![]() |
|
|
الجهاد المشروع في
الإسلام الحمد لله رب العالمين ، وبه نستعين ، ولا حول ولا قوة إلا
بالله العلي العظيم . أما بعد – فقد حصل النزاع بين بعض الإخوان والمشايخ الكرام
، في الرسالة المنسوبة لشيخ الإسلام ، أحمد بن عبد الحليم بن عبد السلام ابن تيمية
رحمه الله . في قاعدة قتال الكفار ، وأن القتال إنما شرع للدفاع عن الدين ، وكف
أذي المعتدين على المؤمنين . وأن الإسلام يسالم من يسالمه . فاستنكر هذا القول واستكبره بعض العلماء المتأخرين ، حتى
خرج لإنكاره كتابان من عالمين جليلين يحققان فيهما ان هذه الرسالة مكذوبة على شيخ
الإسلام رحمه الله . ونحن بكلامنا في تحقيق هذه الرسالة لسنا نريد التصدي
للانتصار لشيخ الإسلام في كل ما يقوله في الرسالة وغير الرسالة ، وإنما نؤم علم
الحق متى رفعه لنا لنكون تحت لوائه ومن أنصاره وأعوانه . لقد عشنا زماناً طويلاً ونحن نعتقد ما يعتقده بعض العلماء واكثر
العوام من أن قتال الكفار سببه الكفر ، وان الكفار يقاتلون حتى يسلموا ، لكننا بعد
توسعنا في علم الكتاب والسنة ، والوقوف على سيرة الرسول وأصحابه ، في حروبهم
وفتوحهم للبلدان ، تبدل راينا وتحققنا بان القتال في الإسلام إنما شرع دفاعاً عن
الدين ودفع أذى المعتدين على المؤمنين . وليس هذا بالظن ولكنه اليقين . قال شيخ
الإسلام في رسالته : "الصحيح أن القتال شرع لأجل الحرب لا لأجل الكفر وهذا هو
الذي يدل عليه الكتاب والسنة وهو مقتضى الإعتبار وذلك انه لو كان الكفر هو الموجب
للقتال لم يجز اقرار كافر بالجزية . " انتهى . فمن زعم أن لشيخ الإسلام كلاماً يخالف هذا في السياسة
الشرعية أو في الجواب الصحيح فقد غلط عليه وأدلى بما لم يحط بعلمه . وقد قال بعض العلماء من المتأخرين أن دعوى القتال للإكراه
على الدين انما دخل على المسلمين عن طريق النصارى حيث كانوا يشنعون به دائماً على الإسلام
والمسلمين ويجعلونه في مقدمة تبشيرهم إلى دينهم وينشرونه في كتبهم ويلقنونه للطلاب
في مدارسهم لقصد تنفير الناس عن دين الإسلام واحتقاب العداوة لأهله فهو أكبر مطاعن
النصارى على الإسلام وعلى المسلمين . فسرى هذا إلى اعتقاد بعض العلماء وأكثر
العامة ، لظنهم انه صحيح واقع . ومن طبيعة البشر كراهة اسم الإكراه والإجبار مهما
كانت عاقبته وصاروا يتناقلون هذا القول في كتبهم حتى رسخ في قلوب العامة وبعض
العلماء . واننا متى قلنا بهذا القول فقد اشتركنا مع القسيسين
والمبشرين في التنفير عن الدين وانه ينبغي لنا متى تصدينا للدعوة إلى دين الإسلام
بأن نصف الإسلام بما هو أهله وبما هو معلوم عن محاسنه وانصافه بالرأفة والرحمة
لسائر الناس لقول الله سبحانه : " وما أرسلنك إلا رحمة للعالمين " – أي
للخلق اجمعين – بدلاً من أن نصفه بالعقاب والشدة لكل من لقيه من الكفار . فنصفه
