![]() |
|
|
ابتداء الإذن بالقتال في سبيل الله ان الله
سبحانه لما أوحى إلى نبيه ورسوله محمد صلى الله عليه وسلم وأظهر دعوته إلى قومه
يدعوهم إلى عبادة الله وحده وترك عبادة ما سواه فتألبت عليه قريش بالعداوة لو لا
أن أقاربه من بني هاشم وخاصة عمه أبا طالب حيث أصروا على منعه وعدم تمكينهم منه
وما زالوا يكيدون له حتى ائتمروا على قتله بصفة يضيع بها دمه ، وذلك بأن يختاروا
من كل قبيلة رجلاً فيضربونه بسيوفهم معاً في وقت واحد حتى يضيع بينهم دمه . فأطلع
الله نبيه على كيدهم وأنزل الله " وإذا يمكر بك الذين كفروا ليثبتوك أو
يقتلوك أو يخرجوك ويمكرون ويمكر الله والله خير الماكرين " هذا وجميع عرب
الحجاز ونجد مع قريش عليه فهاجر النبي صلى الله عليه وسلم من مكة إلى المدينة
وهاجر السابقون الأولون من أصحابه فآواهم إخوانهم الأنصار الذين كانوا أسلموا في
موسم الحج بمكة وقد بايعوا النبي على أن يمنعوه من كل من يعتدي عليه كما يمنعون
أهلهم وأولادهم وأنفسهم ولذلك صار حرباً لقريش خاصة وللعرب عامة وصاروا يعدون
انفسهم محاربين له لا يقصرون عن كل ما يستطيعون من أذى ينالونه به وباصحابه إلا
فعلوه . وكان
المؤمنون في ابتداء الإسلام وهم بمكة مأمورين بالصلاة والزكاة والعفو والصفح
والصبر على أذى المشركين . وكانوا يتحرقون ويودون لو أمروا بالقتال ليشتفوا من
أعدائهم ولم يكن الحال إذ ذاك مناسبة للقتال لقلة عددهم بالنسبة إلى كثرة عدد
عدوهم وكونهم في بلد حرام لم يكن القتال فيه مناسباً .. وروى ابن ابي حاتم عن ابن
عباس ان عبد الرحمن بن عوف وأصحاباً له أتوا النبي صلى الله عليه وسلم بمكة فقالوا
يا رسول الله كنا أعزة ونحن مشركون فلما آمنا صرنا أذلة فقال : إني أمرت بالعفو
فلا تقاتلوا القوم . فلما حوله الله إلى المدينة وصارت لهم دار منعة وأنصار فرض
الله عليهم القتال فجزع بعضهم من فرضه وخافوا من مواجهة الأعداء خوفاص شديداً لأن
فيه سفك الدماء ويتم الأولاد وتأيم النساء فكانوا يكرهون فرضه عليهم بعد أن كانوا
يتمنون قتال المشركين . فأنزل الله
" ألم تر إلى الذين قيل لهم كفوا أيديكم وأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة
فلما كتب عليهم القتال اذا فريق منهم يخشون الناس كخشية الله أو أشدَ خشية وقالوا
ربّنا لم كتبتَ علينا القتال لو لا أخّرْتَنَا إلى أجل قريب قل متاع الدنيا قليل
والآخرة خير لمن اتقى ولا تظلمون فتيلا . أين ما تكونوا يدرْككُمْ الموتُ ولو كنتم
في بروج مشيدة " . وكانت أول
آية نزلت في الإذن بالقتال هي قوله تعالى " أذن للذين يقاتلون بأنهم ظلموا
وإن الله على نصرهم لقدير . الذين أخرجوا من ديارهم بغير حق إلا أن يقولوا ربنا
الله لو لا دفع الله الناس بعضهم ببعض لهدمت صوامعُ وبيعٌ وصلواتٌ ومساجدُ يُذكرُ
فيها اسم الله كثيراً ولينصرنَّ اللهُ من ينصره إن الله لقويٌ عزيز . الذين إن
مكنّاهم في الأرض أقاموا الصلاة وآتوا الزكاة وأمروا بالمعروف ونَهَوْا عن المنكر
ولله عاقبة الأمور " . قال العوفي عن ابن عباس : نزلت هذه الآيات في محمد
وأصحابه حين أخرجوا من مكة ، وهي أول آية نزلت في القتال . ثم إن
