حجـــــــــر ثمــــــــــود

 

 

ليس حجــــــــــرا محجـــــــــــــورا

 

 

 

بسم الله  الرحمن الرحيم

» الحمد لله ونصلى ونسلم على رسول الله ولا حول ولا قوة إلا بالله  «.

أما بعد ، فقد وقع الإشكال المستلزم للسؤال عن حجر ثمود ، وهذا الإشكال في أمور.

المشكلة الأولى:

هل يصبح السكنى في الحجر وديار ثمود ، وما يستلزم السكنى من الحرث والزرع والعمران كسائر بلدان الحضارة ، وهل نزل النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ فيه عام غزوة تبوك ، أمن لم ينزل فيه.

المشكلة الثانية:

نهيه عن الدخول في مساكنهم ، هل هو للكراهة أو للتحريم ، وما سبب النهي؟

المشكلة الثالثة:

هل يصح الشرب من آبار الحجر ، سواء كان من بئر الناقة أو غيرها ، وهل يصح الوضوء به أيضا ، وما حكمة اختصاص الشرب من بئر الناقة ، ونهيه عن غيرها ، وكيف أمر الصحابة بأن يعلفوا دوابهم بما عجنوا بمائه و لا يأكلوه؟

المشكلة الرابعة:

هل تصح الصلاة في أرض الحجر أو لا تصح ، وهل ثبت فيها نهي أم لا؟

وسنورد الأجوبة على هذه الأسئلة عن طريق اللف والنشر المرتب ، إن شاء الله .

 

 

الحجــــــــــــــر

هو بكسر الحاء وإسكان الجيم ، يطلق على معان عديدة ، منها العقل كما قال تعالى: » هل في ذلك قسم لذي حجر« ، أي لذي عقل ، سمى العقل حجرا لكونه يحجر صاحبه عن المحارم وارتكاب المآثم ، كما سمى عقلا لكونه يعقل عن الله مراده: أمره ونهيه ، أو لكونه يعقل صاحبه على أفعال الطاعات والفضائل ، ويردعه عن منكرات الأخلاق والرذائل ، ويطلق الحجر ويراد به الحرام ، ومنه قوله تعالى: » يقولون حجرا محجورا « أي حراما محرما ويطلق ويراد به حجر ثمود ، كما قال تعالى: » كذب أصحاب الحجر المرسلين « .

وحجر ثمود يقع في وادي القرى بين المدينة والشام ، وهو داخل في حدود المملكة العربية السعودية وقد مر به النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ عام غزوة تبوك ، ومدائن صالح معروفة مشهورة بهذا الاسم إلى اليوم ، وكانت قبيلة ثمود يدينون بعبادة الأوثان ، فوعظهم نبي الله (صالح) ـ عليه السلام ـ بأن يتركوا عبادتها ويعبدون الله وحده فعصوا وعتوا عن أمر ربهم، وعصوا رسله واتبعوا أمر كل جبار عنيد ، وكانوا قد طلبوا من نبيهم آية تصدق نبوته والتزموا أن يطيعوه وقالوا: إن أخرجت لنا من هذه الصخرة ناقة كالمعجزة آمنا بك وصدقناك ، فدعا ربه فأخرج الله لهم من تلك الصخرة ناقة ، فقال: » هذه ناقة الله لكم آية فذروها تأكل في أرض الله ولا تمسوها بسوء فيأخذكم عذاب يوم أليم « .

وهذه الناقة هي غاية في النعمة لكنها نهاية في حلول العقاب بهم والنقمة  ولهذا ورد النهي عن سؤال الآيات لما روى » الإمام أحمد « عن جابر قال: قال رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ » لا تسألوا الآيات فقد سألها قوم صالح فكانت ترد من هذا الفج وتصدر من هذا الفج وكانت تشرب مائهم يوما ويشربون لبنها يوما ، فعتوا عن أمر ربهم فعقروها ، فأخذتهم صيحة أهمد الله من تحت أديم السماء منهم « ، إسناده صحيح ولم يخرصوه ، كانت هذه الناقة إذا وردت شربت الماء وملأت كل ما عندهم من الأواني والقدور من لبنها ، ثم تسرح وتعزب ، ويكون لهم ورد الماء في اليوم الثاني، فيأخذون منه قدر كفايتهم في حال غيبتها عنهم ، فظلوا في سعة رغد ورخاء.

وكانت الناقة تصيف إذا جاء الحر بظهر الوادي فتهرب منها المواشي على حسب ما قيل: كأنه من أجل عظم خلقها ، فسئموا منها فانبعث أشقاهم فعقرها ، يقو الله تعالى: » وإلى ثمود أخاهم صالحا قال يا قوم اعبدوا الله ما لكم من إله غيره هو أنشأكم من الأرض واستعمركم فيها فاستغفروه ثم توبوا إليه إن ربي قريب مجيب ، قالوا يا صالح قد كنت فينا مرجوا قبل هذا أتنهانا أن نعبد آباؤنا وإننا لفي شك مما تدعوننا إليه مريب. قال يا قوم أرأيتم إن كنت على بينة من ربي وآتاني منه رحمة فمن ينصرني من الله إن عصيته فما تزيدونني غير تخسير ، ويا قوم هذه ناقة الله لكم آية فذروها تأكل في أرض الله و لا تمسوها بسوء فيأخذكم عذاب قريب ، فعقروها فقال تمتعوا في داركم ثلاثة أيام ذلك وعد غير مكذوب فلما جاء أمرنا نجينا صالحا والذين آمنوا معه برحمة منا ومن خزي يومئذ إن ربك هو القوي العزيز  وأخذ الذين ظلموا الصيحة فأصبحوا في ديارهم جاثمين ، كأن لم يغنوا فيها ألا إن ثمود كفروا ربهم ألا بعدا لثمود « . أعاد سبحانه وأبدى من ذكر قصة ثمود لتأكيد أمرها التذكير بشأنها لتكون بمثابة العظة والعبرة وخير الناس من وعظ بغيره ، يقول الله: » وأما ثمود فهديناهم فاستحبوا العمى على الهدى فأخذتهم صاعقة العذاب الهون بما كانوا يكسبون ، ونجينا الذين آمنوا وكانوا يتقون « .

