![]() |
|
|
دعوة النصارى وسائر
الأمم إلى دين الإسلام الحمد لله والصلاة والسلام على سائر أنبياءه ، ومن آمن بهم
، واتبع هديهم ، ولم يفرق بين أحد منهم ، وأشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن
محمداً نبيه ورسوله . أيها المسلمون وأيها المستمعون ، إن الله سبحانه لا ينظر
الى صوركم وأموالكم ، وانما ينظر الى قلوبكم وأعمالكم . وإن الله سبحانه يعطي
الدنيا من يحب ومن لا يحب ، ولا يعطي دين الإسلام الا من يحب ، فمن أعطاه الله
الدين فقد أحبه . وإن الدين هو هذا السمح سهل الاكتناه والعمل ليس بشاق ولا
حرج عموده الصلاة وبقية اركانه الزكاة والصيام وحج بيت الله الحرام مرة واحدة عند
الاستطاعة وقد جعل الله هذه الأركان بمثابة البنيان للإسلام وبمثابة الفرقان بين
المسلمين والكفار والمتقين والفجار ، وبمثابة محك التمحيص لصحة الإسلام . بها يعرف
صادق الإسلام من بين أهل الكفر والفسوق والعصيان . لكون الإسلام ليس هو محض التسمي باللسان ، والانتساب اليه
بالعنوان ، ولكنه ما وقر في القلب وصدقته الأعمال . فاعملوا باسلامكم تعرفوا به
ادعوا الناس اليه تكونوا من خير أهله فإنه لا إسلام بدون العمل . إن دين الإسلام هو دين الحق الذي ارتضاه الله لجميع الخلق
فقال سبحانه : " اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام
ديناً " وقال : " ومن يبتغ غير الإسلام ديناً فلن يقبل منه وهو في الآخرة
من الخاسرين " ، " فمن يرد الله أن يهديه يشرح صدره للإسلام" فيفرح
بذكره ويندفع الى القيام بفروضه ونوافله طيبة بذلك نفسه منشرجاً به صدره "
افمن شرح الله صدره للإسلام فهو على نور من ربه " . الإسلام يهذب الأخلاق ويطهر الأعراق ، ويزيل الكفر والشقاق
والنفاق ، يأمر بالمحافظة على الفرائض والفضائل ، وينهى عن منكرات الأخلاق
والرذائل . الإسلام دين السلام والأمان يحب السلم ويكره الحرب إلا في
حالة الاضطرار . وقد سماه الله سلماً فقال تعالى : " يا أيها الذين آمنوا
ادخلوا في السّلم كافة " أي في الإسلام . الإسلام دين العزة والقوة والنظام المطهر للعقول من خرافات
البدع والشرك والضلال والأوهام . الإسلام دين العدل والمساواة في الحدود والحقوق والأحكام لا
فضل لعربي على عجمي ولا لأسود على أحمر إلا بالطاعة والإيمان . الإسلام يحترم الدماء والأموال ويقول " إن دماءكم
وأموالكم عليكم حرام " ويقول : " لا يحل مال امرئ مسلم الا عن طلب نفس منه
" أي بموجب الرضاء التام . وفي محكم القرآن " ولا تأكلوا اموالكم بينكم
بالباطل وتدلوا بها الى الحكام " . الإسلام دين السعادة والسيادة من قام به ساد وسعدت به
البلاد والعباد ومن ضيعه سقط في الذل والفساد " ومن يهن الله فما له من مكرم