بانه دين البشرية كلهم عربهم وعجمهم لا دين لهم سواه لقوله سبحانه " إن الدين
عند الله الإسلام " وقال : " ومن يبتغ غير الإسلام ديناً فلن يقبل منه
وهو في الآخرة من الخاسرين " . فهو دين الله الذي ارتضاه لجميع خلقه فقال سبحانه
"ورضيت لكم الإسلام ديناً" لأنه دين الرحمة المهداة من الله لجميع الناس
بواسطة محمد صلىالله عليه وسلم. فهو دين الحق الذي نظم أحوال الناس في حياتهم وبعد وفاتهم أحسن
تنظيم . صالح لكل زمان ومكان وقد سماه الله سلماً فقال سبحانه "يا أيها الذين
آمنوا أدخلوا في السلم كافة" فهو يحب السلم ويكره الحرب إلا في حالة الضرورة
. فلا يكره احداً على الدخول في دينه لكون الدين هداية اختيارية لا
إكراه فيها ولا إجبار يوقل الله سبحانه "لا إكراه في الدين قد تبيّن الرشد من
الغيّ" وقال "أفأنت تكره الناس حتى يكونوا مؤمنين" "فمن يرد
الله أن يهديه يشرح صدره للإسلام – فيؤمن به وبأمره ونهيه – ومن يرد أن يضله يجعل
صدره ضيقاً حرجاً" عن أمره ونهيه وفرائضه ونوافله . ...إن الإسلام يسالم من يسالمه ولا يقاتل إلا من يقاتله أو يمنع نشر
دعوته ويقطع السبيل في منع إبلاغها للناس فانهم بمنع إبلاغها يعتبرون بانهم معتدون
على الدين وعلى الخلق أجمعين . لأن الله سبحانه أمر بإبلاغ هذا الدين والتبشير به جميع خلقه فقال
سبحانه "لأنذركم به ومن بلغ" فمتى أقبل دعاة الإسلام على بلد ليدعوا
أهلها إلى دين الله بالحكمة والموعظة الحسنة ويجادلوهم بالدخول ونشر الدعوة فهذا
غاية ما يبتغون وبذلك فليفرح المؤمنون فلا قتل ولا قتال وكل الناس آمنون على
دمائهم وأموالهم وقد فتح المسلمون كثيراً من البلدان بهذه الصفة مما يسمى صلحاً . أما إذا نصبت لهم المدافع ووجهت نحوهم أفواه البنادق وسلت في وجوههم
السيوف ومنع الدعاة منعاً باتاً عن حرية نشر دعوتهم وعن الإتصال بالناس في إبلاغهم
دين الله الذي فيه سعادتهم وسعادة البشر كلهم فانهم يعتبرون حينئذ بأنهم معتدون
على الدين وعلى الخلق أجمعين . فعند ذلك يعتبر
المسلمون بأنهم مكلفون من الله في اقتحام كل شدة ومشقة وخوض كل خطر وضرر في سبيل
الله وفي سبيل إبلاغ دين الله حتى يزول المنع والاضطهاد والفتنة عن الدين يقول
الله سبحانه "وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة ويكون الدين لله" وقال
"والفتنة أشدّ من القتل ". "ذلك ولو يشاء الله لانتصر منهم ولكن ليبلوا بعضكم ببعض" فقتالهم
والحالة هذه هو في سبيل الله ولا يبالون بما أصابهم في ذات الله، لأن الله سبحانه
قد اشترى من المؤمنين أنفسهم في سبيل نشر دين ربهم وإعلاء كلمته فهم يتمنون
الشهادة في سبيل الله كما يتمنى أكثر الناس الحياة، لعلمهم أن لهم حياة أخرى هي
ابقى وأرقى من حياتهم في الدنيا وقد باعوا أنفسهم على الله في سبيل الحصول عليها.