ويظهر من صريح القرآن أن ثمود أهل حضارة عريقة في الترف ، وأن لهم قصورا في سهل الأرض ومساكن في الجبال يسكنونها في وقت الحر ، وأن بلدهم خصبة وغنية بالماء والزراعة وبالنخيل بالباسقة وبالحدائق والبساتين الشايقة ولهذا ذكرهم نبيهم بهذه النعمة وأمرهم بالتحفظ عليها باستدامة شكرها ، والاستعانة بها على عبادة الله وحده ، وترك الشرك به ، فقال:
» أتتركون فيما ها هنا آمنين ، في جنات وعيون ، وزروع ونخل طلعها هضيم ، وتنحتون من الجبال بيوتا فارهين ، فاتقوا الله وأطيعون ، و لا تطيعوا أمر المسرفين ، الذين يفسدون في الأرض ولا يصلحون قالوا: إنما أنت من المسحرين ، ما أنت إلا بشر مثلنا فأت بآية إن كنت من الصادقين « ، فمن هذه الآيات وأشباهها يتبين ما هم فيه من طيب طبيعة أرضهم قبل حلول العقاب بهم وأنهم في جنات ، أي بساتين تجن الداخل فيها من اشتباك أشجارها  و لا تسمى جنة إلا إذا كانت بهذه الصفة وعيون وزروع ونخل طلعها هضيم ، وهذه الأوصاف الجميلة لا تكون إلا في البلاد النجيبة ، فأرضهم قابلة للزرع والنخل والسكنى والعمران ، غنية بالفواكه والخيرات والأقوات من كل ما يعدونه من باب الضروريات ، وإنما حصل التخلف منها وعدم الرغبة في سكناها وحرثها من أجل رواج هذه الفكرة التي تمنع من استيطانها وشرب مائها والوضوء بها والصلاة في أرضها ومن المعلوم أن فشو هذا الاعتقاد من لوازمه التباعد عن مثل هذه البلاد لتعارض المانع للمقتضى ، مع العلم أنه لا يزال مسكونا إلى حد الآن ، كما سيأتي بيانه فيما يلي.

المشكلة الأولى

استيطان حجر ثمود  وهل هو جائز أو محظور؟

ثبت في صحيح البخاري من كتاب » الأنبياء« قال: حدثنا عبد الله بن محمد الجعفي ، حدثنا عبد الرزاق ، أخبرنا معمر الزهري عن سالم عن ابن عمر ـ رضي الله عنهما ـ قال: لمّا مر رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ بالحجر قال: لا تدخلوا مساكن الذين ظلموا أنفسهم أن يصيبكم ما أصابهم إلا أن تكونوا باكين ثم قنع رأسه وأسرع السير حتى أجاز الوادي ثم قال:

حدثنا محمد بن مسكين أبو الحسن ، حدثنا يحبى بن حسان بن حيان أبو زكريا ، حدثنا سليمان عن عبد الله بن دينار ، عن ابن عمر أن رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ لما نزل الحجر في » غزوة تبوك « أمرهم أن لا يشربوا من آبارها ولا يستقوا منها ، فقالوا: قد عجنا منها واستقينا ، فأمرهم أن يطرحوا ذلك العجين ويهريقوا ذلك الماء ، قال ويروي عن سيرة بن معبد وأبي الشموس أن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ أمر بإلقاء الطعام ، وفي حديث ابن عمر أمرهم أن يعلفوا الإبل العجين وأن يسقوا من البئر التي كانت تردها الناقة. انتهى من (البخاري).

فهذا الباب بمجموع الروايات التي ساقها فيه هي أصح و أكمل ما ورد في القضية ، فقيه إثبات نزول النبي صلى الله عليه وسلم بالحجر و النهي عن الدخول في مساكن المعذبين إلا أن يكونوا باكين ، و فيه أمره لهم بعدم الشرب و الاستقاء من الآبار إلا من بئر الناقة و كونه أمرهم أن يعلفوا الإبل العجين ، و موضع الاستدلال من الحديث هو إثبات كون النبي صلى الله عليه وسلم نزل بأصحابه الحجر ، و أنه لو كان في نزوله حرج أو أنه متأثر بنزول السخط كما يظن بعض الناس لما نزل النبي صلى الله عليه و سلم فيه بأصحابه و استقرار نبي الله » صالح «
والمؤمنين فيه . يتبين بهذين الدليلين صحة السكنى فيه بدليل الكتاب و السنة بدون كراهة لاعتبار أن أرض الحجر هي طرف من أرض الله التي خلقها الله لعباده و بسطها لهم لاستقرارهم عليها
وانتفاعهم بها و تمتعهم بخيراتها و أنواع ثمراتها و أودع فيها الماء و المرعى و جميع ما يحتاج إليه الأنام والأنعام:
» كلوا من رزق ربكم و اشكروا له هو الذي جعل لكم الأرض ذلولا فامشوا في مناكبها و كلوا من رزقه « ، فهي موهوبة لهم من الله بقول الله تعالى: » هو الذي خلق لكم ما في الأرض جميعا « فلم يستثن في هذا العطاء أرضا دون أرض و لا شيئا منها محجورا وما كان عطاء ربك محظورا .

فأرض الحجر هي من بعض هذه الأراضي التي خلقها الله وبارك فيها وقدر فيها أقواتها وأنبت فيها كل شيء موزون ، وكل زوج بهيج ، وكل زوج كريم ، وحب الحصيد ، والنخل باسقات لها طلع النضيد ، فجميع الأرض ، وجميع ما خلق الله فيها من الجبال والبحار والأنهار والعيون والمعادن الجامدة والسيالة وجميع ما أنبت الله فيها من النخل والزرع والشجر وسائر الثمرات والنباتات التي يستخرج منها الأغذية والأدوية والأدهان والألبان كله من نعم الله على عباده بما لهم فيه من المنافع ودفع المضار وما لهم فيه من الاستدلال والاعتبار على وحدانية صانعيه وقدرته وعظمته ، يقول الله: » والأرض مددناها وألقينا فيها رواسي وأنبتنا فيها من كل شيء موزون وجعلنا لكم فيها معايش ومن لستم له برازقين « ، فأرض الحجر هي من جنس هذه الأرض التي أعدها الله لإثبات ما ذكر وقد أخبر الله أنه أنجى نبيه » صالحا « والمؤمنين معه، فقال تعالى: » فلما جاء أمرنا نجينا صالحا والذين آمنوا معه برحمة منا ومن خزي يومئذ إن ربك هو القوي العزيز « .