المشركين هم الذين بدأوا المسلمين بالقتال لإرجاعهم عن دينهم ولو لم يبدأوا في كل
وقعة لكان اعتداؤهم بإخراج الرسول من بلده وتمالئهم على قتله وفتنة المؤمنين في دينهم
وإيذائهم بضربهم وأخذ أموالهم ومنعهم من الدعوة إلى سبيل ربهم وكانوا ينهون عنه
وينأون عنه وإن يهلكون إلا أنفسهم وما يشعرون " كل ذلك كاف في اعتبارهم
معتدين يقول الله تعالى " واذ يمكر بك الذين كفروا ليثبتوك أو يقتلوك أو
يخرجوك ويمكرون ويمكر الله والله خير الماكرين " . وحسبك من الأذى كونهم
وضعوا سلى الجزور على رأس رسول الله وهو ساجد . فقتال النبي صلى الله عليه وسلم
لهم كله مدافعة عن الحق وأهله . وكذلك كانت حروب الصحابة لأجل حماية الدعوة ومنع
الفتنة وحماية المسلمين من تغلب القوم الكافرين . والله تعالى يقول :
"وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة ويكون الدين لله " أي حتى لا يفتن المسلم في
دينه و لا يمنع من الدعوة إليه . فهذا هو الغاية من القتال بعد دفع الاعتداء
والظلم واستتباب الأمن ، وعبادة المسلمين ربهم ، وإعلائهم كلمته ، وتنفيذ شريعته ،
وبذلك يكون الجهاد لله وفي سبيل الله ، وتكون كلمة الله هي العليا ، ولا عبرة بما
يهذي به العوام وبعض العلماء ، حيث يزعمون أن الدين قام بالسيف ، وانهم في فتوحهم
يجعلون القرآن في يد والسيف في اليد الأخرى ومن لم يؤمن بالقرآن حكموا فيه السيف
فهذا لا أصل له والقرآن بجملته وتفاصيله يرده . فلا إكراه في الدين " ولو شاء
ربك لآمن من في الأرض كلهم جميعاً أفأنت تكره الناس حتى يكونوا مؤمنين " وقال
" فذكر إنما أنت مذكر لست عليهم بمسيطر " . أي لست بمسلط على إدخال
الهداية قلوبهم . فهذا القتال
وإن ظنه بعضهم هجوماً لكنه حقيقة في الدفاع لشرهم ، وقتال الدفاع لا يشترط أن يعلن
به في كل حركة ولا في كل معركة ، إذ العدو يترقب الفرصة لمواثبة عدوه : " إن يثقفوكم يكونوا لكم أعداءً
ويبسطوا إليكم أيديهُمْ وألسنتهم بالسوء وودوا لو تكفرون . لن تنفعكم أرحامكم ولا
أولادكم يوم القيامة " .. فهؤلاء هم الذين قال الله فيهم " فإذا انسلخ
الأشهر الحرم فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم وخذوهم واحصروهم واقعدوا لهم كل مرصد
فإن تابوا وأقاموا الصلاة وآتوا الزكاة فخلوا سبيلهم " وهذه الآيات هي معنى
قول النبي صلى الله عليه وسلم " أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله
إلا الله وأن محمداً رسول الله ويقيموا الصلاة ويؤتوا الزكاة فاذا فعلوا ذلك عصموا
مني دمائهم وأموالهم إلا بحقها " .. رواه البخاري ومسلم من حديث ابن عمر . ويريد بهذا
الأمر عرب الجزيرة ، بحيث لا يبقى فيها إلا دين لإسلام . بخلاف اليهود والنصارى
والمجوس والصابئة ، فانهم لا يطالبون بمدلول الحديث من الإقرار بالشهادتين وإقامة
الصلاة وايتاء الزكاة وإنما يكتفي منهم بالجزية فقط ، ثم يقرون على دينهم الباطل .
وألحقَ بعض العلماء بهم المشركين في غير جزيرة العرب ، فإنه يكتفي منهم بأخذ
الجزية ، كما حقق ذلك شيخ الإسلام ابن تيمية . ويدل له حديث بريدة في صحيح مسلم
حيث قال : " فإن لم يقبلوا فاسألهم الجزية فإن أجابوك فاقبل منهم وكف عنهم ..