إن اللهَ يفعلُ ما يشاء " . الإسلام شريعة الله في أرضه ، شرعه لعباده لمصالحهم الدينية
والدنيوية فقد نظم حياة الناس أحسن نظام ، ولو لا الإسلام وما فيه من الشرائع
والأحكام ، وأمور الحلال والحرام ، لكان الناس بمثابة البهائم يتهارجون في الطرقات
، لا يعرفون صياماً ولا صلاة ولا يعرفون معروفاً ولا ينكرون منكراً ، ولا يمتنعون
من قبيح ولا يهتدون إلى حق . الإسلام كافل لحل مشاكل العالم ما وقع في هذا الزمان ، وما
سيقع بعد أزمان صالح لكل زمان ومكان ، قد نظم حياة الناس أحسن نظام بالحكمة والمصلحة
والعدل والإحسان والإتقان . فلو أن االناس آمنوا بتعاليمه وانقادوا لحكمه وتنظيمه
، ووقفوا عند حدوده ومراسيمه ، لصاروا به سعداء ، ولما حصل بينهم بغي ولا طغيان
ولا اعتداء ، لأنه يهدي للتي هي أقوم . وإننا في دعوتنا إلى دين الإسلام ، لسنا ندعوا إلى قومية عربية
، ولا الى احزاب شعبية ، ولا الى مذاهب فقهية ، وإنما ندعوا الى دين الحق ن دين
الله الذي ارتضاه لجميع الخلق ، دين عيسى وموسى وسائر الأنبياء وخاتمهم محمد صلى
الله عليه وسلم . يقول الله سبحانه : " شرع لكم من الدين ما وصى به نوحاً
والذي أوحينا اليك وما وصينا به ابراهيم وموسى وعيسى أن اقيموا الدين ولا تتفرقوا
فيه كبر على المشركين ما تدعوهم اليه . الله يجتبي اليه من يشاء ويهدي اليه من
ينيب " . فأمر الله سبحانه باقامة الدين والاجتماع على كلمته ونهى عن
التفرق فيه بأن يؤمنوا ببعض الأنبياء ويكفروا ببعض أو يؤمنوا ببعض الكتب ويكفروا
ببعضها ويريدون ان يتخذوا بين ذلك سبيلاً . وقد أمر الله عباده المؤمنين بان يقولوا " آمنا بالله
وما أنزل علينا وما انزل على ابراهيم واسماعيل واسحاق ويعقوب والأسباط وما أوتي
موسى وعيسى والنبيون من ربهم لا نفرق بين أحد منهم ونحن له مسلمون " . إنه من يكذب نبياً من الأنبياء فإنه يعتبر مكذباً لسائر الأنبياء
وكافراً بالله عز وجل فالذين يكذبون بنبوة المسيح عيسى بن مريم عليه الصلاة
والسلام أو يكذبون بمعجزاته التي اثبتها القرآن فانهم يعتبرون مكذبون لسائر
الأنبياء وكافرون بالله عز وجل ومثله كالذين يكذبون بنبوة محمد عليه الصلاة
والسلام او يكذبون بالقرآن النازل عليه من الله او يزعمون بأنه شيء فاص على نفس
محمد بدون أن يوحي به الله اليه او ينزل به جبريل عليه . فإنهم يعتبرون بأنهم مكذبون بنبوة عيسى بن مريم ونبوة موسى
وسائر الأنبياء لأن من كذب نبياً واحداً كذب سائر الأنبياء . ولأن التكذيب بمحمد
أو التكذيب بالقرآن النازل عليه يستلزم التكذيب بالمسيح عيسى بن مريم عليه السلام
والتكذيب بمعجزاته التي اثبتها القرآن الحكيم . وأنني أعجب وأشد العجب من عقلاء
النصارى المستقلة افكارهم والذين برعوا في الذكاء والفطنة وعرفوا اللغة العربية .
