان أصحاب رسول الله قلة وفي حالة
ضعف وذلة وأقبل المشركون بخيلهم وخيلائهم وهم محدقون بالسلاح التام يريدون أن
يستأصلوا شأفة رسول الله وأصحابه ، وأن يبيدوا خضراءهم فصف رسول الله المقاتلة ،
ثم قام يدعو ويتضرع إلى ربه حتى سقط رداءه من طول قيامه للدعاء ، فلما التقى
الجمعان أنزل الله النصر على نبيه وأصحابه فقتلوا سبعين من عظماء المشركين وأسروا
سبعين وضربوا عليهم الفداء . وبعد هذا النصر والظفر ، دخل في قلوب الصحابة شيء من قوة الإيمان
بالله والتوكل عليه وظنوا أنهم لن يُغلبوا ابداً من أجل إيمانهم وكونهم حزب رسول
الله ويقاتلون في سبيل الله ، مما جعلهم يكسلون عن الاحتفال بالأسباب وأخذ الحذر
والاحتفاظ عن غوائل عدوهم . وفي وقعة أحد ، صف رسول الله المقاتلة في مصافهم وامر عبد
الله ابن جبير على سرية وجعلهم في فم شعب وقال لهم : احموا ظهورنا ولا تبرحوا عن
مكانكم حتى لو رأيتم الطير تخطفنا فلا تنصرونا أو رأيتمونا نغنم فلا تشركونا ،
وكانت الغلبة للنبي وأصحابه أول النهار حتى كسروا تسعة ألوية للمشركين ، وانهزم
المشركون وجعل السلاح والمتاع يتساقط منهم والناس يحوزونه ، فقال أصحاب عبدالله بن
جبير بعضهم لبعض : الغنيمة .. الغنيمة ، فذكرهم أميرهم قول رسول الله فعصوه وأخلوا
مركزهم ، فدخلت خيل المشركين من جهته فقتلوا سبعين من الصحابة وشجوا رأس رسول الله
وكسروا رباعيته ودلوه في حفرة ظنوه ميتاً وصرخ الشيطان : قتل محمد . وبعد هذه الهزيمة أخذ الصحابة يتفكرون في سببها وقد عرفوا
أنها إنما حصلت عليهم بسبب ذنب اقترفوه في إخلاء مركزهم الذي أمروا بحفظه وأنزل
الله ، كالتأنيب والتأديب : " أو لما اصابتكم مصيبة قد أصبتم مثليها قلتم أنى
هذا قل هو من عند أنفسكم " ، أي بسبب تقصيركم بواجبكم . فهذه الكبوة وما حصل على أثرها من النكبة قد أورثت الصحابة
شيئاً من الحزم ، وفعل أولي العزم من أخذ الحذر والاستعداد بالقوة ، واستعمال
وسائل الكيد لعدوهم مما جعلهم يتوصلون الى ما تحصلوا عليه من فتح مشارق الأرض
ومغاربها حتى استطاعوا أن يثلوا عرش كسرى وقيصر في أقصر مدة من الزمن ، وهم من أرقى
الأمم حضارة ونظاماً وقوةً وعتاداً وعدداً ، وذلك بأنه لما انتشرت فتوحهم
الإسلامية وامتد سلطان المسلمين على الأقطار الأجنبية لم يقصروا نفوسهم على
استلذاذ الترف ورخاء العيش وتزويق الأبنية فحسب ، بل عكفوا جادين على تمهيد قواعد
الدين ، وهدم قواعد المبطلين ونشر الأحكام الشرعية ، وتعميم اللغة العربية ،
فاختطوا المدن وأنشأوا المساجد وأشادوا المكارم والمفاخر وأزالوا المنكرات
والخبائث ، فأوجدوا حضارة نضرة جمعت بين الدين والدنيا أسسوا قواعدها على الطاعة
فدامت لهم بقوة الاستطاعة ، وغرسوا فيها الأعمال البارة فأينعت لهم بالأرزاق
الدارة ، فكانوا ممن قال الله فيهم : " ولينصرن الله من ينصره إن الله لقوي
عزيز ، الذين إن مكناهم في الأرض أقاموا الصلاة وآتوا الزكاة وأمروا بالمعروف
ونهوا عن المنكر ولله عاقبة الأمور " فمن قام بالله عز ومن كان مع الله كان
الله معه . إن المصارعة بين الحق والباطل وبين المسلمين والكفار لا