وأنهم بعد إنجاءهم لم يؤمروا بالخروج من بلادهم الحجر ، بل بقوا فيه كحالتهم السابقة يبنون ويغرسون ويزرعون ويأكلون من ثمرها ويشربون من مائها ويتمتعون بخيراتها على سبيل الإباحة المطلقة كحالتهم السابقة شاكرين لنعمة ربهم التي نصرهم على عدوهم وأورثهم ديارهم وأموالهم ، فمتى كان الأمر بهذه الصفة وأن المؤمنين زمن » صالح « سكنوا في هذه البلاد غير محجور عليهم في شيء من مطامعها ومشاربها ، فإنها تكون مباحة الانتفاع والسكنى لمن بعدهم إلى يوم القيامة ، لأن شرع من قبلنا شرع لنا ، إذا لم ترد شريعتنا بنسخة ولم يثبت عن رسول الله ما يدل على النهي عن سكناها بل قد ثبت ما يدل على إباحة السكنى بها، حيث نزل بها رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ بأصحابه في » غزوة تبوك « وأقام بها ما شاء أن يقيم إلى حالة أنهم عجنوا العجين لطعامهم ، ومن المعلوم أن السفار لا يصيرون إلى عجن العجين إلا بعد مضي وقت من نزولهم ، ويدل لذلك ما رواه الإمام أحمد: حدثنا عبد الصمد ، حدثنا صخر بن جويرية عن نافع عن ابن عمر ، قال: نزل رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ بالناس عام (تبوك) فالحجر عند بيوت ثمود فاستقى الناس من الآبار التي تشرب منها ثمود فعجنوا أو نصبوا القدور باللحم فأمرهم رسول الله فأحرقوا القدور ولفوا العجين الإبل ثم ارتحل بهم حتى نزل بهم على البئر التي كانت تشرب منها الناقة ونهاهم أن يدخلوا على القوم الذين عذبوا وقال: إني أخشى أن يصيبكم ما أصابهم ، قال ابن كثير: وهذا الحديث إسناده على شرط الصحيحين ولم يخرجاه .

وترجم له البخاري فقال: باب نزول النبي بالحجر ، فنزول رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ فيه بأصحابه دليل على إباحة نزوله إلى يوم القيامة كما أثبت الله في كتابه استقرار المؤمنين فيه زمن نبي الله (صالح) . فاتفق الكتاب والسنة على إباحة سائر الانتفاع به من الاستيطان والغرس والزرع كسائر بلاد الله ليست حجرا محجورا ، بل عطاء ربك » وما كان عطاء ربك محظورا « . فكما أن الله سبحانه أنجى المؤمنين من شؤم السخط النازل على ثمود، فكذلك ينجي الله أرضهم ومائهم لا يصل إليهما شيء من شؤم هذا الشر و لا تتغير حالتهما عن الإباحة الأصلية المطلقة فإن جميع أرض الله طولها وعرضها ، ومشارقها ومغاربها مباحة الانتفاع غير محجور  على أحد فيها ، لقول الله تعالى: » هو الذي خلق لكم ما في الأرض جميعا« ، » هو الذي جعل لكم الأرض ذلولا فامشوا في مناكبها وكلوا من رزقه « . ولن تجد في أرض الله بقعة يقال أنها محجورة الانتفاع والسكنى بطريق الشرع إلا أن تكون بطبيعتها غير قابلة للانتفاع ، كأراضي الثلوج والرمال الغليظة والسباخي ، ونحوها ، كما أنك لن تجد في الدنيا ماء باقيا على خلقته التي خلقه عليها ، ثم هو ممنوع الاستعمال في الطهارة أبدا.

والشبهة التي حصلت مع بعض العلماء في القول بمنع سكنى الحجر هي مأخوذة من حديث ابن عمر كما رواه البخاري ، قال : » لما مر رسول الله ــ صلى الله عليه و سلم ــ بالحجر قال:
» لا تدخلوا مساكن الذين ظلموا أنفسهم إلا أن تكونوا باكين أن يصيبكم ما أصابكم ، ثم قنع رأسه وأسرع السير حتى أجاز الوادي . انتهى  «

فالقول بمرور رسول الله بالحجر لا ينفي نزوله به ، فإنه يقال مر في سفره ببلد كذا و كذا و إن كان نزل بها يوما أو يومين و هذا مشهور في خطاب الناس و حتى » ابن حجر « في شرحه للبخاري لما أتى على هذا الحديث في ترجمة باب » الصلاة « في أرض الخسف .

ثم ساق الحديث بسنده ، ثم قال : و أما الاستقرار فالكيفية المذكورة مطلوبة فيه بالأولية ، أي أنها تمنع من ذلك ، ثم قال و سيأتي أنه ــ صلى الله عليه وسلم ـ لم ينزل فيه البتة و وقع له في » غزوة تبوك « عند شرحه لهذا الحديث حينما أتى على قوله ، ثم قنع رسول الله رأسه و أسرع السير حتى أجاز الوادي قال فدل على أنه لم ينزل و لم يصل هناك … انتهى .

لكنه لما استبحر في شرح الكتاب و وصل فيه إلى » كتاب الأنبياء « ، حيث ترجم البخاري فيه باب نزول النبي صلى الله عليه وسلم ــ بالحجر ، ثم ساق حديث ابن عمر المستوفي مع التوابع له ، فعند ذلك تبين له بطريق الجلية أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ــ نزل بالحجر ، فبعد شرحه لحديث ابن عمر المستوفي قال و زعم بعضهم أنه مر بالحجر و لم ينزل به و يرده التصريح في حديث ابن عمر هذا . انتهى. فسبحان من لا ينام و لا يسهو ، فقد استدرك ابن حجر غلطة و قرر ثبات نزول النبي صلى الله عليه وسلم ــ بالحجر بعد نفيه له .

فهذه الشبهة التي راجت على الحافظ » ابن حجر قد راجت على كثير من العلماء ، حيث قالوا بمنع السكنى به لظنهم أنه مر رسول الله صلى الله عليه وسلم ــ بالحجر مسرعا و لم ينزل به لكون البخاري قد ذكر هذا الحديث في ثلاثة مواضع من كتابه ، فذكره في كتاب » الصلاة« ثم ذكره في الغزوات ثم ذكره مبسوطا مع المتابعات في كتاب » الأنبياء« على قوله: » وإلى ثمود أخاهم صالحا « و ترجم عليه فقال:» باب نزول النبي بالحجر« .

وذكر ابن اسحاق و ابن جرير نزوله و هو دليل واضح على جواز الاستيطان به ، إذ لو كان نزوله و السكنى به محظورا على أمته لما حل به .

