الموضوع التالي

الموضوع التالي

الـفـهـــــرس

الموضوع السابق

الموضوع السابق

فتوح البلدان زمن الخلفاء الراشدين

اشتبه على بعض العلماء المتقدمين من الفقهاء والمفسرين بما فهموه من بعض الآيات وبعض الغزوات والسرايا ، مما يوهم أن المسلمين بدأوا بالحرب لسائر الأمم وخاصة حروبهم في فتح البلدان زمن الخلفاء الراشدين فيظنون كل الظن انه هجوم محض .

وخفي عليهم سبب بدأة حالة الحرب بينهم وبين المشركين وبينهم وبين فارس والروم بتسلط النصارى على المسلمين بقتلهم كل من أظهر اسلامه في سائر البلدان التي سيطروا عليها في الشام وغيرها .

فهذا  وإن ظنه الناس هجوماً ، لكنه في الدفاع لشرهم ، وقتال الدفاع لا يشترط له تقدم الدعوة ، ولا أن يكون في كل معركة ولا في كل حركة ، إذ العدو يتحين غفلة عدوه لمواثبته والعدوان يقابل بمثله . يقول الله : " فإما تثقفنهم في الحرب فشرد بهم من خلفهم لعلهم يذّكرون " وقال : " فمن اعتدى عليكم فاعتدوا عليه بمثل ما اعتدى عليكم " .

ولما عزم النبي صلى الله عليه وسلم على فتح مكة أخفى سفره ، وأنزل الله ما أنزل في حاطب بن أبي بلتعة لما كتب لقريش يخبرهم بعزم رسول الله على غزوهم فاطلع الله نبيه على ذلك قبل وصول الكتاب إليهم وكان يقول : اللهم عم الأخبار عن قريش حتى نبغتها في دارها .

وذكر يحي بن سلام ( في تفسيره ) : أن لفظ الكتاب الذي كتبه حاطب لقريش : أما بعد ، يا معشر قريش فإن رسول الله جاءكم بجيش كالليل يسير كالسيل فوالله لو جاءكم وحده لنصره الله وانجز له وعده فانظروا لأنفسكم والسلام .

.. ان الغرض من الحرب ونتيجتها هو دفع الإعتداء والظلم واستتباب الأمن وعبادة المسلمين ربهم آمنين في دينهم ووطنهم واعلاء كلمة الحق ودعوة الدين وتنفيذ شريعته . وكل هذا تعود مصلحته الى البشر كلهم مسلمهم وكافرهم اذ هو دين الله لكافة البشر والذي قال الله فيه : " لأنذركم به ومن بلغ " اذ لولا هذا القتال الذي شرعه الله " لهدمت صوامع وبيع وصلوات ومساجد يذكر فيها اسم الله كثيراً ولينصرن الله من ينصره ان الله لقوي عزيز . الذين ان مكناهم في الأرض اقاموا الصلاة وآتوا الزكاة وامروا بالمعروف ونهوا عن المنكر ولله عاقبة الأمور " ونصر الله هو ان يقصد بالحرب حماية الحق واعلاء كلمته .

أما حروب الصحابة لفارس والروم فان الأصل فيها .. انها لما اجتمعت كلمة أكثر العرب في الجزيرة على الإسلام وعلى التمسك به والعمل بموجبه صار أولئك الجيران أعداء لكل من أظهر الإسلام فيؤذونهم ويضربونهم ، وقتل النصارى بعض من أسلم من المسلمين بالشام فهم بدأوا بحرب المسلمين بغياً وظلماً فأرسل رسول الله سرية أمر عليهم زيد بن حارثة ثم جعفر بن أبي طالب ثم ابن رواحة وهو أو قتال قاتله المسلمون مع النصارى بمؤته من أرض الشام .

وكان العدو حرباً لعدوه حيث كان وفي كل مكان ، فكان لا بد للمسلمين من أن يؤيدوا دعوتهم ويكفوا الإعتداء عن كل من ينتسب إلى دينهم ، فيؤيدوا نشر هذه الدعوة بكل ما يستطيعون من قوة من كل ما يزيغ عنها الفتنة . والفتنة أشد من القتل .

وكان جيران جزيرة العرب من الروم في الشام ومصر وفارس والعراق قد اعتدوا على بعض من أسلم من المسلمين فأخضعوهم لسلطانهم وكانوا يكتبون لبعض المسلمين يدعونهم إلى دينهم كما كتبوا لكعب بن مالك لما هجره رسول الله على تخلفه عن غزوة تبوك ، وكان الصحابة يترقبون هجوم غسان عليهم وهم ملوك الشام لما بلغهم انهم ينعلون الخيل لغزوهم حتى أصيبت المدينة بالخوف الشديد من ترقب هجومهم ، وعند ذلك أمر النبي صلى الله عليه وسلم بغزوة تبوك لما بلغه أن الروم قد جمعوا جموعاً كثيرة بالشام ، وقدموا مقدماتهم الى البلقاء لقتال المسلمين وساعدهم على ذلك متنصرة العرب .