يقول سبحانه "إنّ الله اشترى من المؤمنين أنفسهم وأموالهم بأن لهم الجنة
يقاتلون في سبيل الله فيقتلون ويقتلون وعداً عليه حقاًّ في التوراة والإنجيل
والقرآن ومن أوفى بعهده من الله فاستبشروا ببيعكم الذي بايعتم به وذلك هو الفوز
العظيم". فهذا طريق دعوتنا إلى دين الإسلام. وقد سئل النبي صلى الله عليه وسلم عن الرجل يقاتل للغنم والرجل يقاتل
للذكر والرجل يقاتل ليرى مكانه فمن في سبيل الله . فقال صلى الله عليه وسلم
"من قاتل لتكون كلمة الله هي العليا فهو في سبيل الله" رواه البخاري
ومسلم في حديث أبي موسى . ...يبقى الكلام في البحث عن حقيقة رسالة شيخ الإسلام في قتال الكفار
وعدم نسبتها إليه فقد تحصلت والحمد لله على هذه الرسالة ووقفت على حقيقة ما تقتضيه
من الدلالة فوجدتها صحيحة في معناها وحسنة في مبناها ويظهر من دلائل استنباطاته
وبراهين بيّناته انها خرجت من مشكاة معلوماته..وكل متخصص بدراسة كتبه فانه سيعرف
منها ما عرفنا، لكون عباراته لا يماثلها كلام غيره وقد وافق العلامة ابن القيم شيخ
الإسلام ابن تيمية في هذه القضية وحقق أن الإسلام لا يكره أحداً على الدخول فيه
وأنه يسالم من سالم كما سياتي كلامه مستوفى عن قريب إن شاء الله. ..وقد قيض الله سبحانه لحفظ رسائل شيخ الإسلام وكتبه علماء جهابذة
نقاد في زمانه يحبهم ويحبونه فكانوا يعتنون أشدّ الاعتناء بنقل كتبه ورسائله ثم
نشرها في الآفاق كما قيض الله له أميراً عدلاً في زمانه كان يحثّ العلماء على
التحفظ بكتب شيخ الإسلام والاعتناء بنقلها . وأشد من بالغ في هذا الأمر هو العالم
الإمام شهاب الدين أحمد بن مري الحنبلي أحد تلامذة شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه
الله. فقد وجه نداءً إلى العلماء في زمانه قرب وفاة شيخ الإسلام قائلاً فيه
"لا تنسوا تقريرات شيخنا الحاذق الناقد الصادق قدس الله روحه فالطريق في حقه
هو الاجتهاد العظيم على كتابة مؤلفاته الصغار والكبار على جليتها وحالها من غير
اختصار ولا تصرف فيها ولو وجد فيها كثير من التكرار ومقابلتها بنظائرها ثم إشاعتها
ونشرها لعموم الانتفاع بها. واحتفظوا بالشيخ أبي عبد الله – يعني ابن القيم – وبما
عنده من الذخائر والنفائس وأقيموه لهذا الأمر المهم الجليل أكثر ما تقدرون عليه
لأنه قد بقي وحيداً في فنه فريداً في دهره ولا يقوم غيره مقامه من سائر الجماعات
وكل أحوال الوجود لا بد فيها من العوارض والأنكاد فاحتسبوا مساعدته عند الله
واكتبوا ما عنده وليكتب ما عندكم وأنا استودع الله دينه ودينكم وما عنده وعندكم
والسلام عليكم". انتهى . وأقول عن شيخ الإسلام أحمد بن عبد الحليم بن عبد السلام ابن تيمية
رحمه الله : ان كل عالم مخلص خلي الغرض والهوى يعترف بكبر قدره وغزارة بحره وتوسعه
في العلوم العقلية والنقلية وفرط ذكائه واجتهاده وبلوغه في كل من ذلك المبلغ الذي
يتجاوز الوصف. ولا ينفرد بمسألة قتال الكفار أو غيرها بمجرد التشهي بدون دليل بل
يحتج على ما يقول بالقرآن والحديث والقياس. ولم يسجل التاريخ في مشارق الأرض ومغاربها بعد رسول الله وخلفائه
وأصحابه أكثر مما سجل له من قوة الإبداع وتجلية الحق والبصيرة في النقد والعدالة
