![]() |
|
|
أقوال العلماء في تفسير (وأن ليس للإنسان إلا ما
سعى)
حكى القرطبي في التفسير عن الأكثرين
أن هذه الآية محكمة وأنه لا ينفع أحد عمل أحد، قال: » وأجمعوا على أنه لا يصلى أحد عن
أحد « . ولما رأى بعض المفسرين وبعض الفقهاء
أن هذه الآية تهدم قاعدة إهداء ثواب الأعمال إلى الموتى وتثبت بالصراحة بأن ليس
للإنسان إلا ما سعى، فمنهم من يقول أنها منسوخة ، ومنهم من يقول أن المراد
بالإنسان الكافر ، وأما المسلم فله ما سعى وما سعى له غيره ، وأحيانا يقولون: أنه
ليس للإنسان إلا ما سعى بطريق العدل وله ما سعى له غيره بطريق الفضل ، ومنهم من
يقول أنها ليست من شريعة محمد ـ صلى الله عليه وسلم ـ وإنما هي من شريعة إبراهيم
وموسى ، وكل هذه التأويلات ليس عليها دليل من الكتاب والسنة ، وإنما خرجت مخرج
الانتصار للمذهب ليدفعوا بها حجة المحتج عليهم بهذه الآية الصريحة المخالفة لرأيهم
ومذهبهم ، لتستقيم بذلك قاعدة إهداء ثواب الأعمال عندهم . ومن المعلوم أن أقوال العلماء تابعة
لقول الله ورسوله ، وليس قول الله ورسوله بتابع لأقوالهم ، فلا ينقص بها أصل مستقر
من كتاب الله وسنة رسوله وليس لأحد أن يحمل كلام الله ورسوله على وفق مذهبه فيتكلف
صرف الكلم عن المعنى المراد منه مع كونه لا يحتمل المعنى غيره لتستقيم بذلك حجته ،
فإن هذه الآية لها نظائر كثيرة من القرآن ، كقوله: » فاليوم لا تظلم نفس شيئا ولا
تجزون إلا ما كنتم تعملون « ، وكقوله » اليوم تجزى كل نفس بما كسبت لا
ظلم اليوم إن الله سريع الحساب « في كثير من الآيات يذكر ـ سبحانه ـ جزاء الإنسان على
أعماله من خير وشر. وكما أن هذه الآية مقرونة بآيات
محكمات هي أم الكتاب فلا يجوز قطعها عن نظائرها بدعوى النسخ لها والنسخ لها لا
يصار إليه بدليل شرعي وهي خبر لا يدخلها النسخ والآيات المقرونة بها هي قوله: » ألا تزر وازرة وزير أخرى « وهي محكمة بالإجماع ، أي لا تحمل
نفس وزر غيرها » بل كل نفس بما
كسبت رهينة« ، » وأن ليس للإنسان إلا ما سعى « ، أي بنفسه لنفسه ومن بطأ به عمله
لم يسرع به عمل غيره ، لأن كل إنسان مجازى بما عمل إن خيرا فخير وإن شرا فشر ، وإن
سعيه سوف يرى ، أي سوف يعرض وينشر » يوم ينظر المرء ما قدمت يداه « ، » يوم تجد كل نفس ما عملت من خير
محضرا وما عملت سوء تود لو أن بينها وبينه أمدا بعيدا « ، » يومئذ يصدر الناس أشتاتا ليروا
أعمالهم فمن يعمل مثقال ذرة خيرا يره ومن يعمل مثقال ذرة شرا يره « ، » ثم يجزاه الجزاء الأوفى « ، وقد فسر هذا الجزء بقوله: وكذلك قول من قال: أنها من شريعة إبراهيم
وموسى وليست من شريعتنا وهذا التأويل يقضي عزل هذه الآية عن المعنى المراد منها
ليزول عن الناس التكليف بها والاحتجاج بموجبها كأنها بزعمهم من حشو الكلام الذي لا
يستفاد منه عظة و لا عبرة و لا حكم من الأحكام والصحيح أنها من شرع الله وأصول
دينه الذي بعث به رسله وأنزل به كتبه وأنذر به الرسول عشيرته ، وإنه كما أنزل به
القرآن فقد نزل في صحف الأنبياء إبراهيم وموسى ، لأنه من باب الجزاء على الأعمال
وأن الأولين والآخرين يقال لهم: ماذا كنتم تعملون ، وماذا أجبتم المرسلين، نظيره
قوله تعالى: » قد أفلح من
تزكى وذكر اسم ربه فصلى بل تؤثرون الحياة الدنيا والآخرة خير وأبقى إن هذا لفي
الصحف الأولى صحف إبراهيم وموسى « . أ فيقال أن هذا ليس من شرعنا وأن
التذكير بها ليس من شأننا ليبطلوا بذلك سنة الله في التذكير بآياته وبيناته ، وكل
من تدبر الآيات القرآنية والأحاديث النبوية وجدها تدل على ما دلت عليه هذه الآية
بطريق المطابقة والتضمن كقوله: » اليوم تجزي كل نفس بما كسبت لا ظلم اليوم إن الله
سريع الحساب « ، وقوله: » فكيف إذا جمعناهم ليوم لا ريب فيه
ووفيت كل نفس ما كسبت وهم لا يظلمون « ، وقوله: » ووفيت كل نفس ما عملت وهو أعلم
بما يفعلون « ، |