ولهذا أمر النبي صلى الله عليه وسلم بالخروج في ذلك الوقت الشديد وكان المسلمون في شدة من العسرة والمجاعة وانقطاع الظهر وسميت غزوة العسرة ، وهي الغزوة التي ظهر فيها صدق المؤمنين ونفاق المنافقين .

وقد أرسل النبي صلى الله عليه وسلم شجاع بن وهب الاسدي بكتابه الى الحارث ابن شمر الغساني يدعوه إلى الإسلام .

وكانت غسان هم ملوك عرب الشام وكانوا حرباً لرسول الله . قال شجاع : فوجدتهم ينعلون خيولهم لمحاربة رسول الله وأصحابه . وقال : فانتهيت اليه وهو في غوطة دمشق وهومشغول بتهيئة الانزال والأبطال لقدوم قيصر وقد أقبل من حمص إلى إيلياء . قال فأقمت على بابه يومين أو ثلاثة فقلت لحاجبه : إني رسول رسول الله اليه . فقال انك لا تصل اليه حتى يخرج يوم كذا أو كذا وجعل حاجبه – وكان رومياً – يسألني عن رسول الله فكنت احدثه عنه وما يدعو اليع فيرق قلبه حتى يغلب عليه البكاء ويقول : اني قرأت الإنجيل فأجد صفة هذا النبي بعينه فأنا أومن به وأصدقه لكني أخاف من الحارث أن يقتلني متى علم بإسلامي .

قال شجاع : وخرج الملك – أي الحارث الغساني – يوماً فجلس فوضع التاج على رأسه وأذن لي بالدخول عليه ، فدفعت اليه كتاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فقرأه ثم رمى به كالكاره له ، وقال من ينزع مني ملكي .وقال اني سائر الى صاحبك ولو كان باليمن . ولم يزل تعرض عليه الخيول ويأمر أن تنعل ثم قال لي أخبر صاحبك بما ترى وكتب الى قيصر يخبره بخبري ، وما عزم عليه من غزو الرسول وأصحابه وأجابه قيصر وقال : لا تسر ولا تعبر اليه واله عنه . فلما جاءه كتاب قيصر دعاني فقال متى تريد ان ترجع الى صاحبك . فقلت : غداً . فأمر لي بمائة مثقال ذهباً ووصني حاجبه بنفقة وكسوة . وقال حاجبه : اقرأ على رسول الله مني السلام .. فقدمت على رسول الله وأخبرته خبره فقال رسول الله : باد ملكه .. وفي اثناء هذه المدة ارسل ملك غسان الى كعب بن مالك يطلبه اللحاق به حينما هجره النبي صلى الله عليه وسلم ضمن الثلاثة الذين خلفوا .

انه من المعلوم ان فارس والروم كانتا أمتي حرب وقتال ولديهما الإستعداد التام بالعدد والعتاد وقد ضربتا بجرانهما على ما جاورهما من بلاد العرب ، وقد سعيا سعيهما في اضلال العرب وفي فساد دينهم وفي تنكرهم على رسول الله ، وعدم اجابتهم له ، والعرب مستذلون تحت سلطانهم وسيطرتهم ، ولم يستقلوا استقلالاً تاماً الا بعد الإسلام ، فلما علما بإسلام العرب أخذا يعملان في التضييق عليهم ، والتعذيب لهم ، كي يرجعوا عن ديينهم لأنه ساءهما دخول أكثر العرب الإسلام ، وخشوا صولة الدين عليهما مما يخافان أن يقوض بممالكهما ، فكان كل منهم يهدد دعوة الإسلام في بلاده وبجواره ويمنعون أشد المنع من نشرها في بلادهم وكانوا يؤذون كل من يظنون انه أسلم . فكانت حرب الصحابة كلها لأجل حماية الدعوة وحماية المسلمين من تغلب القوم الظالمين لا لأجل العدوان أو الإكراه على الدخول في الدين .

