الموضوع التالي

الموضوع التالي

الـفـهـــــرس

الموضوع السابق

الموضوع السابق

قتال مشركي العرب

إن مشركي العرب كانوا حرباً لرسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه لأن ولاءهم ومحبتهم ونصرتهم لقريش على حرب رسول وأصحابه . يقول الله " إن يثقفوكم يكونوا لكم أعداء ويبسطوا اليكم أيديهم وألسنتهم بالسوء وودوا لو تكفرون " وقد شاركوا قريشاً في الهجوم على خزاعة ، وهي داخلة في عهد الرسول وعقده ، ثم شاركوهم في التحزب معهم يوم الأحزاب عام الخندق ، ثم أرسل النبي صلى الله عليه وسلم سبعين من القراء إلى نجد فيهم خبيب ، يدعون الناس إلى الدين ويعلمونهم أحكام عبادتهم فتمالؤوا على قتلهم فقتلوهم كلهم إلا خبيباً فإنهم باعوه على قريش ليقتلوه في قتيل لهم فقتلوه . فقنت عليهم النبي صلى الله عليه وسلم يدعو عليهم شهراً . فهم الأعداء الألداء لم يبقوا صلحاً مع النبي وأصحابه . وقد أنزل الله فيهم صدر سورة التوبة وهي قوله " فاذا انسلخ الأشهر الحرم فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم وخذوهم واحصروهم واقعدوا لهم كل مرصد فإن تابوا وأقاموا الصلاة وآتوا الزكاة فخلوا سبيلهم " وهم الذين قال النبي صلى الله عليه وسلم فيهم : " أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله ويقيموا الصلاة ويؤتوا الزكاة فإذا فعلوا ذلك عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحق الإسلام وحسابهم على الله تعالى " .. رواه البخاري ومسلم من حديث ابن عمر .

فهذا إنما أراد به مشركي العرب الذين لم تقبل منهم الجزية وذلك بعد الإذن بقتالهم . وما أذن الله لنبيه والمسلمين بقتالهم إلا بعد أن آذوا النبي وأصحابه وأخرجوهم من ديارهم وأموالهم وقعدوا لهم كا مرصد ووقفوا في سبيل الدعوة فلم يكن الإذن بقتالهم إلا للدفاع عن الحق وأذى الخلق يقول الله : " أذن للذين يقاتلون بأنهم ظلموا وان الله على نصرهم لقدير الذين أخرجوا من ديارهم بغير حق إلا أن يقولوا ربنا الله " . وكان النبي صلى الله عليه وسلم يقول : " والله إنك من أحب بلاد الله الي ولولا أن قومي اخرجوني منك لما خرجت " .

يقول بعض من يعترض على هذا ممن يحاول الطعن في الدين : إن الرسول وأصحابه قد أكرهوا مشركي العرب على الإسلام وانهم لم يقبلوا منهم إلا الإسلام أو السيف كالمرتدين عن دين الحق إلى الكفر بينما القرآن يترك إكراه آخرين على الإسلام بقبول الجزية منهم وإقرارهم على دينهم الباطل كأهل اللكتاب .

والجواب عن هذا أن جزيرة العرب هي دار الإسلام ومأزر المسلمين وعقر دارهم فلا ينبغي أن يترك فيها إلا مسلم وقد أوصى النبي صلى الله عليه وسلم بإخراج اليهود والنصارى من جزيرة العرب حتى لا يبقى فيها إلا دين الإسلام . وجزيرة العرب هي الحجاز ونجد بلا خلاف وفي غيرهما الخلاف المشهور . قال في فتح الباري : " جزيرة العرب التي يمنع المشركون من سكناها هي مكة والمدينة واليمامة وما والاها لا فيما سوى ذلك مما يطلق عليه اسم الجزيرة " .. إذ هذه مساكن العرب من قديم الزمان والعرب فيها هم من أرفع الناس رأساً وأقوالهم بأساً .

ولما اختلف الناس على الإمام علي رضي الله عنه في حرب الجمل وصفين تمنى أن ينحاز بقومه إلى جزيرة العرب أو الشام وأنشد :

ولو أني أطعت قومـي        الى ركن اليمامة أو شـآم

ولكني اذا أبرمت أمراً          يخالفه الطغام بنوا الطغام

إن قيام الدين وانتشاره واتساع رقعة الإسلام انما هو بالدعوة اليه بالحكمة والموعظة الحسنة كما أمر الله نبيه بقوله : " ادع الى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة وجادلهم بالتي هي أحسن " لا بالسيف والإكراه كما يعتقده بعض الناس وأكثر العوام ، وانما السيف بمثابة الناصر للإسلام الذي يذب عنه العدوان عندما توقدت بالغيظ والحقد والحسد قلوب أهل الطغيان حتى قلوب الأقربين من قريش الذي عزه عزهم ، وشرفه شرفهم ، كما قيل :