في الحكم ومطابقة النقل للعقل . وقد تصدى لمحاربة البدع على اختلاف انواعها حيث غزاها في عقر دارها
وفند آراء المؤيدين لها. عاش رحمة الله في زمان قد تفرق أهله في النزاعات والمذاهب والآراء
فحمل راية الإسلام بالحجة والبيان والسنة والقرآن والسيف والسنان مما يجعله في
مقدمة البطال الذين جاهدوا في الله حق جهاده فهو بطل دين وعلم من اعلام الفكر
العالي بأرائه الحرة التي لا تخرج غالباً عن حدود الحق ولكنه لم يسلم من اذى الخلق
في زمانه وفي هذا الزمان . سنة الله في ابتلاء المجاهدين في سبيله يقول الله
"ولنبلونّكم حتى نعلم المجاهدين منكم والصابرين ونبلوا أخباركم". ان الناس يستفيدون من المتحررة آراؤهم والمستقلة أفكارهم في حدود
الحق كشيخ الإسلام ابن تيمية ، وابن القيم وأشباههما اكثر مما يستفيدون من المقلدة
لشيوخهم وعلماء مذاهبهم . إذ المستقل بفكره هو من يستفيد من بحث غيره بصيرة وفكرة
وزيادة معرفة، ولا يقلدهم في كل قول يقولونه وإنما يعمل بما ظهر له من الحق . فعدم
وجود المستقلين هو ضار بالإسلام والمسلمين لأنهم حملة الحجة والبرهان . والمقلد لا
حجة له وإنما غاية علمه وعمله أن ينقل حجة غيره فإذا طرأت شبهة على الدين كهذه لم
يجد جواباً لها منقولاً عمن يقلدهم من الفقهاء فيبقى حائراً محجوجاً مبهوتاً أو
يستدل بما لم يحط بعلمه. ولم يتناول ُدرة الحقِ غائضٌ من
الناسِ إلا بالروية والفكر ان طريق الإنتفاع بكتب شيخ الإسلام ابن تيمية وغيره من المجتهدين هو
ان يفرغ الإنسان قلبه مما يعتقده قديماً مما قد يظنّ في نفسه انه حق ثم يقدر
الإحتمال لعدم صحة ما يعتقده فينظر من جديد في الأدلة التي يوردها المجتهد بدون أن
يتلقاها بالنفرة والكراهية الشديدة لها فان الإنسان إذا اشتدت كراهيته للشيء لم
يكد يسمعه ولا يبصره . فيفوت عليه مقصوده وثمرته . قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله في قاعدة قتال الكفار..
"اختلف العلماء في قتال الكفار وهل سببه المقاتلة أو مجرد الكفر على قولين
مشهورين للعلماء . أحدهما : سببه المقاتلة أي الاعتداء على الدين وأهله وهذا هو قول
الجمهور كمالك وأحمد بن حنبل وأبي حنيفة وغيرهم . والثاني : ان سببه الكفر وهو قول الشافعي وربما علل به بعض أصحاب
أحمد من أن السبب في القتال مجرد الكفر . قال وقول الجمهور هو الذي يدل عليه الكتاب والسنة والاعتبار قال الله
سبحانه : "وقاتلوا في سبيل الله الذين يقاتلونكم ولا تعتدوا إن الله لا يحب
المعتدين " . فقوله "الذين يقاتلونكم" تعليق للحكم بكونهم يقاتلوننا فدل
على أن هذا علة الأمر بالقتال وقوله " ولا تعتدوا " فسره بعض العلماء
بقتال من لم يقاتل وبالمثلة والغلول وقتل النساء والصبيان والرهبان والشيوخ وأصحاب
الصوامع وتحريق الأشجار وقتل الحيوان . فدل على أن قتال من لم يقاتل أنه عدوان ،
وهذه الآية هي محكمة وليست منسوخة على قول الجمهور .. ثم استدل بقوله : "
وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة ويكون الدين لله " قال : والفتنة ان يفتن المسلم
عن دينه كما كان المشركون يفتنون كل من أسلم عن دينه بصده عنه . ولهذا قال "
