![]() |
|
|
إهداء ثواب الأعمال إلى الموتى
الأصل في الباب هو أن كل امرئ مجازى
بما عمل إن خيرا فخير وإن شرا فشر ، وإن من بطأ عمله لم يسرع به عمل غيره ، وإن
الأولين والآخرين يسألون يوم القيامة ويقال لهم: ماذا كنتم تعملون وما أجبتم
المرسلين ، يقول الله : » اليوم تجزى كل نفس ما كسبت لا ظلم اليوم إن الله
سريع الحساب « ، وقال: » ووفيت كل نفس ما عملت وهو أعلم
بما يفعلون « ، وقال: وفي الصحيح من حديث عدي بن حاتم ، أن
النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ قال: » ما منكم من أحد إلا سيكلمه ربه ليس بينه وبينه
ترجمان ينظر أيمن منه فلا يرى إلا ما قدم وينظر أشأم منه فلا يرى إلا ما قدم وينظر
بين يديه فلا يرى إلا النار تلقاء وجهه فاتقوا النار ولو بشق تمرة « والله يقول عند عرض صحائف الأعمال على سبيل الأعذا ر: » يا عبادي إنما هي أعمالكم أحصيها
لكم ثم أوفيكم إياها فمن وجد خيرا فليحمد الله ومن وجد غير ذلك فلا يلومن إلا نفسه
« . ومن أجله حذر الله عباده عن أن يغتروا
بعمل أي أحد أو يتكلموا على صلاح والد أو ولد ، فقال: » يا أيها الناس اتقوا ربكم واخشوا
يوم لا يجزي والد عن ولده ولا مولود هو جاز عن والده شيئا« ، وكان آخر آية نزلت من القرآن هي
قوله: » واتقوا يوما
ترجعون فيه إلى الله ثم توفى كل نفس ما كسبت وهم لا يظلمون « من آخر سورة البقرة ، فهذه هي
العقيدة الدينية التي أنزل الله بها كبته وأرسل به رسله وأنذر بها الرسول عشيرته ،
وقال: » اشتروا أنفسكم
من عذاب الله لا أغنى عنكم من الله شيئا « . وقد توسع الفقهاء في إهداء ثواب
الأعمال توسعا خارجا عن حدود ما أنزل الله في كتابه ، من ذلك قول الموفق في كتابه
المغني: » وأي قربة فعلها
المسلم وجعل ثوابها لميت مسلم نفعه ذلك إن شاء الله « ، أما الدعاء والاستغفار والصدقة
وأداء الواجبات فلا أعلم فيه خلافا إذا كانت الواجبات مما تدخلها النيابة ، لأن
الصوم والحج والدعاء والاستغفار عبادات بدنية ، وقد أوصل الله نفعها إلى الميت
بالنص فكذلك سواهما ، قال: ولأن المسلمين في كل عصر ومصر يجتمعون يقرأون القرآن
ويهدون ثوابه إلى موتاهم من غير نكير ، فكان إجماعا « انتهى. فتساهل الموفق ـ رحمه الله ـ في دعوى
الإجماع في ذلك ، مع عدم صحته كما سيأتي بيانه وجعل هذه الكلمة بمثابة تأسيس قاعدة
فقهية وعقيدة دينية وقد تلقاها عنه الأصحاب بالقبول وبنوا عليها من التعليق فوق ما
تطيق وتوسعوا فيها بدون تمحيص ولا تحقيق ، فإذا أردت تصحيح ذلك فانظر إلى عشرين مؤلفا من كتب الأصحاب
تجد في كل كتاب منها هذه الكلمة بحروفها أو بمعناها. ومن المعلوم أن العالم قد يقول القول
المرجوح مجتهدا فيه فيطبع وينشر ويحفل به الجماهير والخلق الكثير وترسخ حقيقته في
ذهن الصغير والكبير ، غير أنه ليس بلازم أن يقبل كل ما يقوله العالم أو يفتي به
بدون دليل يؤيده لأن العالم قد يقول ما يعجزه أن يقيم الحجة على صحته وحسبك ما جرى
بين الصحابة من رد بعضهم على بعض في مسائل الفروع وكل يؤخذ من قوله ويترك إلا رسول
الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ . فما كان أحد هؤلاء المجتهدين يجيز