تزال قائمة وموجودة من لدن خلق الله الدنيا إلى أن تقوم الساعة وحتى يقاتل آخر هذه
الأمة الدجال " كتب عليكم القتال وهو كره لكم وعسى ان تكرهوا شيئاً وهو خير
لكم وعسى ان تحبوا شيئاً وهو شر لكم والله يعلم وأنتم لا تعلمون " . ويترتب
على هذه الجروب حكم ومصالح لا يعلم غايتها إلا الله الذي قدر سببها " ولو لا
دفع الله الناس بعضهم ببعض لفسدت الأرض " . فمن ظن أن الله يديل الباطل على الحق إدالة مستمرة ، أو ظن
أن الله يديل اليهود على المسلمين إدالة مستمرة ، فقد ظن بالله ظن السوء ، لكن
الله سبحانه يؤدب عباده ، فإذا عصاه من يعرفه سلط عليه من لا يعرفه والباطل لا
تقوى شوكته ولا تعظم صولته إلا في حال رقدة الحق عنه وغفلته منه ، فإذا انتبه له
هزمه بإذن الله " بل نقذف بالحق على الباطل فيدمغه فإذا هو زاهق ولكم الويل
مما تصفون " غير أن للباطل صولة نعوذ بالله من شرها ، لكن عاقبتها الذهاب
والاضمحلال ، وقد قال الله : " إنما ذلكم الشيطان يخوف أولياءه فلا تخافوهم
وخافون إن كنتم مؤمنين " ، أي يخوفكم بأوليائه ويعظمهم في نفوسكم ، ومن هذا
التخويف ما وقع في قلوب أكثر الناس من شدة خوفهم من اليهود وتعظيمهم في نفوسهم
وألسنتهم حتى ظنوا أنهم لن يغلبوا أبداً من شدة كيدهم ومكرهم وتوفر وسائل القوة
لديهم وقد غزوا قلوب الناس بالرعب والرهب منهم ، ونسوا أن الله سبحانه قد وعد
عباده المؤمنين بالنصر عليهم ، فقال تعالى : " لن يَضُرّوكم إلا أذى وإن
يقاتلوكم يولوكم الأدبار . ثم لا ينصرون . ضربت عليهم الذلة أين ماثقفوا إلا بحبل من
الله وحبل من الناس وباءوا بغضب من الله وضربت عليهم المسكنة " ، ونسوا قول
الله تعالى " وإذ تأذن ربك ليبعثن عليهم إلى يوم القيامة من يسومهم سوء العذاب
" وصدق الله العظيم ، فإن هذا العذاب الذي وعدهم الله بأن يساموا به هو ضربة
لازب في حقهم لا يفارقهم ولا يزال ملازماً لهم كما هو الواقع بهم الآن بأيدي
المسلمين وما سيقع بهم إلى يوم القيامة أكثر وأعظم " سنريهم آياتنا في الآفاق
وفي أنفسهم حتى يتبين لهم أنه الحق " . إن هذا
الطفور والطغيان ومجاوزة الحد في الفتك والسفك والعدوان الواقع من اليهود على
العرب المسلمين طيلة هذه السنين حتى أخرجوهم من ديارهم ومساكنهم إلى الصحراء
واستولوا عليها قسراً وقهراً وأخذوا يسومونهم سوء العذاب من القتل والتضييق
والإرهاق حتى بلغ الأمر بهم إلى أشد الاختناق وإلى حد ما لا يطاق حتى لقد أنكر
أمرهم وبغيهم وطغيانهم جميع دول العالم " أذن للذين يقاتلون بأنهم ظلموا وإن
الله على نصرهم لقدير ، الذين أخرجوا من ديارهم بغير حق إلا أن يقولوا ربنا الله
" . وقد عرف العقلاء أن هذا التغلب والاستيلاء من اليهود إنما
حصل بسبب ذنب من المسلمين اقترفوه وذلك حينما ضعف عملهم بالإسلام وساء اعتقادهم
فيه وصار فيهم منافقون يدعون إلى نبذه وإلى عدم التقيد بفرضه ونفله ، وعلى أثره
حصل الاختلاف بين الحكام والزعماء نتيجة الاختلاف في النزعات والأهواء فتقطعت وحدة
جماعة المسلمين إرباً وأوصالاً وصاروا شيعاً وأحزاباً ، ففشى من بينهم الفوضى
والشقاق وقامت الفتن على قدم وساق يقتل بعضهم بعضاً ويسبي بعضهم أموال بعض بحجة