الفتنة أشدّ من القتل " . وقوله " ويكون الدين لله " وهذا يحصل إذا ظهرت كلمة
الإسلام وكان حكم الله ورسوله غالباً فانه قد صار الدين لله . وأما قوله : "
أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله ويقيموا
الصلاة ويؤتوا الزكاة فاذا فعلوا ذلك عصموا مني دماءهم وأموالهم الا بحقها "
. هو ذكر للغاية التي يباح قتالهم إليها بحيث إذا فعلوها حرم قتالهم . وليس المراد
منه أني أمرت أن أقاتل كل أحد إلى هذه الغاية فان هذا خلاف النص والإجماع فانه لم
يفعل هذا قط بل كانت سيرته ان من سالمه لم يقاتله انتهى . وقال أيضاً " السياسة الشرعية " : " وإذا كان أصل القتال المشروع هو الجهاد ، ومقصوده هو أن يكون
الدين كله لله ، وان تكون كلمة الله هي العليا ، فمن منع هذا قوتل باتفاق المسلمين
. وأما من لم يكن من أهل الممانعة والمقاتلة كالنساء والصبيان والرهبان والشيخ
الكبير والأعمى والزمني ، ونحوهم ، فلا يقتل عند جمهور العلماء الا أن يقاتل بقوله
، أو فعله . وان كان بعضهم يرى إباحة قتل الجميع لمجرد الكفر . والأول هو الصواب
.. لأن القتال هو لمن يقاتلنا اذا أردنا إظهار دين الله كما قال الله "
وقاتلوا في سبيل الله الذين يقاتلونكم ولا تعتدوا إن الله لا يحب المعتدين "
وفي السنن أن النبي صلى الله عليه وسلم مرّ على امرأة مقتولة في بعض مغازيه وقد
وقف عليها الناس فقال : ما كانت هذه لتقاتل . وفيها أيضاً عنه صلى الله عليه وسلم
انه كان يقول : لا تقتلوا شيخاً فانياً ولا طفلاً صغيراً ولا امرأة . وذلك أن الله
سبحانه أباح من قتل النفوس ما يحتاج اليه في صلاح الخلق ، والفتنة أكبر من القتل .
فمن لم يمنع المسلمين من إقامة دين الله لم تكن مضرة كفره الا على نفسه " .
انتهى . إن الإسلام جعله الله رحمة للعالمين وقد حرم حرب الاعتداء والظلم ،
وقصر الحرب المشروعة على تقرير المصالح ودفع المفاسد... لأن الإسلام هو دين السلم
والسلام ، ولا يمكن تمتع العالم بالسعادة والراحة والرحمة إلا بهداية الإسلام .
وقد أمر الله عباده بأن يؤثروا السلم على الحرب.. فقال تعالى : " وإن جنحوا
للسلم فاجنح لها وتوكل على الله " لأن الإسلام يكره إراقة الدماء إلا للضرورة
، تقتضيها المصالح ودفع المضار ، والضرورة تقدر بقدرها . ولهذا أمر الله عباده المؤمنين بأن يشدوا الحملة بالقوة والشدة في
حالة قتال عدوهم وأن يتصفوا بما وصفهم الله به بقوله " أشداء على الكفار
رحماء بينهم " . ومتى كان الغلب لهم في القتال واستولوا على عدوهم فانه ينبغي بأن
يكفوا عن القتل ويكتفوا بالأسر ثم ينظروا في أمر الأسرى على سبيل التخيير إما
بالمنّ عليهم بإطلاقهم بدون فدى كما منّ رسول الله على قريش وأهل مكة فقال لهم :
اذهبوا فأنتم الطلقاء . وأما باخذ الفداء منهم كما أخذ النبي من أسرى بدر . قال
تعالى " فاذا لقيتم الذين كفروا فضرب الرقاب حتى إذا أثخنتموهم فشدوا الوثاق
فإما منّاً بعد وإما فداء حتى تضع الحرب أوزارها " . ولم يقل فإذا أثخنتموهم
فشدوا الوثاق ولا تطلقوهم حتى يسلموا أو يقتلوا كما يقوله من يرى أن القتال سببه
الكفر . وقد أذاع أعداء الإسلام فيما تجنوا به على الإسلام بأن القرآن يأمر