لأحد أن يقلده فيما أخطأ فيه ويجعله شريكا لله في التشريع وأمور التحليل والتحريم
، فالقول باعتقاد إهداء ثواب الأعمال إلى الأحياء والأموات ، كما يقوله الفقهاء
يفضي إلى أن يعرى عمل العامل من ثواب الله له على عمله ويحصل الأجر والثواب لمن لا
يعمل وهو خلاف سنة الله وشرعه في الجزاء على الأعمال بالثواب والعقاب ، وقد زاد
المتأخرون من الفقهاء بالقول بجواز إهداء ثواب صلاة الفرض وسائر ما لا تدخله
النيابة من العبادات إلى كل مسلم حي أو ميت وعندهم لا فرق بين الفرض والنفل ، بل
لو صلى صلاة مفروضة وأهدى ثوابها لأبويه صحت الهدية. قال في الإقناع: » وكل قربة فعلها المسلم وجعل
ثوابها أو بعضها كالنصف ونحوه لمسلم حي أو ميت جاز ونفعه ذلك لحصول الثواب له حتى
لرسول الله ، من تطوع وواجب تدخله النيابة كحج ونحوه أو لا تدخله النيابة كالصلاة
ودعاء واستغفار وصدقة وأضحية وأداء دين وصوم وكذا قراءة وغيرها ، انتهى. فقد عرفت كيف زاد على الموقف بالقول
بجواز إهداء ثواب الأعمال التي لا تدخلها النيابة كصلاة فرض وصيام فرض حتى لرسول
الله ، وقد أجمع الأئمة الأربعة على أنه لا يصلى أحد عن أحد ولا يصوم أحد عن أحد
كما أن إهداء القرب الدينية إلى النبي بدعة كما حكاه شيخ الإسلام ابن تيميمة ،
ولشيخ الإسلام ابن تيمية ـ رحمه الله ـ قولان في المسألة ، أحدهما: أن الميت ينتفع
بإهداء جميع العبادات البدنية من الصلاة والصوم والقراءة ، كما ينتفع بالعبادات
المالية من الصدقة والعتق ونحوها ، وكما لو دعى له واستغفر له . والقول الثاني ـ قال: إنه لم يكن من
عادة السلف إذا صاموا تطوعا أو حجوا تطوعا أو قرأوا القرآن أنهم يهدون ثواب ذلك
إلى أموات المسلمين ، فلا ينبغي العدول عن طريق السلف فإنه أفضل وأكمل وهذا القول
الأخير هو الجدير بسعة علم شيخ الإسلام وورعه وحرصه على التمسك بالشرع وسنته
ومحاربته للبدع المخالفة لسنة رسول الله وسيرة خلفاء وأصحابه ، ولعل هذا هو الأخير
من أمره والمحقق من رأيه وحسبك شهادة بأن إهداء التطوعات من القراءة والصيام
والصلاة ليس من عمل السلف الصالح الذين هم الرسول وأصحابه وكل ما ليس من عمل السلف
الصالح فإنه من محدثات الأمور وشر الأمور محدثاتها ، وقد ذكر ابن مفلح في شرح
المحرر ما يحقق ذلك فقال: » ذكر الشيخ تقي الدين بأنه ليس من عادة السلف إهداء
ثواب الأعمال إلى موتى المسلمين ، بل من عادتهم أنهم كانوا يعبدون الله بأنواع
العبادات المشروعة فرضها ونفلها وكانوا يدعون للمؤمنين والمؤمنات ما أمر الله بذلك
ويدعون لأحيائهم وأمواتهم فلا ينبغي للناس أن يعدلوا عن طريق السلف، فإنها أفضل
وأكمل « . فهذا هو الجدير بسعة علم شيخ الإسلام
وحرصه على التمسك بصريح السنة والقرآن. فهذا هو الأمر المحقق من رأيه وقد
نقله ابن مفلح الذي هو أعرف الناس بأقواله ، كما نقله ابن اللحام في اختياراته ،
إذ لا يمكن أن يدعو الناس إلى هذا الشيء الذي هو طريقة السلف من أهل السنة ، ثم
يدعو إلى خلافه . فهذا القول هو الذي يجب المصير إليه
لدلالة صريح الكتاب والسنة عليه ، وأما القول بقياس إهداء ثواب الأعمال على الدعاء