الاشتراكية المبتدعة التي ما أنزل الله بها من سلطان ، وبسبب هذا الاختلاف حصل
الإعتلال والإختلال . وهي فرصة سنح للعدو فيها المواثبة فقويت شوكته وعظمت صولته
وتسلط على العرب المسلمين بجبروته وقوته حتى أخذ الناس يوقلون " متى نصر الله
ألا إن نصر الله قريب " . وبسبب هذه الحوادث والنقمات وما نجم عنها من الكبوات
والنكبات حصل رجوع الكثير من الناس الى ربهم والقيام بواجبات دينهم من صلاتهم
وصيامهم فعملوا أعمالهم في إصلاح أعمالهم رجاء أن يصلح الله أحوالهم ، لعلمهم أنه
ما نزل بهم بلاء إلا بذنب وكم ضارة نافعة والمكارم منوطة بالمكاره . كما حصل التقارب بين قلوب حكام المسلمين وزعمائهم وإزالة
الإحن والشحناء من بينهم فتكاتفوا وتساعدوا وتعاضدوا على قتال عدوهم لأن المؤمنين
" بعضهم أولياء بعض " ، " أذلة على المؤمنين أعزة على الكافرين
يجاهدون في سبيل الله ولا يخافون لومة لائم " . وهذا الرجوع إلى الله وما يتبعه من التعاضد والتساعد في
القتال في سبيل الله هو مؤذن ومبشر بنصر من الله وفتح قريب إنشاء الله كما أنه
مؤذن ومبشر بانتهاء نصر اليهود واقتراب مصرعهم بحول الله ، وكل شيء فمرهون بوقته
ومربوط بقضاء الله وقدره " إن ينصركم الله فلا غالب لكم وإن يخذلكم فمن ذا
الذي ينصركم من بعده " . إن هذه الأمة الباغية الطاغية التي حلت بساحة العرب
المسلمين تقتل الأنام وتحاول أن تجتث أصل الإسلام ، ينسلون للتعاون من كل حدب
ويتواثبون على أهل الإسلام من كل جانب . فإن جهاد هذا العدو الصائل واجب على المسلمين بكل الوسائل ،
فمن تعذر عليه ببدنه عليه بماله، لأن " الله اشترى من المؤمنين أنفسهم
وأموالهم بأن لهم الجنة يقاتلون في سبيل الله " . ولأن المال بمثابة الترس للإسلام يستجلب به العدد والعتاد
وسائر وسائل الجهاد ، ويستدفع به صولة أهل الكفر والعناد ، فهو المحور الذي تدور
عليه رحى الحرب ويستعان به في الطعن والضرب ، والمسلم يجاهد بنفسه وماله ، وقد فرض
الله في أموال الأغنياء نصيباً مفروضاً يصرف في الجهاد والمجاهدين في سبيل الله ،
فيجوز أو يستحب للتاجر أن يصرف زكاته في هذه الحالة إلى المجاهدين في سبيل الله ،
وفي المال حق سوى الزكاة فمن لم يكن عنده زكاة واجب ان يساهم بقدر استطاعته ، كل
على حسب مقدرته والدرهم بسبعمائة درهم وعند الله أضعاف كثيرة . ولست أقول أن مساعدة هؤلاء المجاهدين أنها مستحبة فحسب ،
وإنما أقول إنها واجبة كوجوب الصلاة والصيام ، لأن الجهاد ذروة سنام الإسلام
والنبي صلى الله عليه وسلم قال : ( جاهدوا المشركين بأموالكم وأنفسكم وألسنتكم ) . إنه من بعد حروب الصحابة والتابعين ، ثم حروب صلاح الدين مع
التتر والصليبيين حينما أجلاهم عن بلدان العرب المسلمين لم نسمع بالجهاد في سبيل
الله الصحيح الحقيقي إلا في هذا القتال الواقع بين المسلمين مع اليهود ، فهذا هو
الجهاد في سبيل الله حقاً والذي يجب أن يضحى في سبيله بالنفس والنفيس . لأن هؤلاء المجاهدين المباشرين للقتال هم بمثابة المرابطين
دون ثغور المسلمين ، يحمون حدود المسلمين وحقوقهم ، فهم يحاربون دون أديانكم
وأبدانكم ، يحاربون دون ذراريكم ونساءكم ، يحاربون دون مجدكم وشرفكم وحسن سمعتكم .