أتباعه بأن يقتلوا الكفار حيثما لقوهم مستدلين بمثل هذه الآية حتى ان علماء
النصارى والمبشرين منهم يلقون هذا الكلام في عرض طعنهم على الإسلام لقصد التنفير
عنه وعن المنتسبين إليه . وإنما المراد من هذه الآية وأمثالها هو لقاء المحاربين للدين
وللمسلمين لكون الكفار في شرع الإسلام ثلاثة أصناف محاربون للمسلمين فيقتلون حيثما
ثقفوا كما يفعلون بنا .. ومعاهدون ومنهم المسالمون فلا نتعرض لهم مدة عهدهم ما
استقاموا عليه .. وذميون لهم ما للمسلمين فالإسلام يسوي بينهم وبين المسلمين في
جميع أحكامه القضائية ويوجب حمايتهم والدفاع عنهم حتى بالقتال وحرمة مالهم ودمائهم
كحرمة المسلمين ودمائهم ، لهم ما لنا وعليهم ما علينا . وقد رفع إلى العلامةابن القيم رحمه الله مسألة حاصلها هو : انه تخاصم
رجل مسلم مع رجل نصراني في قضية فلم يجد النصراني عند المسلم ما يشفيه ولا وقع
دواؤه على الداء الذي فيه فسطا به المسلم ضرباً وقال ك هذا جواب مسألتك . فقال
النصراني صدق قومنا إذ يقولون انما قام الإسلام بالسيف ولم يقم بالكتاب . فتفرقا
وهذا ضارب وهذا مضروب فضاعت الحجة بين الطالب والمطلوب . قال فشمر المجيب عن ساعد العزم ونهض على ساق الجد ولم يقل مقالة
العجزة الجهال ان الكفار انما يعاملون بالجلاد دون الجدال فان هذا فرار من الزحف
واخلاد إلى الضعف . فمجادلة الكفار بعد دعوتهم إقامة للحجة وإزاحة للعذر ليهلك من
هلك عن بينة ويحيا من حيي عن بينة . ولأجل هذه القضية عمل العلامة ابن القيم عمله في تأليف كتابه "
هداية الحيارى في أجوبة اليهود والنصارى " وجعله كالجواب للقائلين ان دين
الإسلام انما قام بالسيف ولم يقم بالكتاب وكلامه فيه يوافق ويطابق كلام شيخ
الإسلام في رسالته " قتال الكفار " كما تراه مفصلا فيما يلي ... قال العلامة ابن القيم رحمه الله : أكثر الأمم دخلوا في الإسلام طوعاً ورغبة واختياراً لا كرهاً ولا
اضطراراً فان الله سبحانه وتعالى بعث محمداً صلى الله عليه وسلم رسولاً إلى أهل
الأرض وهم خمسة أصناف قد طبقوا الأرض .. يهود ونصارى ومجوس وصابئة ومشركون . وهذه
الأصناف هي التي كانت قد استولت على الدنيا من مشارقها إلى مغاربها . فأما اليهود فأكثر ما كانوا باليمن وخيبر والمدينة وما حولها وكانوا
بأطراف الشام مستذلين مع النصارى ، وكان منهم بأرض العرب فرقة ، وأعز ما كانوا
بالمدينة وخيبر . وكان الله سبحانه قد قطعهم في الأرض أمماً وسلبهم الملك والعز . وأما النصارى فكانوا أطبق الأرض فكانت الشام كلها نصارى ، وأرض
المغرب كان الغالب عليهم النصارى ، وكذلك أرض مصر والحبشة والجزيرة نجران وغيرها
من البلاد . .. وأما المجوس فهم أهل مملكة فارس وما اتصل بها . وأما الصابئة فأهل حران وكثير من بلاد الروم . وأما المشركون فجزيرة العرب جميعها وبلاد الهند وبلاد الترك وما
جاورها ، وأديان أهل الأرض لا تخرج عن هذه الأديان الخمسة . ودين الحنفاء لا يعرف
فيهم البتة . وهذه الأديان الخمسة كلها للشيطان كما قال ابن عباس وغيره : "
الأديان ستة واحد للرحمن وخمسة للشيطان وهذه الأديان الستة هي المذكورة في قوله
تعالى " إن الذين آمنوا والذين هادوا والصابئين والنصارى والمجوس والذين