و أما تقنيعه لرأسه و إسراعه في سيره حتى أجاز الوادي ، فإنه لا يدل على أمر و لا نهي مما يتعلق بالقضية ، غير أن رسول الله صلى الله عليه وسلم عند رؤيته لبلد هؤلاء المعذبين استشعر الخشوع و الخشية ، لأن من كان الله أعرف ما منه أخوف ، و قد زالت شبهة الاستدلال بها بثبات نزوله في الحجر و أنه لو كان في نزوله حرج أو أنه متأثر بنزول السخط لتباعد عنه النبي صلى الله عليه وسلم و لحذر منه أمته ، إذ لا يجوز تأخير البيان عن وقت الحاجة إليه كما أخبر الله عن المؤمنين زمن نبي الله » صالح « أنه أنجاهم من هذا العذاب ، و بقوا في أرضهم كحالتهم السابقة و لم يؤمروا بأن يهاجروا عنها ، قال تعالى : » فلما جاء أمرنا نجينا صالحا و الذين آمنوا معه برحمة منا و من خزي يومئذ إن ربك هو القوي العزيز « فاتفق الكتاب و السنة على إباحة الاستيطان بالحجر كسائر بلدان الحضارة ، و لم يثبت عن الله و رسوله ما يقتضي النهي عن ذلك .

ثم إن دين الإسلام بمقتضى نصوصه و أصوله يمنع من تعطيل مثل هذه الأرض عن الانتفاع بها ، لأن الله سبحانه لم يخلق الأرض عبثا و إنما خلقها للانتفاع بها ، لأن الله سبحانه لم يخلق الأرض عبثا و إنما خلقها للانتفاع بها ، فالحكم عليها بعدم سكناها و عمارتها هو حكم بجعلها بمثابة السوائب المعطلة عن الانتفاع و التي حرمها الإسلام من أجله ، فقال تعالى : » ما جعل الله من بحيرة و لا سائبة و لا وصيلة و لا حام  « ، فالبحيرة هي ابنة السائبة يشقون أذنها ثم يسيبونها و السائبة هي الناقة التي تسيب في الجاهلية لنذر و نحوه و الوصيلة هي التي تلد عددا من التوم الأناث ثم يسيبونها و الحامي هو الفحل من الإبل يضرب ضرابا معدودا أو عشرة أبطن ثم هو حامي ، أي يحمي ظهره فلا يركب و ينتفع منه بشيء ،فهذه هي السوائب فلا تحلب و
لا تركب و لا يقص وبرها و لا يؤكل لحمها و لا ينتفع منها بشيء ، و إنما حرمها الله لخروجها عن سنة الله في خلقا ، فإنما خلقها للانتفاع الشامل قال تعالى :
» أولم يروا أنا خلقنا لهم مما عملت أيدينا أنعاما فهم لها مالكون و ذللناها لهم فمنها ركوبهم و منها يأكلون و لهم فيها منافع و مشارب أفلا يشكرون « .

و قد رأى النبي صلى الله عليه وسلم عمرو و لحي ، يجر قصبة في يجر قصبة في النار، لأنه أول من سيب السوائب .

فالحكم على أرض الحجر بالمنع من الاستيطان و الانتفاع هو حكم عليها يجعلها سائبة، ثم هو حكم بضياع ماليتها ، فإن أرض مال ، بل كل المال، يستخرج منها ، وكان النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ يقول لأصحابه: من كان عنده أرض فليزرعها أو ليمنحها أخاه حرصا منه على حراثة الأرض لما يترتب عليها من شمول النفع للعباد والبلاد ، كما حث على الغرس والزرع لما روى مسلم في صحيحه عن جابر قال: قال رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ:

» ما من مسلم يغرس غرسا أو يزرع زرعا فيأكل منه إنسان أو طير إلا كان له صدق، وروى الإمام أحمد عن معاذ بن أنس أن رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ قال:

» من بنى بنيانا في غير ظلم ولا اعتدى أو غرس غرسا في غير ظلم ، ولا اعتدى إلا كان له أجرا جاريا ما انتفع به أحد من خلق الله ، بل قد ورد في مسند الإمام أحمد أن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ قال:

» إن قامت الساعة وفي يد أحدكم فسيل نخلة فليغرسها « ، فهذه الأحاديث وما في معناها هي غاية في حفز الهمم وتنشيط الأمم وبسط الأيدي على الحرث والعمل ، لأن دين الإسلام دين سعي وكد وكدح ، يجمع بين مصالح الدنيا والآخرة ، يحب المؤمن المحترف ويبغض الفارغ البطال.

ويحمل الفأس ويسقي أرضه

 

المسلم الحق يصلى فرضه

ليكفل الله له السعادة

 

يجمع بين الشغل والعبادة

والقرآن الكريم مملوء بنشر فضائل الأرض وشمول نفعها وما أودع الله فيها كله خرج مخرج التشويق والتنشيط والترغيب في حراثتها والأكل مما رزقهم منها ، وقال تعالى: » وآية لهم الأرض الميتة أحييناها وأخرجنا منها حبا فمنه يأكلون وجعلنا فيها جنات من نخيل وأعناب وفجرنا فيها من العيون ليأكلوا من ثمره وما عملته أيديهم أفلا يشكرون « .

وقال: » وهو الذي أنشأ جنات معروشات وغير معروشات والنخل والزرع مختلفا أكله والزيتون والرمان متشابها وغير متشابه كلوا من ثمره إذا أثمر وآتوا حقه بوم حصاده ولا تسرفوا إنه لا يحب المسرفين « .

وكل ما مدحه الله في كتابه وعلى لسان نبيه أو شوّق إليه وحسنه ، فإنه من الدين لكون الدين شاملا لجميع مصالح الدنيا والآخرة ، وروى ابن أبي الدنيا عن ابن عباس مرفوعا، قال:
» طلب الحلال الجهاد « وأن الله يحب العبد المؤمن المحترف ، وروى الطبراني والبيقهي عن ابن مسعود أن النبي ـ صلى الله عليه وسلم:

» طلب الحلال فريضة بعد الفريضة «

وقد عد العلماء الفلاحة من فروض الكفاية متى أهملتها الأمة ولم يقم من أفرادها من يكفيها أمر الحاجة إليها كانت كلها عاصبة محالفة لدينه وشرعه.

فمتى كان الأمر بهذه الصفة ، وأنه لا حرث إلا بأرض طيبة ولا أرض إلا بأيد عاملة
ولا يتفق هذا كله إلا في بلد حضارة ومن المعلوم أن أرض الحجر قابلة للماء والنماء وصالحة للعمل والعمران ، كما صرح بأوصافها القرآن في قوله حاكيا عن نبيه
» صالح « أنه قال في موعظة قومه: » أتتركون فيما ها هنا آمنين في جنات وعيون وزروع ونخل طلعها هضيم « وهذا الأوصاف الجميلة لا تتفق إلا في الأرض النجيبة ، فهي وإن تخلفت هذه الأوصاف عنها عدم الرغبة في سكناها وحرثها ، فإن الله على رجعها لقادر ، وإذا تأملت البقاع وجدتها تسقي كما تسقي النفوس وتسعد.