والاستغفار الثابت فضله والمجمع على وصول نفعه ، فإنه قياس مع الفارق ، لأن الدعاء
عبادة من العبادات التي خلق الله الناس لها وأمرهم بالقيام بها كما في حديث
النعمان بن بشير ، أن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ قال: » الدعاء هو العبادة ، ثم قرأ :
وقال ربكم ادعوني استجب لكم إن الذين يستكبرون عن عبادتي سيدخلون جهنم داخرين « رواه أبو داود والترمذي والنسائي
وابن ماجه وصححه الترمذي ، وله من حديث أنس مرفوعا: وأما قول الموفق أن الصدقة وأداء
الواجبات لا يعلم فيه خلافا إذا كانت الواجبات مما تدخلها النيابة ، لأن الصوم
والحج عبادات بدنية ، وقد أوصل الله نفعها إلى الميت بالنص وكذلك ما سواها يشير
الموفق بهذا إلى ما ثبت في الصحيحين عن عائشة أن رجلا قال: » يا رسول الله ، إن أمي افتلتت
نفسها ولم توص وأظنها لو تكلمت تصدقت أ فلها أجر إن تصدقت عنها؟ قال: نعم فتصدق عن
أمك « . وهذا الرجل
المبهم هو سعد بن عبادة ، كما ورد مفسرا في البخاري من حديث ابن عباس ، وعن عبد
الله بن عمرو بن العاص ، أن عمرو بن العاص سال النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ فقال:
» يا رسول الله ،
إن أبي أوصى أن يعتق عنه مائة رقبة ، وأن هشاما أعتق عنه خمسين وبقيت عليه خمسون ،
أ فأعتق عنه ؟ فقال رسول الله : إنه لو كان مسلما فأعتقتم عنه أو تصدقتم عنه أو
حججتم عنه بلغه ذلك « ، وفي رواية : » لو كان أقر بالتوحيد فصمت وتصدقت عنه نفعه « رواه أحمد وأبو داود والبيقهي. وعن ابن عباس: » أن امرأة قالت: يا رسول الله ، إن
فريضة الله في الحج على عبادة أدركت أبي شيخا كبيرا لا يثبت على الراحلة ، أ فأحج
عنه؟ قال: نعم حجي عنه « متفق عليه . وعن ابن عباس أيضا: » أن امرأة قالت: يا رسول الله إن
أمي نذرت أن تحج فلم تحج حتى ماتت، أ فأحج عنها؟ قال: نهم حجي عنها أ رأيت لو كان
على أمك دين أكنت قاضيته ، اقضوا الله فالله أحق بالوفاء « . ولمسلم وأبي داود والترمذي من حديث
بريدة قال: » كنت جالسا عند
النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ إذ أتته امرأة فقالت: يا رسول الله ، إني تصدقت على
أمي بجارية وإن أمي ماتت ، فقال: وجب أجرك وردها إليك الميرات ، قالت يا رسول الله
، إنه كان عليها صوم شهر ، ولهذا قلنا: أنه يجوز للأبناء والبنات
قضاء واجبات آبائهم من صلاة وصيام وحج ، سواء كانت واجبة بطريق الشرع أو بالنذر
للنصوص الواردة في هذا الخصوص ، ومنها حديث عمرو بن العاص أن النبي ـ صلى الله
عليه وسلم ـ قال: » إن أباك لو كان موحدا فصمت وتصدقت عنه نفعه ذلك« ، قال في نيل الأوطار : فيه دليل
على أن ما فعله الولد لأبيه من الصوم والصدقة فإنه يلحقه ثوابه بدون وصية منهما له
ويخصص بهذا قوله: » وإن ليس للإنسان إلا ما سعى « ، قال: وقد ثبت أن ولد الإنسان من
سعيه فلا حاجة إلى دعوى التخصيص ، وأما من غير الولد فالظاهر من العمومات القرآنية
أنه لا يصل ثوابه إلى الميت فيتوقف عليها حتى يأتي دليل يقتضي تخصيصها. وأما الصدقة ، فقد حكى بعض العلماء