أشركوا ان الله يفصل بينهم يوم القيامة ان الله على كل شيء شهيد " فلما بعث
الله رسوله استجاب له ولخلفائه من بعده أكثر أهل هذه الأديان طوعاً واختياراً ،
ولم يكره أحداً على الدين ، وانما كان يقاتل من يحاربه ويقاتله ، وأما من سالمه
وهادنه فلم يقاتله ، ولم يكرهه على الدخول في دينه ، امتثالاً لأمر ربه سبحانه حيث
يقول : " لا إكراه في الدين قد تبين الرشد من الغيّ " وهذا نفي في معنى
النهي أي لا تكرهوا أحداً على الدين . نزلت هذه الآية في رجال من الصحابة كان لهم
أولاد قد تهودوا وتنصروا قبل الإسلام فلما جاء الإسلام أسلم الآباء وأرادوا إكراه
الأولاد على الدين فنهاهم الله سبحانه عن ذلك حتى يكونوا هم الذين يختارون الدخول
في الإسلام والصحيح ان الآية على عمومها في حق كل كافر وهذا ظاهر على قول كل من
يجوز أخذ الجزية من جميع الكفار فلا يكرهون على الدخول في الدين . بل اما أن
يدخلوا في الدين واما أن يعطوا الجزية كما يقوله أهل العراق وأهل المدينة وان
استثنى هؤلاء بعض عبدة الأوثان . وكل من تأمل سيرة النبي صلى الله عليه وسلم تبين له انه لم يكره
أحداً على دينه قط وانه قاتل من قاتله واما من هادنه فانه لم يقاتله ما دام مقيماً
على هدنته ولم ينقض عهده بل أمره الله أن يفي لهم بعهدهم ما استقاموا له كما قال
تعالى : " فما استقاموا لكم فاستقيموا لهم " ولما قدم المدينة صالح
اليهود وأقرهم على دينهم ، فلما حاربوه ونقضوا عهده وبدأوه بالقتال قاتلهم ، فمنَّ
على بعضهم ، وأجلى بعضهم ، وقتل بعضهم . وكذلك لما عاهد قريشاً عشر سنين لم يبدأهم
بالقتال حتى بدأوا هم بقتاله ، ونقضوا عهده ، فعند ذلك غزاهم في ديارهم ، وكانوا
يغزونه قبل ذلك ، كما قصدوه يوم أحد ويوم الخندق ويوم بدر . .. والمقصود أنه صلى الله عليه وسلم لم يكره أحداً على الدخول في
دينه البتة وإنما دخل الناس في دينه اختياراً وطوعاً فأكثر أهل الأرض دخلوا في
دعوته لما تبين لهم الهدى وأنه رسول الله حقاً فهؤلاء أهل اليمن كانوا على دين
اليهودية ثم دخلوا في دين الإسلام من غير رغبة ولا رهبة ، فلم يسلموا رغبة في
الدنيا و لا رهبة من السيف بل أسلموا في حال ضعف المسلمين وكثرة أعدائهم ومحاربة
أهل الأرض لهم من غير سوط ولا نوط بل تحملوا معاداة أقربائهم وحرمانهم نفقتهم
بالمال والبدن . فكان أحدهم يعادي أباه وأمه وأهل بيته وعشيرته ، ويخرج من الدنيا
رغبة في الإسلام ، لا لرياسة ولا لمال . بل ينخلع من الرياسة والمال ، ويتحمل أذى
الكفار من ضربهم وشتمهم وصنوف أذاهم ولا يصرفه ذلك عن دينه . وهؤلاء نصارى الشام
كانوا ملء الشام ، ثم صاروا مسلمين إلا النادر ، وكذلك المجوس كانت امة لا يحصى
عددهم إلا الله فأطبقوا على الإسلام ، ولم يتخلف منهم إلا النادر وصارت بلادهم
بلاد إسلام ، وصار من لم يسلم منهم تحت الجزية والذلة . فرقعة الإسلام انما انتشرت في الشرق والغرب بإسلام أكثر الطوائف ،
حيث دخلوا في دين الله أفواجاً . حتى صار الكفار معهم تحت الذلة والصغار ، وقد
تبين أن الذين أسلموا من اليهود والنصارى والمجوس والصابئين أكثر من الذين لم
يسلموا وانه انما بقي منهم على الكفر أقل القليل . انتهى كلام العلامة ابن القيم رحمه الله . |