" وسيأتي بتمامه في موضعه . ولما عزم
النبي صلى الله عليه وسلم على فتح مكة أخفى سفره ، فكتب حاطب بن أبي بلتعة يخبرهم
بذلك ، فأنزل الله سورة الممتحنة وفيها التصريح بالنهي عن موالاة المشركين وخص هذا
النهي بالذين قاتلوا المسلمين وأخرجوهم من ديارهم وأموالهم ثم قال " لا
ينهاكم الله عن الذين لم يقاتلوكم في الدين ولم يخرجوكم من دياركم أن تبروهم
وتقسطوا إليهم إن الله يحب المقسطين . إنما ينهاكم الله عن الذين قاتلوكم في الدين
وأخرجوكم من دياركم وظاهروا على إخراجكم أن تولّوْهم ومن يتلوهم فأولئك هم
الظالمون " . وقال :
"وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة ويكون الدين لله " . وحتى لانتهاء الغاية
بحيث يكون ما بعدها نقيضاً لما قبلها . كأنه يقول متى زالت الفتن عن الدين وعن
عباد الله المؤمنين فلا قتال . فالقتال الواجب في الإسلام انما شرع للدفاع عن الحق
وأهله وحماية الدعوة ونشرها " لأنذركم به ومن بلغ " . فمعناه
الصحيح قتال الذين يفتنون المسلم في دينه ، ويصدونه عن سبيل ربه ، ونشر الدعوة إلى
دينه ، وهذا هو القتال في سبيل حرية الدعوة إلى الله وإلى دينه . وكل من نظر
بعين البصيرة إلى مقاصد الشريعة علم أن الدين إنما اشتهر وانتشر بالدعوة والتبليغ
، لا بالإكراه والإلزام . فقد قال الله تعالى : " لا إكراه في الدين قد تبين
الرشد من الغي " وهي محكمة وليست منسوخة في قول جمهور العلماء . وسبب نزول
النهي عن الإكراه معلوم ، وهو أن رجلاً من الأنصار من بني سالم بن عوف له ابنان
نصرانيان ، وكان هو مسلماً فقال للنبي صلى الله عليه وسلم : ألا استكرههما على
الإسلام فإنهما أبيا إلا النصرانية . فأنزل الله تعالى : " لا إكراه في الدين
" وفيها روايات متعددة بمعنى ذلك وأن الإبنين متهودان . ثم أن الحرب
شر عظيم يترتب عليها سفك الدماء ، ويتم الأولاد ، وتأيم النساء ، وأن القرآن لم
يأذن بالجهاد إلا للضرورة التي هي المدافعة عن الحق ، الذي يعتقد الموحد أن فيه
سعادته وسعادة البشر كلهم ، فالحرب ضرورة يقتضيها جلب المصالح ودفع المفاسد والسلم
هو الأصل الذي يترتب عليه راحة الناس واطمئنانهم . وقد سمى الله
الإسلام سلماً فقال تعالى " يا أيها الذين آمنوا ادخلوا في السلم كافة "
أي في الإسلام لأنه دين السلام والأمان ولهذا أمر الله بإيثارها على الحرب فقال :
" وإن جنحوا للسلم فاجنح لها وتوكل على الله " . وابتداء
القتال مشروط بتقدم الدعوة إلى الإسلام ، وعدم قبول المخالف للدخول في الذمة
المعبر عنها بالجزية ، وهي نزر يسير ، بمثابة الرمز للخضوع للإسلام ، وعدم
الإعتداء عليه وعلى أهله . قال شيخ
الإسلام ابن تيمية رحمة الله : كانت سيرة رسول الله أن من سالمه لم يقاتله . قال : ولا يقدر أحد أن ينقل عن رسول
الله أنه اكره أحداً على الإسلام لا مقدوراً عليه ولا ممتنعاً ولا فائدة في إسلام
المكره . ثم استدل بقوله تعالى : " لا إكراه في الدين " وبقوله : "
فإذا لقيتم الذين كفروا فضرب الرقاب حتى إذا اثخنتموهم فشدوا الوثاق فإما مناً بعد
وإما فداء حتى تضع الحرب أوزارها ذلك ولو يشاء الله لانتصر منهم ولكن ليبلوا بعضكم
ببعض " . فأمر الله
عباده متى مكنهم الله من غلب عدوهم والاستيلاء عليه بأن يشدوا الوثاق أي الأسر
ويرفعوا القتل ثم يفعلوا معهم إحدى الحسنتين .. إما المنّ عليهم بدون شيء بأن
يسرحوهم بإحسان إلى أهلهم أو يضربوا عليهم الفداء . كل واحد بحسبه ، كما فعل رسول
الله مع أسرى بدر . وهذه الآية محكمة وليست منسوخة على القول الصحيح ولم يقل