ولم نجد في كتاب الله ولا سنة رسوله آية ولا حديثا يمنع من سكناها والعمل في أرضها ما عدا نهي النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ عن شرب الماء من آبارها لا من بئر من الناقة ، وهذا النهي يترجح تعلقه بالصحة والوقاية عن المياه الفاسدة لضارة ، لا يحتمل المعنى غيره ، لأن حمله على أمر معلوم السبب أولى من حمله على أمر غير معقول المعنى مما يسمونه خلاف القياس ، كما بينا ذلك في موضعه ، والله أعلم.

المشكلة الثانية

» نهى النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ عن دخول مساكن المعذبين إلا أن يكونوا باكين «.

أما نهي النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ عن دخول مساكن المعذبين إلا أن يكونوا باكين، فإن له سببا وذلك أن الله سبحانه قد أوجب على المؤمنين إذا كانوا مع رسول الله في أمر جامع بأن
لا يذهبوا حتى يستأذنوه ، وهؤلاء لما نزلوا الحجر نفروا إلى النظر في مساكن المعذبين بدون إستئذان وبصورة استعجال ، نظيره قوله:
» وإذا رأوا تجارة أو لهوا انفضوا إليها وتركوك قائما« ، وليس كلهم انفضوا وكأن رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ قد أحس منهم شيء من عزوب الخشوع والخشية في ذلك المقام وهي أول بلد من بلدان المعذبين طرقها رسول الله وأصحابه ، ولهذا أمرهم بالاجتماع فوعظهم وقال لهم هذا الكلام ، كما روى الإمام أحمد عن أبي كبشة الأنماري ، قال: لما كان غزوة تبوك تسارع الناس إلى أهل الحجر يدخلون عليهم فبلغ ذلك رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ فنودى في الناس الصلاة جامعة ، قال: فأتيت رسول الله وهو ممسك بعيره ويقول: ما تدخلون على قوم غضب الله عليهم ، فناداه رجل فقال: نعجب منهم ، فقال: أفلا أنبئكم بأعجب من ذلك رجل من أنفسكم ينبئكم بما كان قبلكم وما هو كائن بعدكم ، فاستقيموا وسددوا فإن الله لا نعبأ بعذابكم شيئا.

يؤيده أن رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ حسن من بعض أصحابه بالتثاقل عن هذه الغزوة والكراهية للشخوص نحو هذه الوجهة لكونه أمر بها في زمن عسره وشدة من الحر وجدب من البلاد ، وحين طابت الثمار وأحب الناس المقام في بلادهم وكرهوا الشخوص عنها على هذه الحال ، ومن أجل هذه الأسباب أحب أن يغرس في قلوب أصحابه تعظيم أمر الله ورسوله ووجوب طاعته ولزوم الخشية والخوف من مخالفة أمره ومعصية رسوله.

قال في » فتح الباري « ووجه هذه الخشية هو أن البكاء يبعث على التفكر والاعتبار فكأنه أمرهم بالتفكر في أحوال توجب البكاء في اختيار أولئك للكفر مع تمكينه لهم في الأرض وإمهاله لهم مدة طويلة ، ثم إيقاع نقمته بهم وشدة عذابه عليهم وهو سبحانه مقلب القلوب فلا يأمن المؤمن أن يكون مثل أولئك الذين أهملوا عقولهم فيما يوجب الإيمان به والطاعة له فاستجابوا العمى على الهدى ، فمن مر عليهم ولم يتفكر فيما يوجب البكاء فقد شابههم في إهمال ، ودل فعله على قساوة قبله فلا يأمن أن يجره ذلك إلى العمل بأعمالهم فيصيبه ما أصابهم . انتهى.

والمقصود أنه لا يوجد في الشرع بكاء واجب محمود ، بل البكاء كله مذموم إلا البكاء من خشية الله والخشوع له ، فإنه مستحب ، وقد أثنى الله على الذين إذا تليت عليهم آيات الرحمن خروا سجدا وبكيا ، فالبكاء الذي أمر به رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ عند دخول مساكن هؤلاء المعذبين هو من جنس هذا البكاء المستحب ، بحيث يثاب عليه فاعله ولا يعاقب تاركه، لأن السنة لا تخالف القرآن أبدا، وقد أمر الله بالسير في الأرض للنظر في مساكن المعذبين المكذبين للرسل وكيف حقت عليهم كلمة العذاب ببغيهم وطغيانهم قال تعالى: » قل سيروا في الأرض فينظروا كيف كان عاقبة الذين من قبلهم ، كانوا هم أشد منهم قوة أثاروا الأرض وعمروها أكثر مما عمروها وجاءتهم رسلهم بالبيانات وما كان الله ليظلمهم ولكن كانوا أنفسهم يظلمون « .

بل إن السكنى في مساكن المعذبين مباح في كتابه المبين. » وقال الذين كفروا لرسلهم لنخرجنكم من أرضنا أو لتعودن في ملتنا فأوحى إليهم ربهم لنهلكن الظالمين ولنسكننكم الأرض من بعدهم ذلك لمن خاف مقامي وخاف وعيد«.

فوعد الله رسله والمؤمنين بهم أن يسكنهم مساكن عدوهم ليتم بذلك انتصارهم عليهم ، لأن العاقبة للمتقين ولا عدوان إلا على الظالمين نظيره قوله: » وسكنتم في مساكن الذين ظلموا أنفسهم وتبين لكم كيف فعلنا بهم وضربنا لكم الأمثال« .

فهذه الآية ليس فيها ذم السكنى في مساكن الذين ظلموا أنفسهم ، وإنما فيها الدعاء إلى الاتعاظ والاعتبار بالذين ظلموا أنفسهم ، فهو يقول: انظروا إلى عاقبة سوء أعمالهم ، حيث سكنتم في مساكنهم وتلك بيوتهم خاوية بما ظلموا فاعتبروا بهم واحذروا أن تقعوا في مثل أعمالهم فما هي من الظالمين ببعيد.

وقد أخبر الله عن فرعون وملأه أن الله سبحانه أورث موسى وقومه ديارهم وأموالهم فقال تعالى: » كم تركوا من جنات وعيون ، وزروع ومقام كريم ونعمة كانوا فيها فاكهين، كذلك وأورثناهم قوما آخرين « ، أي أورثها » الله « موسى وقومه ومثله قوله في بني قريظة لما نقضوا عهد رسول الله ، وظاهروا الأحزاب على حزبه فأورث الله نبيه وأصحابه ديارهم وقصورهم قال تعالى: » وأنزل الذين ظاهروهم من أهل الكتاب من صياصيهم وقذف في قلوبهم الرعب فريقا تقتلون وتأسرون فريقا، وأورثكم أرضهم وديارهم وأموالهم وأرضا لم تطؤوها وكان الله على كل شيء قديرا « .