ان التنازع بين الناس في مرافق الحياة ووسائل المال والجاه والسلطان كله غريزة من غرائز البشر ، وقد يفضى الى التعادي والاقتتال بين الجماعات ، كما هي عادة البشر من قديم الزمان . وقد يكون التنازع والتقاتل لسبب تملك الأقطار واتساع العمران وتسخير الناس للسلطة الظالمة والسلطان الحائر فيكون ضرره كبيراً وشره مستطيراً .. أما القتال المذكور في القرآن وفي سيرو الرسول وخلفائه وأصحابه فانه مبني على قواعد العدل والرحمة ، وعموم المصلحة للبشر كلهم ، فما كان النبي صلى الله عليه وسلم يطلب بالقتال ملكاً ، ولا مالاً ، ولا سلطاناً ، وقد عرض عليه رؤساء قريش كل ذلك على أن يكف عن دعوته فلم يقبل ، وانما يطلب ان تكون كلمة الله هي العليا ودينه الظاهر . وكان قتاله ودفاعه في سني الهجرة دفاع الضعيف للقوي الى أن أظفره الله وأظهره على قريش بفتح مكة عنوة .

.. إن المسلمين في دعوتهم لأمتي فارس والروم لم يستعملوا القوة في بداية أمرهم وإنما يطلبون من الممتنعين بأن يسمحوا لهم بنشر دين الله دين الحق ودين جميع الخلق والذي أوجب الله بان ينذروا به ويبلغوه جميع الخلق يقول الله " لأنذركم به ومن بلغ " فهم ينذرون ويحذرون بقول الله سبحانه : " يا أهل الكتاب قد جاءكم رسولنا يبين لكم كثيراً مما كنتم تخفون من الكتاب ويعفوا عن كثير قد جاءكم من الله نور وكتاب مبين . يهدي به الله من اتبع رضوانه سبل السلام ويخرجهم من الظلمات الى النور بإذنه ويهديهم الى صراط مستقيم " .

" يا أهل الكتاب قد جاءكم رسولنا يبين لكم على فترة من الرسل أن تقولوا ما جاءنا من بشير ولا نذير فقد جاءكم بشير ونذير والله على كل شيء قدير " .

(قل يأ أهل الكتاب تعالوا الى كلمة سواء بيننا وبينكم الاَّ نعبد الا الله ولا نشرك به شيئاً ولا يتخذ بعضنا بعضاً أرباباً من دون الله فإن تولوا فقولوا اشهدوا بأنا مسلمون ) .

وحيث أمر الله بإبلاغ القرآن والإنذار به والدعوة الى دينه بالحكمة والموعظة الحسنة والجدال مع المخالفين بالتي هي أحسن ... فمتى منع المسلمون من ذلك وهدد الدعاة أو منعوا من نشر دعوتهم في البلاد ، فانهم يعتبرون بأنهم معتدون على الدين وعلى عباد الله المؤمنين بقطع سبيل الدعاة الى ربهم ، وإلى ما فيه صلاحهم وصلاح البشر كلهم . فيقاتلون دفاعاً لشرهم فإن الاعتداء على الدين أضر من الاعتداء على الأنفس والأموال والفتنة فيه أشد من القتل ولا أشد من فتنة المضلين الذين يبغونكم الفتنة وفيكم سماعون لهم يقول الله : " قاتلوهم حتى لا تكون فتنة ويكون الدين لله " .

فالإسلام لم يدع إلى قتال الكفار إذا هم أذعنوا ولم يعتدوا على الإسلام والمسلمين بشركهو وتشكيكهم ولم ينقصوا المسلمين شيئاً ولم يظاهروا عليهم عدوهم فإن أجابوا الدعوة قبل منهم وكانوا مسلمين وإن امتنعوا طلب منهم الجزية . وهي نزر حقير ترمز لخضوعهم للإسلام وارتباطهم بعهده وعقده وكف الأذى والاعتداء على الدين وعلى المسلمين مع بقائهم على دينهم ، ثم إن لهم ما للمسلمين وعليهم ما على المسلمين .

فمطالب الإسلام والمسلمين هي من الأمور السمحة السهلة غير ان الأمم المخالفة قد جاهدوا أشد الجهاد في منع الدعوة وقبول الهداية لعلمهم أن ما يدعون إليه هو الحق الذي يقبله الذوق السليم ويستسلم له العقل الحكيم لأنه دين الفطرة السليمة والطريقة المستقيمة ، وأن الناس ينصاعون لاستجابة دعوته ، ومن لوازمه تقويض دعائم ملكهم وسلطانهم . وحتى النصارى في هذا الزمان فإن أشد ما يقع بأسمائهم هو الدعوة إلى الدين .

وهذه هي غاية القتال لأهل الكتاب المشار إليها بقوله تعالى : " قاتلوا الذين لا يومنون بالله ولا باليوم الآخر ولا يحرمون ما حرم الله ورسوله ولا يدينون دين الحق من الذين أوتوا الكتاب حتى يعطوا الجزية عن يد وهم صاغرون " إن قيام الإسلام انما هو بالدعوة والحجة وانتشاره السريع على بلدان العالم انما هو بموافقته للفطرة والمصلحة " ان الدين عند الله الإسلام " "ومن يبتغ غير الإسلام ديناً فلن يقبل منه وهو في الآخرة من الخاسرين " .