حسد العشيرة للعشيرة قرحة     تلدت وسائلها وجرح أقدم

تلكم قريش لم تكن آراؤهـا     تهفوا ولا أحلامـها تتقسم

حتى اذا بعث النبي محمـد     فيهم غدت شحناهم تتضرم

عزبت عقولهم وما من معشر  الا وهم منهـم ألبّ وأحزم

لما أقام الوحي بين ظهورهم    ورأوا رسول الله أحمد منهم

إن مشركي العرب غارقون في فنون الشرك وعبادة الأوثان من الأحجار والأشجار والقبور وسائر وسائل الافتتان ، وما يفسد العقول والأذهان ويفسد أخلاق الصغار والكبار ، ويصير العاقل اذا عمل به أخرق ، والرشيد سفيهاً . لأن من كان في أصل عقيدته التي انتحلها الإساءة إلى الخالق ، والنيل منه بنسبته إلى العدم وعدم الجزاء على العمل ، فأخلق به أن يستهل الإساءة إلى الدين ، وإلى عباد الله المؤمنين ، وأن يعاملهم بضد صفاتهم الجميلة ، وأفعالهم الحميدة . إذ لا يمكن اتحاد وحدة الجميع على التوحيد مع الاختلاط بهؤلاء مع العلم أن الأخلاق تتعادل . فلو لم يجب مجاهدة هؤلاء القوم إلا لعموم أضرارهم التي لا تحصى لكانوا لذلك أهلاً إذ الضرورة تقتضي قطع العضو المتأكل متى خيف سراية ضرره إلى سائر الجسم .

من ذلك ان وفد خولان لما قدموا على النبي صلى الله عليه وسلم مسلمين فقال لهم رسول الله : ( ما فعل عم أنس ) . وكان لهم صنم يعبدونه يسمونه عم أنس . فقالوا قد أبدلنا الله به ما جئت به وقد بقيت منا بقايا من شيخ كبير وعجوز كبيرة متمسكين به ولو قدمنا عليه لهدمناه فاننا منه في غرور وفتنة . فقال رسول الله : وما أعظم ما رأيتم من فتنة . فقالوا : لقد اسنتنا – يعني اجدبنا – سنة حتى كنا نأكل الرمة ، فجمعنا ما قدرنا عليه حتى اشترينا مائة ثور ونحرناها كلها ، قرباناً لعم أنس وتركنا السباع تردها ونحن والله أحوج إليها من السباع ولقد رأينا العشب يواري محازم الرجال ويقول قائلنا أنعم علينا عم انس .

وهذا من فنون عملهم الذي يوقع عامتهم في الافتتان به . والله يقول : " وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة ويكون الدين لله " .

وإنما شرع القتال للدفاع عن الدين وعن أذى المعتدين وهو ما يعبرون عنه بحرية الدعوة إلى الدين ، وإعلاء كلمة الحق على الأديان كلها ، ومنع الفتنة فيه بحيث لا يفتن المسلم في دينه ، ولا يجبر على الرجوع عنه إلى الكفر .

كما كان المشركون من قريش والعرب يضطهدون المسلمين بكل ما يقدرون عليه من أنواع الإحراج والتضييق والإيذاء والتعذيب ، لأجل ردهم عن دينهم ، كما فعلوا مع بلال وصهيب وسمية ، من تعذيبهم لهم بالنار ، بقصد ردتهم عن الإسلام . ولأجل دفع الأذى والإضطهاد والعدوان شرع الله القتال في الإسلام ، وجعله مفروضاً ، وسماه سنام الإسلام ، وأمر بإعداد القوة له لقصد إظهار الحق ونفع الخلق وإرهاب الأعداء بإخافتهم من عاقبة التعدي على دين المسلمين وبلادهم ، وأفرادهم أو حدودهم وحقوقهم ومصالحهم ، حتى ولو في غير بلادهم – بلاد العرب فإن التعدي على أحدهم كجميعهم لاعتبار أن المؤمنين كالجسد الواحد اذا اشتكى بعضه اشتكى كله . حتى تكون أمة الإسلام آمنة في عقر دارها آمنة على أموالها ومصالحها مطمئنة في حرية دينها .

وإنما اشتبه على بعض العلماء المتقدمين من الفقهاء والمفسرين بما فهموه من بعض الغزوات والسرايا التي يظن منها بدء المسلمين بها حيث توهموا بأنها هجوم محض وان النبي صلى الله عليه وسلم أغار على بني المصطلق وهم غارون . وذهلوا عن بداءة حالة الحرب بينهم وبين المشركين باعتداء المشركين عليهم وتحزبهم مع قريش على حرب الرسول وأصحابه في غزوة الأحزاب وكما نقضوا عهد صلح الحديبية ، وهجموا على خزاعة مع أبي سفيان وقومه فقتلوهم وقد دخلت خزاعة في عهد رسول الله وعقده . واستمرارهم على هذا العداء والمظاهرة في ذلك الوقت فهم أعداء للرسول في كل حال وفي كل محل إلى أن فتح الله مكة .

وكان العرب من أهل الحجاز ونجد يتربصون باسلامهم واستسلامهم فتح مكة وظهور النبي على قريش ، ويقولون إن كان محمد نبياً فسيظهر على قريش ، وان كان غير نبي فستظهر عليه قريش ، فلما فتح الله مكة في العام الثامن واستقر الإسلام بها ، ومَنَّ على أهلها بالعفو أقبل العرب من كل صوب يظهرون اسلامهم واستسلامهم لرسول الله وسمي عام التسع بعام الوفود . وأخذ الناس يدخلون في دين الله أفواجاً أفواجاً طائعين مختارين .