وقد كثر في هذه الأزمنة اختلاطهم بالعرب المسلمين وتعلموا لغة العرب التي يتمكنون
بها من معرفة احكام الإسلام وبلاغة القرآن وشمول نفعه وحاسن احكامه وحكمته وعموم
دعوته وكونه رسالة رحمة وهداية من الله لجميع خلقه وانه المعجزة الخالدة لنبوة
محمد صلى الله عليه وسلم والمصدق لسائر الأنبياء قبله ومع هذا كله نراهم يصرون
ويستكبرون على التكذيب به وعلى التكذيب بالقرآن النازل عليه تقليداً منهم للمكذبين
من القسيسين والمبشرين والله يقول : " وما محمد إلا رسول قد خلت من قبله
الرسل " . وقال : " ما كان محمد أبا أحد من رجالكم ولكن رسول الله وخاتم
النبيين " نظير قوله : " ما المسيح ابن مريم الا رسول قد خلت من قبله
الرسل وأمه صديقة كانا ياكلان الطعام " . على ان الكثيرين من عقلائهم يعترفون بدين الإسلام ويصدقون
بنبوة محمد عليه الصلاة والسلام . وان ما جاء به هو دين الحق الذي لا سعادة للبشر
الا باعتناقه واعتقاده . واخذ بعضهم ينادي بعضاً بالرجوع اليه واتباع احكامه
وسيكون لهذا التداعي تجاوب ولو بعد حين " فإن يكفر بها هؤلاء فقد وكلنا بها
قوماً ليسوا بها بكافرين " . يا معشر النصارى لقد تعصبتم وما انصفتم . وإن موضع العجب منكم
هو ان القرآن النازل على محمد عليه الصلاة والسلام كله نضال وجهاد وجدال عن نبوة
عيسى بن مريم عليه الصلاة والسلام يحقق صدق نبوته وكرامة نشأته وطهارة مولده
وبراءة امه مريم البتول عليها السلام . وان الله سبحانه خلقه بيد القدرة من أم بلا اب كما خلق آدم
من تراب ثم قال له كن فكان .. وإن الله أيده بالمعجزات الباهرات الدالة على صدق
رسالته فكان يبرئ الأكمه والأبرص ويحيي الموتى بإذن الله وينبئ الناس بما يأكلون
وما يدخرونه في بيوتهم مع تكليمه الناس في المهد وقوله : " اني عبد الله
آتاني الكتاب وجعلني نبياً وجعلني مباركاً اينما كنت وأوصاني بالصلاة والزكاة ما
دمت حياً وبراً بوالدتي ولم يجعلني جباراً شقياً والسلام على يوم ولدت ويوم أموت
ويوم أبعث حياً ذلك عيسى ابن مريم قول الحق الذي فيه يمترون " . كل هذه المزايا من الصفات والمعجزات قد اثبتها القرآن وآمن
بها المسلمون ومن كذب بها فقد كفر ولا توجد هذه الصفات وهذه المعجزات بالإنجيل الذي
بايديكم . لأن الله ذكر في كتابه المبين بأن هذا القرآن يقص على بني اسرائيل أكثر
الذي هم فيه يختلوفون . على أن الإنجيل الذي بأيدي النصارى الآن ليس هو الإنجيل
النازل على المسيح عيسى بن مريم عليه السلام وانما هو مبدل منه وفيه التحريف
الكثير والكذب على الله وعلى الأنبياء . كما يعترف العقلاء من علمائهم بذلك يقول
الله : ط فويل للذين يكتبون الكتاب بأيديهم ثم يقولون هذا من عند الله ليشتروا به
ثمناً قليلاً فويل لهم مما كتبت ايديهم وويل لهم مما يكسبون " . لأن النصارى يجيزون للقسيسين بأن يغيروا من شريعة الرب ما
يشاؤون ويشتهون فيجعلون الحرام حلالاً لأنهم اتخذوا أحبارهم ورهبانهم ارباباً من دون
الله فجعلوا المسيح هو الله وجعلوه ثالث ثلاثة والقرآن والإنجيل بريئان من ذلك .
" لقد كفر الذين قالوا إن الله هو المسيح ابن مريم وقال المسيح يا بني
اسرائيل اعبدوا الله ربي وربكم إنه من يشرك بالله فقد حرم الله عليه الجنة ومأواه
النار وما للظالمين من أنصار " . " يا أهل الكتاب لا تغلوا في دينكم ولا تقولوا على
الله إلا الحق انما المسيح عيسى ابن مريم رسول الله وكلمته ألقاها الى مريم وروح