الإجماع على فضلها ، ووصول نفعها لكونها من الفعل المتعدي ، وأما قول الموفق: » أداء الواجبات لا يعلم فيه خلافا
إذا كانت الواجبات مما تدخله النيابة« ، فهذا غير صحيح فإن فيه الخلاف الكبير ، أما الحج
الواجب بالشرع فقال أبو حنيفة ومالك : يسقط بالموت ، لأنه عبادة بدنية فسقط بالموت
كالصلاة وإن أوصى به فمن الثلث وقال فقهاء الحنابلة والشافعية : من وجب عليه الحج
ومات قبل أن يحج وجب على ورثته أن يخرجوا من ماله ما يحج به عنه ، سواء أوصي به أو
لم يوص ، أشبه دين الآدمي ، وبهذا يتبين وقوع الخلاف بين الأئمة في الواجبات التي
تدخلها النيابة كما عرفت. قال العلامة ابن القيم في الأعلام على قوله: » من مات وعليه صيام وصام عنه وليه « ، قال: فطائفة حملت هذا على عمومه
وإطلاقه ، فقالت: يصام عنه الفرض والنذر ، وأبت طائفة ذلك وقالت: لا يصام عنه
الفرض ولا النذر وفصلت طائف فقالت: يصام عنه النذر دون الفرض الأصلي وهذا قول ابن
عباس وأصحابه والإمام أحمد وأصحابه وهو الصحيح ، لأن فرض الصيام جار مجرى الصلاة ،
فكما لا يصلي أحد عن أحد لا يسلم أحد عن أحد ، فكذلك الصيام لا يصوم أحد عن أحد ،
وأما النذر فهو التزام في الذمة بمنزلة الدين فيقبل قضاء الولي له كما يقضي دينه ،
وطرد هذا أنه لا يحج عنه إلا إذا كان معذورا بالتأخير ، كما يطعم الولي عمن أفطر
رمضان للعذر وبدون العذر لا يجوز الإطعام ولا الصيام ، فأما المفرط من غير عذر
أصلا فلا ينفعه غيره عنه لفرائض الله التي فرّط فيها وكان هو المأمور بها ابتلاء وامتحانا دون الولي فلا
تنفع توبة أحد عن أحد ولا إسلام أحد عن أحد و لا صلاة أحد عن أحد ولا غيرها من
فرائض الله التي فرط فيها حتى مات ، فإذا ظهرت أمارات الحق وقامت أدلته وأسفر صبحه
، فذاك هو شرع الله ودينه والسبيل الموصل إلى رضاه والفوز بجنته. والمقصود أن الموفق ـ رحمه الله ـ قد
تساهل في القول في إهداء ثواب الأعمال إلى الموتى حتى حكى الإجماع على إهداء ثواب
القراءة قائلا: » إنه إجماع
المسلمين ، فإنهم في كل عصر ومصر يجتمعون ويقرأون القرآن ، ويهدون ثوابه إلى
موتاهم من غير نكير « ، وحتى قال بجواز القراءة على القبور أيد القول بذلك بأدلة ضعيفة
وقد أخذ الفقهاء عنه ذلك فقالوا بمثل قوله فانتشر هذا الرأي المرجوح في كتب
الأصحاب حتى صار له الأثر الكبير في نفوس العلماء والعوام والخواص والعام ، وقد
نجم عن هذا التعبير سوء التدبير ، حيث عملت الوصايا وأوقفت الأوقاف في الأمصار على
إهداء الختمات وعلى قراءة القرآن على رمم الأموات ، والقرآن إنما نزل للتذكير
والتدبر لينذر به من كان حيا لا ليهدى منه الختمات إلى الأموات ، على أن إهداء
ثواب القراءة يعد من مفردات الإمام أحمد ، كما حكى القول به صاحب الإنصاف و نظمها
صاحب المفردات فقال:
وقد حكى ابن كثير في التفسير على
قوله : » ألا تزر وازرة
وزر أخرى وإن ليس للإنسان إلا ما سعى« ، قال: أي كما لا يحمل عليه وزر غيره ، فكذلك لا
يحصل له من الأجر ما كسب هو لنفسه ، ومن هذه الآية استنبط الشافعي ومن اتبعه أن
القراءة لا يصل ثوابها إلى الموتى ، لأنها ليس من عملهم و لا كسبهم ، ولهذا لم
يندب إليه رسول الله أمته ولا حثهم عليه ولا أرشدهم إليه لا بنص و لا إيماء ولم