فهذه الآيات وما في معناها تدل بطريق الوضوح على إباحة السكنى في مساكن المعذبين بلا كراهة ، سواء في ذلك بلاد الحجر أو مدين أو غيرهما فمن ادعى خلاف ذلك فعليه الدليل والمؤمن لدى الحق أسير والله أعلم .

المشكلة الثالثة

» شرب ماء آبار الحجر والوضوء به «

قال البخاري في صحيحه : حدثنا محمد بن مسكين أبو الحسن ، حدثنا يحي بن حسان بن حبان أبو زكريا ، حدثنا سليمان عن عبد الله بن دينار عن ابن عمر رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما نزل الحجر في غزوة تبوك أمرهم أن لا يشربوا من بئرها و لا يستقوا منها ، فقالوا : قد عجنا منها و استقينا ، فأمرهم أن يطرحوا ذلك العجين و يهريقوا ذلك الماء ، قال : و يروي عن سبرة بن معبد و أبي الشموس أن النبي صلى الله عليه وسلم أمر بإلقاء الطعام ، و في حديث ابن عمر أمرهم أن يعلفوا الإبل العجين ، و أن يستبقوا من البئر التي كانت تردها الناقة .

أما ابن عمر ، فإنه قد شهد القضية و حدث عنها بما سمع و رأى و أحد حفاظ الصحابة و هم سبعة : ابن هذا و أبو سعيد الخدري و اسمه سعد بن مالك ، و جابر بن عبدالله ، و أبو هريرة، و أنس بن مالك ، و ابن عباس ، و عائشة رضي الله عنهم أجمعين و لا يعد حافظا حتى يحفظ عن النبي صلى الله عليه وسلم فوق ألف حديث ، و قد نظمهم بعضهم ، فقال :

من الحديث عن المختار خير مضر
 

 

سبع من الصحب فوق الألف قد نقلوا

صديقة و ابن عباس كذا ابن عمر

 

أبو هريرة سعد جابر أنس

و قد ترجم البخاري على حديث ابن عمر هذا فقال : باب نزول النبي صلى الله عليه وسلم بالحجر ثم ساقه بسنده و موضع الإشكال هو نهيه عن الشرب من آبار ثمود إلا بئر الناقة و أن يعلفوا الإبل العجين الذي عجنوه من مائها ، و لم يحفظ عن النبي صلى الله عليه وسلم من طريق صحيح علة هذا النهي .

و قد أخذ الفقهاء بظاهره فقرر بعضهم في المختصرات الفقهية أنه لا يجوز لوضوء من آبار حجر ثمود إلا من بئر الناقة و لم يذكروا علة النهي .

كما أن الصحابة الذين نقلوا حديث الحجر ، مثل : ابن عمر و جابر و أبي كبشة الأنماري و سبرة بن معبد و أبي الشموس و أبي ذر و غيرهم ، لم يذكر أحد منهم في حديثه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهي عن الو        ضوء به ، و إنما ورد القول بالنهي عن الوضوء به من طريق ابن اسحاق و هو ضعيف عند أهل الحديث ، و قد نقله ابن كثير في » البداية و النهاية « ص 10ج 5 و لفظه قال ابن اسحاق : و كان رسول الله صلى الله عليه وسلم حين مر بالحجر نزلها و استقى الناس من بئرها ، فما راحوا قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :  » لا تشربوا من مياهنا شيئا ، و لا تتوضؤا منه للصلاة و ما كان من عجين عجنتوه فأعلفوا الإبل و لا تأكلوا منه شيئا ، هكذا ذكر ابن اسحاق ، بغير إسناد … انتهى . ثم ذكر ابن كثير في موضع آخر ما نصه :

قال يونس بن بكير عن ابن اسحاق : حدثني عبد الله بن أبي بكر بن حزم عن العباس بن سهل بن سعد الساعدي أو عن العباس بن سعد الشك مني أن رسول الله صلى الله عليه وسلم حين مر بالحجر و نزلها استقى الناس من بئرها . فلما راحوا منها قال : رسول الله للناس لا تشربوا من مائها شيئا و لا تتوضئوا منه للصلاة ، و ما كان من عجين عجنتموه فأعلفوا الإبل ولا تأكلوا منه شيئا ولا يخرجن أحد منهك الليلة إلا و معه صاحب له ففعل الناس ما أمرهم به رسول الله إلا رجلين من بني ساعدة ، أحدهما خرج لحاجته فاختنق على مذهبه و الآخر خرج لطلب بعيره فاحتملته الريح فألقته بحبل طئ و أهدته طئ إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم بتبوك .. انتهى .

فهذه القصة بهذا اللفظ لم يخرجها أحد من أهل الصحاح و السنن و المسانيد و لم يثبت القول بها عن أحد من الصحابة و ابن اسحاق مع ضعفه ، فإن حديثه هذا مرسل و هو لا يحتج بما وصله فما بالك بما أرسله ، فإن العباس بن سهل تابعي و كذا عباس بن سعد ، و قد شك فيمن حدثه منهما ، و دلائل الوضع لائحة علية من كل وجوهه، فإن هذا الرجل الذي يزعم أن الريح أطارته حتى رمت به على جبل طي لم يثبت عن أحد من الصحابة القول به ، و لو كان صحيحا لاشتهر أمره و انتشر خبره  من بينهم كلهم فضلا عن بعضهم لكونها قصة غريبة و حتى الذين تصدوا للتأليف في إحصاء الصحابة و بيان أسمائهم و أنسابهم مثل » الاصابة لابن حجر«  
و
» الإستيعاب لابن عبد البر « و » مسبوك الذهب « و نحوها لم يذكروا أن أحدا من الصحابة أطارته الريح ، لكن التواريخ مبناها على التساهل في النقل ، بحيث ينقل بعضهم عن بعض الحكاية على علاتها كما قيل :

جمع الرواة و خط كل بنان

 