منه فآمنوا بالله ورسله ولا تقولوا ثلاثة انتهوا خيراً لكم انما الله اله واحد
سبحانه أن يكون له ولد " . وهذا القرآن النازل على محمد عليه الصلاة والسلام هو معجزة
الدهور وآية العصور محفوظ في المصاحف وفي الصدور منذ نزل الى يوم القيامة لا
يستطيع أحد أن يقحم فيه حرفاً أو يحذف منه حرفاً لأن الله سبحانه تولى حفظه فقال
تعالى : " إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون " . والقرآن هو أساس دين الإسلام مع سنة محمد عليه الصلاة
والسلام ولولا هذا القرآن لكذب الناس بنبوة عيسى بن مريم وبمعجزاته كما كذب بها
اليهود وغيرهم ورموا أمه بالمفتريات والعظائم طهرها الله وأعلى قدرها عما يقولون
علواً كبيراً .. افيجازي محمد رسول الله الذي جاهد أشد الجهاد في الدفاع والنضال
عن عيسى ابن مريم عليه الصلاة والسلام بأن تقابلوه بتكذيبه والتكذيب بالقرآن
النازل عليه والذي هو المعجزة العظمى له وقد تحدى الله جميع الخلق وأنتم منهم على
أن يأتوا بسورة من مثله فعجزوا . يقول الله سبحانه " قل لو اجتمعت الإنس والجن
على أن يأتوا بمثل هذا القرآن لا يأتون بمثله ولو كان بعضهم لبعض ظهيراً " أي
عويناً . مع العلم انه كان لا يكتب ولا يقرأ المكتوب وليس في بلده
ولا زمنه مدارس ولا كتب يقول الله : "وما كنت تتلوا من قبله من كتاب ولا تخطه
بيمينك إذاً لارتاب المبطلون . بل هو آيات بينات في صدور الذين أوتوا العلم وما
يجحد بآياتنا الا الظالمون " .. فعلم منه أن هذا القرآن وحي من الله اوحاه
اليه بعد ان بلغ الأربعين من عمره لا يقال ان هذا القرآن شيء فاض على نفسه بدون أن
يوحي الله به اليه وبدون ان ينزل به جبريل عليه فان القول بهذا حقيقة في التكذيب
به ومن قال به كفر وأصلاه الله سقر . ان الله سبحانه ختم الرسل بنبوة محمد صلى الله عليه وسلم
يقول الله : " ما كان محمد أبا أحد من رجالكم ولكن رسول الله وخاتم النبيين
" كما ختم الشرائع بشريعته الشاملة الكاملة التي لا يجوز لأحد أن يتعبد بغير
شريعته . لأن الله سبحانه ارسله الى كافة الناس بشيراً ونذيراً وداعياً إلى الله
بإذنه وسراجاً منيراً . فكما أنه رسول للمسلمين فإنه رسول للمسيحيين واليهود
ولسائر الأمم في مشارق الأرض ومغاربها فهو رحمة الله المهداة لجميع خلقه يقول الله
: " وما ارسلناك الا رحمة للعالمين " وقال سبحانه " وما ارسلناك
إلا كافة للناس بشيراً ونذيراً " . وانزل الله عليه : " قل يا أيها الناس اني رسول الله
اليكم جميعاً " وقد أثنى الله سبحانه على الذين يتبعون الرسول النبي الأمي
الذي يجدونه مكتوباً عندهم في التوراة والإنجيل ، يأمرهم بالمعروف وينهاهم عن
المنكر ، ويحل لهم الطيباتَ ويحرم عليهم الخبائث ويضع عنهم إصرهم والأغلال التي
كانت عليهم فالذين آمنوا به وعزروه ونصروه واتبعوا النور الذي انزل معه أولئك هم
المفلحون . وفي الصحيح ان النبي صلى الله عليه وسلم قال : " ان كل
نبي يبعث الى قومه خاصة وبعثت الى الناس كافة " . فهو رحمة من الله مهداة
لجميع الناس يقول الله : " وما أرسلناك الا كافة للناس بشيراً ونذيراً "
. فلو كان موسى أو عيسى موجودين بالأرض لما وسعهما الا اتباع
محمد والعمل بشريعته ، ولما رأى النبي صلى الله عليه وسلم مع عمر قطعة من التوراة
قال له ياعمر : " لقد جئتكم بها بيضاء نقية لا يزيغ عنها بعدي الا هالك ، ولو