سبحانه حتى إذا أثخنتموهم فشدوا الوثاق ولا تطلقوهم حتى يسلموا أو يقتلوا كما
يقوله من يرى أن القتل سببه الكفر . ويؤكده قوله : " فإن اعتزلوكم فلم
يقاتلوكم وألقوا اليكم السلم فما جعل الله لكم عليهم سبيلاً " وهذه الآية
مسبوقة بقوله : " فما لكم في المنافقين فئتين والله أركسهم بما كَسَبوا أ
تريدون أن تهدوا من أضل الله ومن يضلل الله فلن تجد له سبيلا . ودّوا لو تكفرون
كما كفروا فتكونون سواءً فلا تتخذوا منهم أولياء حتى يهاجروا في سبيل الله فان
تولوا فخذوهم واقتلوهم حيث وجدتموهم ولا تتخذوا منهم ولياً ولا نصيراً . إلا الذين
يصلون إلى قوم بينكم وبينهم ميثاق أو جاؤكم حَصِرَت صدورهم أن يقاتلوكم أو يقاتلوا
قومهم ولو شاء الله لسلطهم عليكم فَلَقَاتَلُوكم فإن اعتزلوكم فلم يقاتلوكم والقوا
إليكم السَلَمَ فما جعل الله لكم عليهم سبيلا " . وروى ابن
جرير عن ابن عباس أنها نزلت في طائفة من الكفار وهي الطائفة المسالمة للرسول
وأصحابه ، فما جعل الله للمؤمنين سبيلاً في قتالهم لكونهم قد سلموا المسلمين من
شرهم ، فلم ينقصوهم شيئاً ولم يظاهروا عليهم عدوهم ، ولم يتعرضوا للطعن في دينهم ،
فصاروا مستحقين للسلامة والمسالمة . ويعني بالمنافقين الذين بمكة لا المنافقين في
دار الهجرة . ثم قال في
الفئة المحاربة : " ستجدون آخرين يريدون أن يامنوكم ويأمنوا قومهم كلَّ ما
ردوا إلى الفتنة اركسوا فيها فان لم يعتزلوكم ويلقوا إليكم السَلَمَ ويكفوا أيديهم
فخذوهم واقتلوهم حيث ثقفتموهم وأولئكم جعلنا لكم عليهم سلطاناً مبيناً "
فهؤلاء هم المحاربون للمؤمنين ، وقد جعل الله للمؤمنين سلطاناً أي حجة بينة في
قتلهم وقتالهم لاعتبار أنهم محاربون للهورسوله ودينه ويتربصون بالمسلمين الدوائر ،
ويزيده وضوحاً قوله تعالى : " لا ينهاكم الله عن الذين لم يقاتلوكم في الدين
ولم يخرجوكم من دياركم أن تبروهم وتقسطوا إليهم إن الله يحب المقسطين "
فهؤلاء هم المسالمون للرسول وأصحابه فهم يستحقون الإكرام والاحترام والصداقة
والإحسان لعدم عدوانهم على المسلمين ثم قال في ضدهم " انما ينهاكم الله عن
الذين قاتلوكم في الدين وأخرجوكم من دياركم وظاهروا على إخراجكم أن تولوهم ومن
يتولهم فأولئك هم الظالمون " . فهؤلاء هم المحاربون لله ورسوله ودينه وعباده
المؤمنين فيستحقون القتال لكف ظلمهم وعدوانهم . ان الله
سبحانه قد أعطى كل ذي حق حقه ، غير مبخوس ولا منقوص " ولا يظلم ربك أحداً
" وهذه الآيات هي بمثابة ميزان العدل والحكم بالحق بحيث تقطع عن الناس النزاع
وتعيد خلافهم إلى مواقع الإجماع في كل من يستحق القتل والقتال ومن لا يستحقه . غير أن بعض
العلماء من المفسرين والفقهاء المتقدمين يقابلون مثل هذه الآيات الواردة في محاسن
الإسلام وسماحته كآية : " وقاتلوا في سبيل الله الذين يقاتلونكم " وقوله
: "لا إكراه في الدين " وقوله : " فإذا أثخنتموهم فشدوا الوثاق
فإما منّاً بعد وإما فداء " . وقوله : " وإن جنحوا للسّلَم فاجنح لها
" . وقوله : " وما استقاموا لكم فاستقيموا لهم " . فكل هذه الآيات
وأمثالها يعارضونها بدعوى نسخها ليثبتوا الحكم بأضدادها تمشياً على ما يعتقدونه في
نفوسهم . فهم يريدون أن يبدلوا كلام الله . على أن دعوى النسخ غير ثابتة ، إذ لا
يعرف الناسخ المتأخر إلا بالخطاب الثابت ، فأين شروط النسخ والحالة هذه . وذكر ابن
جرير في التفسير عن ابن عباس وقتادة : أنها نزلت في قوم بمكة كانوا يظهرون الإسلام
خداعاً ، ويعينون المشركين على المسلمين . فخرجوا من مكة يطلبون حاجة لهم وان
المؤمنين لما أخبروا بخروجهم من مكة ، قالت فئة منهم : اطلبوا الخبثاء فاقتلوهم