ينقل ذلك عن أحد من الصحابة ولو كان خيرا لسبقونا إليه وباب القربات يقتصر فيها
على النصوص ولا يتصرف فيها بأنواع الأقيسة والآراء ، قال: وأما الدعاء والصدقة
فذاك مجمع على وصولها ومنصوص من الشارع عليهما ، وأما الحديث الذي رواه مسلم في
صحيحه عن أبي هريرة أن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ قال: » إذا مات الإنسان انقطع عمله إلا
من ثلاث: صدقة جارية أو علم ينتفع به أو ولد صالح يدعو له « ، فهذه الثلاث بالحقيقة هي من
سعيه وكده كما جاء في الحديث: » إن أطيب ما أكلتم من كسبكم وإن ولد الرجل من كسبه« ، والصدقة الجارية كالوقف ونحوه
هي من آثار عمله لقوله تعالي: » ونكتب ما قدموا وآثارهم « ، والعلم الذي ينشره في الناس
واقتدى به بعده هو أيضا من سعيه وعمله ، وثبت في الصحيح » من دعا إلى هدي كان له من الأجر
مثل أجور من اتبعه من غير أن ينقص من أجورهم شيء « ، وكذا حديث: » من سن في الإسلام سنة حسنة فله
أجرها وأجر من عمل بها إلى يوم القيامة ، ومن سن في الإسلام سنة سيئة فعليه وزرها
ووزر من عمل بها إلى يوم القيامة، إنتهى . وهذا القول يعد من أعدل الأقوال في
المسألة وأسعدها بالصواب وإن خالفه من خالفه. وقد أفتى شيخ الإسلام ابن تيمية ـ
رحمه الله ـ فيمن أوصى بمال في ختمات وقصده التقرب إلى الله بأنه ينبغي صرف هذا
المال إلى الصدقة به على الفقراء والمحاويج ، قاله في الاختيارات ، ويقاس على هذه
الفتوى من أوصى بمال في حج أو أضاحي تذبح عنه وكان قد حج عن نفسه ، فإن الصدقة
بهذا المال على الفقراء والمحاويج أفضل من صرفه في الحج والأضاحي ، الذي يقول أكثر
العلماء بعدم جواز ذلك. وفرق بين أن يكون الإنسان قصده معرفة
حكم الله ورسوله في المسألة أو أن يكون قصده معرفة ما قاله إمام مذهبه أو فقهاءه
أو الشيخ الفلاني الذي اشتهر علمه وقد نقل صاحب المحرر عن شيخ الإسلام ابن تيمية ،
بأنه لم يكن من عادة السلف إهداء ثواب الأعمال إلى موتى المسلمين، بل عادتهم أنهم
كانوا يعبدون الله بأنواع العبادات فرضها ونفلها ، وكانوا يدعون للمؤمنين
والمؤمنات كما أمر الله بذلك ويدعون لأحيائهم وأمواتهم ، فلا ينبغي للناس أن
يعدلوا عن طريقة السلف فإنها أفضل وأكمل . انتهى. وقال في تفسير المنار على قوله: » و لا تكسب كل نفس إلا عليها و لا
تزر وازرة وزر أخرى « ، قال: هذه قاعدة من أصول دين الله الذي بعث به جميع رسله ، كما
قال تعالى: » أم لم ينبأ بما
في صحف موسى وإبراهيم الذي وفى أن لا تزر وزر أخرى وإن ليس للإنسان إلا ما سعى وإن
سعيه سوف يرى ثم يجزاه الجزاء الأوفى
« ، قال: وهي من
أعظم أركان الإصلاح للبشر في أفرادهم وجماعاتهم لأنها هادمة لأساس الوثنية وهادية
للبشر إلى ما تتوقف عليه سعادتهم الدنيوية والأخروية وهو عملهم دون عمل غيرهم ،
فمعنى الجملتين ، فلا تكسب نفس إثما إلا كان عليها جزاؤه الأخروي دون غيرها و لا
تحمل نفس وزر نفس أخرى ، بل كل نفس لها ما كسبت ، أي من الحسنات وعليها ما اكتسبت
، أي من السيئات ، فالدين قد علمنا بأن سعادة الناس وشقاءهم بأعمالهم ، وأن الجزاء