كان أخي موسى حياً ما وسعه إلا اتباعي " . إن أكبر صارف يصرف علماء النصارى وعامتهم عن اعتناق دين
الإسلام واعتقاده وعن التصديق بنبوة محمد عليه الصلاة والسلام وبالقرآن النازل
عليه ، الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه تنزيل من حكيم حميد .. هو
تأثرهم بتنفير القسيسين والمبشرين عن الإسلام ، وكثرة كذبهم وافترائهم على رسول
الله عليه الصلاة والسلام ، بقولهم بأنه رجل عاقل ، وانه عبقري وان هذا القرآن هو
شيء فاض على نفسه بدون أن يوحي به الله اليه ، أو ينزل به جبريل عليه تعالى الله
عن قولهم وإفكهم علواً كبيراً . فهم يتلقون هذا التكذيب من القسيسين والمبشرين ، مما جعلهم
يتأثرون به ويتربون في حالة صغرهم على اعتقاده . فهذا التأثر والتأثير قد أشربت به
قلوبهم ، حتى صار لهم طريقة وعقيدة ، فهو أكبر صارف يصرفهم عن الإسلام ، وعن
التصديق بنبوة محمد عليه الصلاة والسلام . والأمر الثاني : هو أن تكذيب أذكياءهم والمفكرين منهم إنما
نشأ عن عدم معرفتهم باللغة العربية التي هي لغة الإسلام ، والتي يعرف بها بلاغة القرآن
لكون القرآن نزل بلسان عربي مبين . فبلاغة القرآن بلغته ومعرفة أحكامه وحكمته ، وعموم هدايته
ومنفعته وذوق حلاوته ، كل هذا إنما يدرك عن طريق لغته كقوله سبحانه : " تنزيل
من الرحمن الرحيم كتاب فصلت آياته قرآناً عربياً لقوم يعلمون . بشيراً ونذيراً
فأعرض أكثرهم فهم لا يسمعون " . إن عدم معرفة الأمم للغة العربية ، التي هي لغة القرآن هي
أكثف حجاب يحول بينهم وبين اعتناق الإسلام واعتقاده والتصديق بالرسول وبالقرآن
النازل عليه . أما ترجمة القرآن الموجودة بأيدي النصارى الآن وقد ترجم عدة
تراجم ، كلها ليست بقرآن وتبعد جداً عن بلاغة القرآن ، وفيها الشيء الكثير من
الخبط والخلط الخارج عن معاني القرآن فلا تسمى قرآناً . وأنني أنصح عقلاء النصارى المستقلة أفكارهم بأن يوجهوا
عنايتهم ورغبتهم إلى تعلم اللغة العربية ، فان تعلمها يعد من الأمر الواجب على كل
أحد وخاصة من يرغب في الدخول في الإسلام وبها يعرف أحكام العبادات من الصلاة والزكاة
والصيام ويتبين له بطريق الوضوح أن دين الإسلام هو الدين القويم يهدي إلى الحق
وإلى طريق مستقيم ، لأنه دين سعادة وسيادة وسياسة صالح لكل زمان ومكان قد نظم حياة
الناس أحسن نظام بالحكمة والمصلحة والعدل والإحسان والإتقان فلو أن الناس آمنوا بتعاليم
دين الإسلام وانقادوا لحكمه وتنظيمه ووقفوا عند حدوده ومراسيمه لصاروا به سعداء
لأنه يهدي للتي هي أقوم . إن كثيراً من أذكياء النصارى قد تغيرت أفكارهم بعد ما تعلموا
اللغة العربية فظهر لهم من فضل الإسلام وصدق القرآن ما خفي على سلفهم لهذا اخذوا
يدعون قومهم الى الرجوع إلى الإسلام وإلى العمل بما شرعه من الأحكام لكونهم اصبحوا
فوضى حيارى ليس لهم دين يعصمهم ولا شريعة تنظمهم وقد كثر الداخلون في الإسلام في
هذا الزمان وأخذوا يزدادون في الدخول عاماً بعد عام . إن تعلم اللغة العربية أصبحت ضرورة من ضروريات النصارى
الاجتماعية ، وفيها لهم مصلحة مفيدة فيما يتعلق بالكسب ووسائل الحياة لكثرة
اختلاطهم بالعرب المسلمين في بلادهم ، وشدة حاجتهم إلى التخاطب معهم . كما أن
العرب المسلمين لما احتاجوا الى التعامل معهم فيما يتعلق بالتجارة والصناعة والطب
، أخذوا يعلمون أولادهم معرفة لغتهم لداعي الضرورة والحاجة الى ذلك ، كما علم