لا تقبلن من التواريخ كلما

و المقصود أن النهي عن الوضوء بماء آبار الحجر أنه جاء عن طريق ابن اسحاق فقط
وهو ضعيف لا يحتج به مع العلم أنه في حديثه هذا لم يفرق بين ماء بئر الناقة و لا غيره ، و يظهر أن الفقهاء أخذوا القول بعدم إجزاء الوضوء من آبار ثمود من رواية ابن اسحق هذا ، لأننا لم نجد لهذا القول أصلا عن غيره و الأمر الثابت هو أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى عن شرب ماء آبار الحجر إلا من بئر الناقة و لم ينه عن الوضوء به و نهيه عن الشرب منه لا يستلزم النهي عن الوضوء به ، أشبه ماء البحر يجوز الوضوء به و ينهى عن شرابه ، فسقط الاستدلال بموجبه و لو كان صحيحا لذكرها الصحابة الذين حضروا القضية ، لأن ذكرها ألزم من ذكر العجين و غيره ، كما أنهم لم يؤمروا بغسل ما أصاب هذا الماء من أجسادهم و ثيابهم و أوانيهم ، و يفهم من حديث ابن عمر ، الذي في البخاري أن النهي عن شرب الماء بلغهم و هم في أرض الحجر لكون النبي صلى الله عليه وسلم أمرهم أن ينتقلوا من الآبار إلى بئر الناقة و ذلك بعدما شربوا و غسلوا وجوههم و ثيابهم إلى حالة أنهم أخذوا يشتغلون بالعجين من هذا الماء ، و يترجح أن خبر هذا الماء نزل له الوحي من السماء و أن النهي عنه إنما لمصلحة تعود على صحتهم لعدم صلاحيته لحالهم ، فلا ينبغي أن يحمل هذا النهي على كونه نجسا كالبول ، و لا أنه محرم كالخمر والدم ، و لا ينبغي أن يحمل أيضا على تأثره بجريمة ثمود و لا بحلول العقاب بهم
» فتلك أمة قد خلت لها ما كسبت و لكم ما كسبتم ولا تسئلون عما كانوا يعملون « .

و قد عرف الفقهاء الماء الطاهر الذي يرفع به الحدث و يزال به الخبث بأنه الباقي على خلقته ، كما نزل من السماء أو نبع من الأرض ، هذا الوصف منطبق على مياه آبار الحجر، إذ جميع المياه في هذه الآبار و في غيرها نازلة من السماء .

كما قال تعالى: » وأنزلنا من السماء ماءا بقدر فأسكناه في الأرض وإنا على ذهابه لقادرون«.

و في الآية الأخرى : »فسلكه ينابيع في الأرض « فكل المياه الموجودة على وجه الأرض من آبار و عيون و بحار كلها طاهرة مباحة يرفع بها الحدث و يزال بها الخبث ما لم يتغير شيء من أحد أوصافها بالنجاسة ، سواء في ذلك آبار الحجر و غيرها ، و قد مكث » نبي الله صالح « عليه السلام و المؤمنون معه يتمتعون بخيرات بلادهم و يشربون من ماء آبارهم غير محجور عليهم في شيء و ذلك بعد نزول العقاب بثمود و شرع من قبلنا شرع لنا ، ما لم ترد شريعتنا بنسخة إذا ثبت هذا ، فإن النهي الصادر من النبي صلى الله عليه وسلم ، يجب أن يخمل على أمر حسي معقول المعنى ، و ذلك مما يتعلق بحفز الصحة و الوقاية عن المياه الوبيئة ، و أنه قد ظهر للنبي صلى الله عليه وسلم في ذلك الزمان من فساد بعض المياه و ضررها على الصحة ما يظهر لغيره إلا بعد أزمان طويلة وهذه الآبار التي نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن الشرب من مائها يترجح بأنها آبار مهجورة عن الاستعمال ، و لهذا أمرهم النبي صلى الله عليه وسلم أن يتركوها
ويستقوا منها إلى هذا الزمان و إلا فإن الكل آبار ثمود حتى بئر الناقة ، يقول الله 
» لها شرب
ولك شرب يوم معلوم
« .

و من المشاهد بالتجربة أن الآبار المهجورة يتكون فيها مواد من الغازات السامة يسمونها
( بكلوريد الهيدروجين ) و هو من العناصر التي اكتشفها الطب الحديث من عهد قريب و تكثر فيها أنواع الغازات السامة و الأبخرة التي تنفصل من مواد الأرض و تختلف كثرة ضررها
وقلته باختلاف القرب و البعد من الأرض و يعظم خطرها بالإكتام و عدم اتصال الهواء بها ، كما يشاهد ذلك في الفحم و غازاته السامة ، حيث يقضي بالاختناق ثم الموت و مثله السرج ذات الفتائل في موضع الاكتتام و من المشاهد بالتجربة أن المستعجل إلى الوقوع في مثل هذه المياه المهجورة للاغتسال و نحوه قبل أن يختبرها ، فإنه يصاب الاختناق من ساعته ، ثم ينزل إليه ثاني لإنقاذه فيصيبه ما أصابه ، ثم الثالث و الرابع ، فيهلكون جميعا ، و قد وقعت قضايا متعددة في كل بلد من نحو ذلك ، لهذا نرى أهل الطب و الذكاء والمعرفة يحذرون أشد التحذير عن قربان مثل هذا القلبان إلا بعد إختبارها بإلقاء الأدوية المفسدة لهذه الغازات السامة ، ثم تحريكها التحريك القوي بالدلاء و نحوها ، هذا كله قد أصبح من الأمر المشهور المعروف الذي يوصي الناس بعضهم بعضا بموجبه ، وقد عرفه رسول الله صلى الله عليه وسلم بطريق الوحي قبل أن يعرفه هؤلاء بألف سنة ، فحذر منه أصحابه و أصبح في علم الطب الحديث أن المياه تختلف في الضرر و الصحة اختلافا عظيما ، فهم يحكمون على بعضها بالصحة و النقاوة و أنه يحلل الحصاء ، من الكلاء و نحو ذلك . و أدركوا هذا المنافع و المضار بالوسائل الدقيقة من المناظير المكبرة التي تبرز لهم  المكروبات عيانا و هي أجسام حية و التي تضر آكلها و شاربها حتى ولو عجن بماءها العجين ، و رسول الله صلى الله عليه وسلم طبيب الأديان و الأبدان فمتى نزل عليه الوحي بخبر ضرر هذا الماء و عدم صلاحيته للأجساد أ فنحكم عليه و الحالة هذه بعدم جواز استعماله في الطهارة بدون سبب يزيله عن طهوريته ، ثم إن هذا الماء في هذه الآبار يكون فاسدا ضارا للصحة في وقت ثم يكون صالحا للشرب في وقت آخر ، على حسب ما يزاول به من الأدوية التي تنفي الضرر عنه و تمحضه للصحة في وقت ثم يكون صالحا للشرب في وقت آخر ، على حسب ما يزاول به من الأدوية التي تنفي الضرر عنه و تمحضه للصحة أو يكون منهورا و مورودا يستقي منه على الدوام ، لأن هذا من الأسباب التي تزيل عنه الضرر و يكون صحيحا صالحا للاستعمال . 