فإنهم يظاهرون عليكم عدوكم . وقالت فئة
أخرى من المؤمنين : سبحان الله تقتلون قوماً قد تكلموا بمثل ما تكلمتم به من أجل
أنهم لم يهاجروا فتستحلوا دمائهم وأموالهم . فكانوا كذلك فئتين والرسول عندهم لا
ينهى أحد الفريقين فتنزلت هذه الآيات وفيها التصريح بمن يباح قتله وقتاله ومن لا
يباح قتاله . وفيها أقوال
اخرى غير أن ابن جرير رجح هذا التفسير عن ابن عباس وقتادة . وذهب الجمهور إلى أن
هؤلاء الذين استثناهم الله هم من الكفار ، وكانوا كلهم حرباً للمؤمنين ، يقتلون كل
مسلم ظفروا به ، فشرع الله للمؤمنين معاملتهم بمثل ذلك ، وأن يقاتلوا من يقاتلهم ،
ويسالموا من يسالمهم . ولهذا قال
سبحانه : " فان اعتزلوكم فلم يقاتلوكم وألقوا اليكم السّلَمَ فما جعل الله
لكم عليهم سبيلاً " أي في قتالهم والاعتداء عليهم ، لأن أصل الشرع في القتال
أن لا تقاتلوا الا من يقاتلكم ولا تعتدوا إلا على من يعتدي عليكم . ثم قال في
المحاربين : " ستجدون آخرين يريدون أن يأمنوكم ويأمنوا قومهم كلما ردوا إلى
الفتنة أركسوا فيها فان لم يعتزلوكم ويلقوا إليكم السلم – أي المسالمة – ويكفوا أيديهم – أي عن قتالكم والمساعدة
على حربكم – فخذوهم واقتلوهم حيث
ثقفتموهم وأولئكم جعلنا لكم عليهم سلطاناً مبيناً " . وروى ابن
جرير عن مجاهد لأنهم أناس يأتون النبي فيسلمون خداعاً ، ثم يرجعون إلى قريش
فيرتكسون في الكفر وعبادة الأوثان ، يبتغون بذلك أن يأمنوا من كلا الجانبين فهم
مذبذبون بين المؤمنين والكافرين ، فأمر الله سبحانه بقتالهم إن لم يعتزلوا ويكفوا
أيديهم عن القتال مع المشركين ، أو عن عمل الدسائس على المسلمين . وهذه الآيات
كلها هي محكمة وليست بمنسوخة على القول الصحيح . وقد اتخذ
كثير من الناس دعوى النسخ سلماً إلى إبطال كثير من حكم الآيات والسنن الثابتة عن
رسول الله صلى الله عليه وسلم . قال العلامة
ابن القيم رحمه الله : " إن كثيراً من المتعصبين إذا رأوا آية حديثاً يخالف
مذهبهم يقابلون بالتأويل ، ويحملونه على خلاف ظاهره ما وجدوا إليه سبيلاً ، فاذا
جاءهم من ذلك ما يغلبهم فزعوا إلى دعوى الإجماع على خلافه ، فان رأوا من الخلاف ما
لا يمكنهم معه دعوى الإجماع فزعوا
الى القول بأنه منسوخ ، بدون ان يوجدوا ناسخاً صحيحاً صريحاً متأخراً ، اذ محال
على الأمة أن تحفظ المنسوخ الذي بطل حكمه وتضيع الناسخ الذي يلزمها حفظه والعمل به
. وليست هذه طريقة أئمة الإسلام بل كلهم على خلاف ذلك وأنهم إذا وجدوا آية أو سنة
صحيحة لم يبطلوها بتأويل ولا دعوى إجماع ولا نسخ . انتهى " . لهذا يظهر
للقارئ مما قدمنا أن الغاية في القتال في الإسلام هو ما يعبرون عنه بحرية دعوة
الدين لإعلاء كلمة الحق على الأديان كلها ، ومنع فتون أي أحد في دينه دين الحق أو
محاولة إرجاعه عنه كما أن المشركين يضطهدون المسلمين بكل ما يقدرون عليه من أنواع
التضييق والإحراج والتعذيب والإيذاء لأجل ردهم عن دينهم . ولهذا أوجب الله القتال
في الإسلام دفعاً لهذا الظلم والعدوان . أما المسلمون
فانهم لم يضيقوا على أحد أو يحرجوه لأجل خروجه عن دينه ودخوله في دين الإسلام لأن
الله سبحانه قد نهى عن ذلك بقوله " لا إكراه في الدين " بخلاف مشركي
العرب فإنه لم يكن لهم دين مبني على عبادة أو معرفة . ولم يكونوا يؤمنون بالبعث
والحساب ولا يصدقون بالجنة ولا بالنار ويسكنون في جزيرة العرب التي هي دار الإسلام
ومأزر المسلمين ، والتي لا يترك فيها إلا مسلم ، وقد أوصى النبي صلى الله عليه
وسلم بإخراج اليهود والنصارى منها بحيث لا يبقى فيها دينان ، إلا دين الإسلام .