النبي صلى الله عليه وسلم زيد ابن ثابت اللغة العبرانية لحاجته للتخاطب مع اليهود
. إنما انتشر الاسلام في بداية نشأته ، لانتشار اللغة العربية
في البلدان الأجنبية ، فعرفوا بها حقيقة أحكام الإسلام وبلاغة القرآن وأنه دين
الحق القويم ، الذي نظم حياة الناس أحسن تنظيم ، وبذلك دخل الناس في دين الله
أفواجاً أفواجا طائعين مختارين ، وسيكثر الداخلون فيه من شتى الأمم ولو بعد حين
والعاقبة للمتقين . إن النجاشي ملك الحبشة ، وأحد ملوك النصارى القدماء ، لما
كان عارفاً باللغة العربية من أجل مجاورته لبلدان العرب فقرأ عليه جعفر بن أبي
طالب صدر سورة مريم ، فجعلت عيناه تذرفان من البكاء خشوعاً وخشية لله لحسن ما سمعه
من كلام الله . فلما فرغ من قراءتها اخذ عوداً فرفعه ثم قال : إنه لم يزد على ما
جاء به عيسى ولا مثل هذا العود . فأخذت بطارقته ينخرون استنكاراً واستكباراً لقوله
. فقال : وإن نخرتم وان نخرتم ،
اذهبوا فأنتم سيوم بأرضي من رامكم بسوء غرم .. وأنزل الله في فضله وتصديقه قوله
تعالى : وإذا سمعوا ما أنزل إلى الرسول ترى أعينهم تفيض من الدمع مما عرفوا من
الحق يقولون ربنا آمنا فاكتبنا مع الشاهدين . وما لنا لا نؤمن بالله وما جاءنا من
الحق ونطمع أن يدخلنا ربنا مع القوم الصالحين " . قرآناً يتلوه المسلمون في
صلاتهم ، وخارج الصلاة ، يشيد بفضل النجاشي وسبقه الى الإسلام ، وإيمانه بالقرآن
ونبوة محمد عليه الصلاة والسلام . وإن هذا التأثر والتأثير من النجاشي بسماع القرآن قد حمله
على الدخول في الإسلام ، حتى صلى عليه النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه بعد موته
. إن أعداء الإسلام قد شوهدوا سمعة الإسلام وألبسوه أثواباً
من الزور والبهتان ومن التدليس والكتمان حيث وصفوا الإسلام بانه دين تكاليف شاقة
وأغلال وبأنه دين حرب وقتال ، وانه انما انتشر بالسيف والإكراه وان اهله يعرضون
الشخص على السيف ويقولون له إما أن تسلم وإلا قتلناك ونحو ذلك من الأقوال البعيدة
عن مواقع الصدق في المقال وقصدوا بها صد الناس عن الدين فهم ينهون عنه وينأون عنه
وان يهلكون الا انفسهم وما يشعرون ، ولا عجب فهم اعداءه قد تحاملوا عليه بالطعن
فيه لصد الناس عنه وقد قيل : صديقك لا يثنى عليك
بطائل فماذا ترى فيك العدو يقول والحق ان الإسلام انما انتشر بالقرآن وأنه فتح من البلدان
اكثر مما فتح بالسيف والسنان وأن السيف بمثابة الناصر له في كف الأذى عنه والعدوان
. وفي محكم القرآن ما يدل على منع الإكراه في الدين يقول الله : " لا إكراه
في الدين قد تبين الرشد من الغي " وقال : " ولو شاء ربك لآمن من في
الأرض كلهم جميعاً أفأنت تكره الناس حتى يكونوا مؤمنين " وقال : "فذكر
انما انت مذكر لست عليهم بمصيطر " أي لست بمسلط على إدخال الهداية قلوبهم إن
عليك إلا البلاغ . وقد سن رسول الله صلى الله عليه وسلم طريقة الفتح للبلدان بفتحه
لمكة عنوة ولما فتحها قال لأهلها : ( اذهبوا فانتم الطلقاء ) وسموا في ذلك اليوم
الطلقاء ولم يوقف واحداً منهم لإلزامه بالدخول في الإسلام بل أبقاهم على حالهم حتى
دخلوا في الإسلام باختيارهم لكون القصد من الجهاد هو إعلاء كلمة الله وإظهار دينه
وقد حصل ذلك . والإسلام هداية اختيارية فمن يرد الله أن يهديه يشرح صدره للإسلام ومن
يرد أن يضله يجعل صدره ضيقاً حرجاً وقال : انك لا تهدي من احببت ولكن الله يهدي من
يشاء وهو اعلم بالمهتدين " . |