وقد طلبوا النجدة والمساعدة من إخوانهم المسلمين ، وقد أوجب الله عليكم نصرتهم ،
فقال تعالى : " وإن استنصروكم في الدين فعليكم النصر " والنصر يكون
بالقوة والرجال ويكون بالمال " وآتوهم من مال الله الذي آتاكم " فمن
العار أن تنعموا وهم يائسون أو تشبعوا وهم جائعون أو يضعفوا وأنتم مقتدرون ،
والمسلم كثير بإخوانه قوي بأعوانه . وأنه ما بخل أحد بنفقة واجبة في سبيل الحق كالجهاد في سبيل
الله إلا أتلف الله عليه ما هو أكثر منها والناس إنما يستحبون اقتناء المال لحوادث
الزمان . وهذا القتال هو أشد حادثة وقعت على الإسلام والمسلمين في
هذه السنين وله بعده من العز والذل ، نعوذ بالله من الخذلان . إن في العهد الذي عهده رسول الله لأمته أن ذمة المسلمين
واحدة يسعى بها أدناهم وهم يد على من سواهم ، ومعنى كونهم يد على من سواهم ، أنه
متى نبغ عدو على المسلمين كهؤلاء اليهود ، فإن من الواجب ان يكونوا كاليد الواحدة
في دحر نحره ودفع شره ، لأن المسلم للمسلم كالبنيان " وتعاونوا على البر
والنقوى ولا تعاونوا على الإثم والعدوان " . لقد بلغكم من الأخبار المشهورة والجرائد المنشورة أن مدار
قوة اليهود تتركز على مساعدات قومهم لهم أفلا يكون المسلمون أحق بالسبق إلى هذه
الفضيلة التي أوجبها عليهم كتاب ربهم وسنة نبيهم وأنتم تقاتلون على الحق وهم على
الباطل . إن الله سبحانه قد أوجب الجهاد وأمر بالاستعداد له بالقوة ،
ومن المعلوم أنه لا قوة بعد الله إلا بالمال وبدونه يقع الناس في الذل والضر ولا
بد . وكيف يصول
في الأيام ليث إذا وهت المخالب
والنيوب إن هذه القضية قد حركت كل من في قلبه نخوة دينية أو غيرة
عربية ، فساهموا في الفضل وتنافسوا في البذل ، فمنهم من ضحى بالنفس ومنهم من جاد
بالنفيس لأنه لا خبيئة بعد بؤس ولا عطر بعد عروس والمال لا يستغنى عنه في حال من
الأحوال وناهيك بالحاجة إليه في أزمة القتال . فلا تدخروا
المال للأعداء إنهم إن يظهروا يأخذوكم والمال معاً لا خير في
مال وفي نعم قـد احتفظتم بها إن أنفكم جدعــا " ها أنتم هؤلاء تدعون لتنفقوا في سبيل الله فمنكم من
يبخل ومن يبخل فإنما يبخل عن نفسه " والله الغني وأنتم الفقراء ، فاسمعوا
وأطيعوا وأنفقوا خيراً لأنفسكم ومن يوق شح نفسه فأولئك هم المفلحون . اللهم إنا نسألك بأن لك الحمد لا إله إلا أنت المنان بديع
السموات والأرض ياذا الجلال والإكرام ، اللهم انصر جيوش المسلمين نصراً عزيزاً ،
اللهم افتح لهم فتحاً مبيناً ، اللهم ألف بين قلوبهم وأصلح ذات بينهم وانصرهم على
عدوك وعدوهم واهدهم سبيل الحق والعدل والسداد . اللهم أعنهم ولا تعن عليهم وانصرهم ولا تنصر عليهم وانصرهم
على من بغى عليهم وثبت أقدامهم وأنزل السكينة في قلوبهم ، اللهم إنا نستعين بك
ونستنصرك على الذين كذبوا رسلك وآذوا عبادك ، اللهم أنزل عليهم رجزك وعذابك ،
اللهم منزل الكتاب ومجري السحاب وهازم الأحزاب، اهزمهم وانصر المسلمين عليهم بحولك
وقوتك إله الحق . |