وفي الحديث: » ما من داء إلا وله دواء علمه من علمه وجهله من جهله « ، لهذا أمر النبي صلى الله عليه وسلم ـ أصحابه بأن يشربوا من بئر الناقة ، من أجل أنها منهورة ومستعملة فهي سالمة من الغازات السامة ، وإلا فإن الكل آبار ثمود فحمل هذا النهي على سر به على أمر معلوم سببه أولى من حمله على أمر غير معقول المعنى مما يسمونه خلاف القياس ، لأنه ليس في السنة الصحيحة ما يخالف القياس الصحيح ، كما حقق ذلك شيخ الإسلام وابن القيم في » الأعلام « نظير هذا أن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ في هذه الغزوة نفسها قال لأصحابه . » إنكم ستأتون غدا عين تبوك فمن جاء فلا يمس من مائها شيئا حتى آتي « ، حتى أنه لما سبقه رجلان إلى عين تبوك فشربا منها أغلظ عليهما بالكلام وقال: ألم أنهكم أن يسبقني إليها أحد ، فنهيه عن ماء آبار ثمود هو نظير نهيه عن ماء بئر تبوك على السواء ، وهذا دليل على حرص رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ على أصحابه وحمايته لهم عن الاستعجال عن موارد المياه المجهولة المهجورة إلا بعد اختياره لها ، ولا يبعد هذا النهي عن نهيه عن الشرب من آبار ثمود لما تبين له فسادها.

فهو يحاذر على أصحابه من علوق الوباء والوقوع في البلاء ، كما في الصحيح أن النبي صلى الله عليه وسلم ـ قال:

أنه ما من نبي إلا كان حقا عليه أن يدل أمته على خير ما يعلمه لهم ، ويحذرهم عن شر ما يعلمه لهم ، ولما كان غالب أصحابه الذين غزو معه تلك الغزوة هم حديثو عهد بدخولهم في الإسلام ، لأن العرب لم يتوسعوا في دخول الإسلام إلا بعد فتح مكة في السنة الثامنة وفي السنة التاسعة دخلوا في الدين أفواجا أفواجا وهم حديث عهد ببادية لا يحتفلون بالأسباب ولا يعرفون النافع من الضار ، لهذا نهاهم رسول الله عما يضرهم منها ، كما أن عادة الزعيم ينهى قومه عن الوقوع في البلاء ومراتع الوباء ، ومن المشاهد من مضار هذه المياه أنه يوجد آبار في مكان يسمى » ماوان « وهي مزارع لأهل بلد حوطة بني تميم ، وتقع في المنتصف بين الرياض والحوطة ، فخرج أهلها إليها يريدون زراعتها بعد تركهم لها أزمانا طويلة فعملوا عملهم في حراثتها وقلب أرضها ووضعوا البذور فيها وركبوا آلات السقى وعملوا عملهم ، فبعد ما حركوا الماء أصيبوا بالحمى القتالة فهربوا وتركوا زروعهم فمات بعضهم وبقي بعضهم عليلا زمانا طويلا ، والقضية الثانية: هو أنه خرج جماعة من صنعاء يريدون التوجه إلى الرياض عاصمة المملكة العربية السعودية ، قالوا: فنزلنا على حي من العرب ، نريد أن نستوضحهم الطريق ، فتصدى لإرشادنا رجل عاقل من الحي ، قال: إنكم ستأتون في مكان كذا واديا معترضا وفي الوادي ماء فلا تشربوا من مائه ولا تناموا فيه لئلا تصيبكم الحمى ، قالوا: فلما أتينا الوادي وجدناه كما وصفه لنا ووجدنا الماء حلوا عذبا والوادي سهلا لينا ، وقلنا: هذا رجل متطير وتوكلنا على الله ، فلم نحتفل بكلامه وشربنا من الماء ونمنا في الوادي ولم نقم من النوم إلا وقد علقت بنا الحمي القتالة فمات بعضنا وبقي بعضنا عليلا زمانا طويلا، وكم قتلت أرض جاهلها ، ومن المشاهد بالتجربة أن » السفار« يردون بعض المياه ثم يقوضون منها وقد أصيبوا بشيء من الأضرار أقلها الزكام الشديد ، كله من أجل فساد الماء.

وكان النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ يأكل من الطعام ما عرض عليه ، فلا يتكلف مفقودا و لا يرد موجودا ، أما الماء فكان يحرص على نقاوته ، ولهذا كان يستعذب له الماء من السقيا وهي تقع على أربعة أميال من المدينة . فرسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ مع قوة إيمانه وتوكله على الله كان يتقى أسباب البلاء ويأمر بالتباعد عن مواقع الوباء ، ويقول: لا يورد ممرض على مصح، وقال: » إذا وقع الوباء بأرض فلا تقدموا عليه ، وقال: فر من المجذوم فرارك من الأسد« وجاءه قوم وقالوا: يا رسول الله إن لنا بلدا هي ريفنا ومصيفنا وإنا إذا نزلناها نحفت أجسامنا وقل عددنا ، فقال رسول الله : أتركوها ذميمة ، فإن القرف التلف، فهذه تعتبر من باب اجتناب الأسباب التي جعلها أسبابا للهلاك والأذى ، والعبد مأمور باتقاء أسباب البلاء إذا كان في عافية منها ، كما أخبر النبي ـ صلى الله عليه وسلم .

في هذا الحديث أن من القرف التلف ، يعنى أن مقاربة الإنسان للأشياء المعدية والضارة بطبعها أنها سبب مقارفة الجسم لها ، بحيث تعلق به ثم يهلك، وقد قيل: » الوقاية خير من العلاج« و » الدفع أيسر من الرفع « و » الشفاء قبل الإشفاء « .

فكل الأدوية والعقاقير التي يستعملها الأطباء للوقاية عن رفع البلاء أو دفع الوباء هي بالحقيقة من مخلوقات الله التي أنبتها في أرضه إحسانا منه لهم بإيصال نفعها إليهم ، وخص كل نوع منها بنوع من المرض يزول به ويشفيه ، وركب في الإنسان العقل والسمع والبصر ليتم بذلك استعداده لتناول منافعه ومصالحه واستعمالها في وقاية صحته وحفظ بنيته » لأن الله سبحانه لم ينزل من داء إلا وأنزل له دواء  علمه من علمه وجهله من جهله « .

وكل الأمم على اختلاف أديانهم وأوطانهم قد جربوا وقاية التطعيم عن الأمراض المعدية ، مثل: » الجدري والكوليرا « وغيرهما ، فوجدوا لها من التأثير عن الوقاية من الأمراض القتالة ما يشهد الواقع بصحته ولا طبيب إلا ذو تجربة ، فخلفاء الرسول يحاربون القدر بالقدر ويفرون من القدر إلى القدر، ويحكمون الأمر على القدر.