وهذا معنى ما في الصحيحين عن ابن عمر ان النبي صلى الله عليه وسلم قال : "
أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله ويقيموا
الصلاة ويؤتوا الزكاة فإذا فعلوا ذلك عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحقها "
. .. فالمراد
بالناس في هذا الحديث هم مشركوا جزيرة العرب من اطلاق الكل ، ويراد به البعض وهم
الذين أنزل الله فيهم سورة براءة التي هي من آخر القرآن نزولاً وهي قوله : "
فإذا انسلخ الأشهر الحرم فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم وخذوهم واحصروهم واقعدوا
لهم كا مرصد . فان تابوا وأقاموا الصلاة وآتوا الزكاة فخلوا سبيلهم ان الله غفور
رحيم " . إذ من المعلوم أن الله سبحانه لم يحكم بإلزام الناس كلهم بمدلول هذا
الحدية أو الآية من قتالهم حتى يقروا بالشهادتين ويقيموا الصلاة ويؤتوا الزكاة ،
فإن سائر الأمم من اليهود والنصارى والمجوس يكتفى منهم بالجزية ثم يقرون على دينهم
الباطل الذي هو عدم الإقرار بالشهادتين وعدم الصلاة والزكاة . نظيره قوله تعالى :
" الذين قال لهم الناس إن الناس قد جمعوا لكم فاخشوهم " وهؤلاء الناس
الذين أجمعوا على حرب رسول الله والصحابة هم أبو سفيان ومن معه دون سائر الناس . إنه لولا اذن
الله للناس بهذا الجهاد الذي هو حقيقة في الدفاع عن الحق والحقيقة لهدمت صوامع
وبيع وصلوات ومساجد يذكر فيها اسم الله كثيراً ببغي أهل الطغيان وعبدة الأوثان
ومنكري البعث للجزاء على الأعمال والتي تبيح للناس جميع المنكرات والفواحش والآثام
وسائر ما يفسد الأخلاق والأديان والآداب وروابط الإجتماع . والله يقول : " الذين آمنوا
يقاتلون في سبيل الله والذين كفروا يقاتلون في سبيل الطاغوت " والطاغوت مشتق
من الطغيان وهو مجاوزة الحد في الكفر والفسوق والعصيان . أما حروب
الدول الأوروبية فان دولة النصارى في فتوحها تحرص على نشر تعليم لغاتها وتاريخ
عظمتها وعظمائها وسياسة ملكها ، وينالون من الإسلام بهضمه وذمه ، وصد الناس عنه
وقد بقوا فوضى وحيارى ليس لهم دين يعصمهم ، ولا شريعة تنظمهم ، وانما يتوارثون
الكفر من بعضهم عن بعض ، وينالون من الإسلام بالطعن فيه ، لأجل هدم مقومات دين
الإسلام وعظمته وعظمائه ، ليبقوهم في رق الإستعمار وذل الاستعباد ويشيرون للشباب
النتعلمين في مدارسهم بأن دين الإسلام هو الذي حكم على أهله بالذل والضعف . حتى
يبقوهم على حالهم فلا يتطاولون عليهم في العلم والثروة والعزة والقوة .. |