فكان الصحابة في فتوحهم لا يتقدمون خطوة إلا والدعاة من خلفهم يبينون للناس حقيقة الإسلام واحكامه وفرائضه وما يترتب عليه من الأجر و الفضل في الدنيا وفي الآخرة وبسبب هذا القتال في سبيل الله زفي سبيل حرية الدعوة حصل ما ترتب عليها من الفتوح للأقطار وسائر الأمصار حتى انتشر فيها الإسلام وصار أكثر النصارى من الأمم حنفاء لله يعبدونه ولا يشركون به شيئاً .

ثم أن المسلمين عاملوا من دخل تحت سلطانهم معاملة حسنة بمقتضى العدل والإنصاف حيث ساووهم في جميع معاملات الحياة وأقاموا أنفسهم مقاة الحماة لهم دون دمائهم وأموالهم ، فلا يتعرض لهم أحد بسوء ، وحتى احترام معابدهم فلا يتعرضون لهدمها ، ولا يمنعون أهلها من دخولها ، وقد أوصى عمر بأهل الذمة خيراً بأن يقبل من محسنهم ، ويتجاوز عن مسيئهم . وهذا مما تواترت به الأخبار والتاريخ توتراً صحيحاً لا يقبل الشك في جملته . والحاصل أن المسلمين إنما شهروا سيوفهم لضرورة الدفاع عن أنفسهم وكف للعدوان عنهم وعن دين الله الذي أمروا أن يبلغوه ..

.. فهم لم يستعملوا القوة إلا عند الحاجة وفي حالة الضرورة ، وقد فتحوا بعض البلدان بدون قتال ، لموافقة أهلها لدخولهم ونشر دعوتهم فيها ، وسيرة النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه في القتال مبنية على قواعد العدل والرحمة وعموم المصلحة لكافة البشر من غير اعتداء على دين أحد ، أو ماله ، ما دام محافظاً على ذمته وعهده .

ولما تدفقت جحافل الصحابة المظفرة على بلاد الأكاسرة ، وعلم رسم قائد الفرس الأعلى انها الهزيمة لا محالة ، أرسل إلى سعد بن أبي وقاص أن أخبرونا بالذي تريدون منا وما الغرض من اقدامكم على بلادنا .. فكان جوابهم الذي لم يختلف ان قالوا (اننا نريد أن نخرج الناس من جور الأديان إلى عدل الإسلام ، ونريد أن نخرج الناس من عبادة المخلوق إلى عبادة الله وحده ، ونريد أن نخرجهم من ضيق الدنيا إلى سعتها ) .

فهذا صنيع سلف المسلمين الكرام من الصحابة والتابعين وتابعيتهم بإحسان ، قد جاهدوا عليه بالحجة والبيان والسنة والقرآن والسيف والسنان حتى اتسعت رقعة الإسلام اتساعاً عظيماً لا يماثل ولا يضاهى ولا يضام .

آثار تنبيك عن أخبـارهم       حتى كأنك بالعيان تراهــم

تالله لا يأت الزمان بمثلهم        ابداً ولا يحمي الثغور سواهم

ولا ننكر بأن ملوك الطوائف من المسلمين قد شاب فتوحاتهم في آخر السنين لنشر دعوة الإسلام شيء من حب سعة الملك وعظمة السلطان . وحكم العدل وميزان القسط هو ما قدمنا من صفة سيرة رسول الله وخلفائه واصحابه في فتوحهم .

ثم أن الحروب بين المسلمين والكفار يكون لها أسباب تثيرها وتهيجها سوى ما ذكرنا مما يدخل تحت الدفاع عن حقوق سائر المسلمين لاعتبار انهم متكافلون ، يسعى بذمتهم أدناهم ، وهم يد على من سواهم .

.. فمتى هَمَّ العدو الطامع باغتصاب بلادنا أو شيء من حقوقنا أو أراد العدو الباغي استذلالنا أو العدوان على استقلالنا بقطع حرية دعوتنا ، فإنه يجب عند ذلك أن نتحلى بحلية الشجاعة والقوة والعزة ، فنقاتل في سبيل ذلك حتى تكون حقوقنا محفوظة ، وكرامتنا مصونة ، وهذا من القتال في سبيل الله لقصد ارهاب الأعداء ، واخافتهم من عاقبة التعدي على المسلمين ، وعلى بلادهم وافرادهم ، حتى في غير بلادهم لاعتبار أن المسلمين بعضهم أولياء بعض ، وأنهم كالجسد الواحداذا اشتكى بعضه اشتكى كله .