في الآخرة مبنى على هذا التأثير ، وأما من كان قدوة صالحة في عمله أو معلما ، فإنه
ينتفع بعمل من أرشدهم زيادة على انتفاعه بأصل عمله ، ومن كان قدوة سيئة في عمل أو
دالا عليه ، فإن عليه إثم من أفسدهم
وكل هذا وذاك يعد من قبيل عمله وقد بين النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ هذا
وذلك بقوله: » من سن في
الإسلام سنة حسنة فله أجرها وأجر من عمل بها إلى يوم القيامة ، ومن سن في الإسلام
سنة سيئة فعليه وزرها ووزر عمن عمل بها إلى يوم القيامة « . قال: » ومما ينتفع به المؤمن من عمل غيره
، بحيث يعد من قبيل عمله دعاء
أولاده له وحجهم وتصدقهم عنه وقضاءهم لصومه « وهو داخل في عموم قوله: » إذا مات الإنسان انقطع عمله إلا
من ثلاث: صدقة جارية أو علم ينتفع به أو ولد صالح يدعو له « رواه مسلم من حديث أبي هريرة ،
وقد ألحق الله ذرية المؤمنين بهم في نص الكتاب والسنة. ومن قال بانتفاع الميت بكل عمل يعمل
له وإن لم يكن العامل ولده ، فقد خالف نص القرآن ولا حجة له في الحديث الصحيح و لا
القياس الصحيح . انتهى. والحاصل أن الأخبار الصحيحة وردت
بجواز صدقة الأولاد عن الوالدين وقضاء ما وجب عليهما من صيام وحج وقضاء نذر ، لكن
مدار الجزاء والثواب والعقاب على عمل الإنسان بنفسه لنفسه لا على عمل أولاده
وأقاربه جمعا بين النصوص ، كقوله تعالى: » واتقوا يوما لا تجزي نفس عن نفس
شيئا و لا يقبل منها عدل و لا تنفعها شفاعة و لا هم ينصرون « ، وقوله: » يا أيها الناس اتقوا ربكم واخشوا
يوما لا يجزي والد عن ولده ولا مولود هو جاز عن والده شيئا « . ثم إن هذا الانتفاع مشروط بكون
الوالد والولد متفقين على الإيمان بالله والعمل بطاعته ، وإن حصل التقصير من
أحدهما في ترك طاعة أو ارتكاب معصية ، كما في الحديث » إن الرجل لينزل المنزلة العالية
في الجنة وينزل ابنه دون منزلته، فيقول أين ابني؟ فيقال له: أنه دون منزلتك قد
قصرت به أعماله، فيقول: يا رب إني عملت لي وله ، فيقول الله : صدق ارفعوا منزلته إلى
والده لتقربه عينه« ، ثم تلى قوله: » والذين آمنوا واتبعتهم ذريتهم بإيمان ألحقنا بهم
ذريتهم« ، أشبه الشفاعة
لا تكون إلا لمن إذن له الرب ورضي عمله ، لهذا قلنا: أنه يجوز للأولاد قضاء واجبات
آبائهم من صلاة وصيام وحج ، سواء كانت واجبة بطرق الشرع أو النذر ، أما غير
الواجبات من سائر أفعال التطوعات فالظاهر من الآيات القرآنية والأحاديث النبوية
أنها لا تفعل عنه بعد موته فلا يصل إليه ثواب القراءة ولا الأضحية و لا يحج نفلا
عنه و لا يصام نفلا عنه و لا يصلي عنه ، بل يتصدق عنه ، فإن الصدقة أفضل من هذا
كله وأنفع للحي والميت لكونها من النفع المتعدي للغير وحتى جاز فعلها مع الكافر ،
ولما تحرج أصحاب رسول الله عن الصدقة على أقاربهم من المشركين وقالوا: لا نؤجر على
الصدقة على من ليس من أهل ديننا ، أنزل الله : » ليس عليك هداهم ولكن الله يهدي من
يشاء وما تنفقوا من خير فلأنفسكم وما تنفقون إلا ابتغاء وجه الله وما تنفقوا من
خير يوف إليكم وأنتم لا تظلمون « ، فأمروا بالصدقة على الكافر ،
وبهذا فارقت سائر أفعال البر كما عرفت والله أعلم. |