الموضوع التالي

الموضوع التالي

الـفـهـــــرس

الموضوع السابق

الموضوع السابق

 

فصـــــــــــــــــــــــــــــــــل
 " وهذه أقضية رسول الله في أفضل ما يفعله الحي لميته تعرض على
المنصف المتبع وقد أحسن من انتهى إلى ما سمع"

 

الحكم الأول: عن عائشة ـ رضي الله  عنها ـ أن رجلا قال: يا رسول الله إن أمي افتلتت نفسها ولم توص وأضنها لو تكلمت تصدقت أفلها أجر إن تصدقت عنها؟ قال: » نعم فتصدق عن أمك « رواه البخاري ومسلم ، وهذا الرجل المبهم هو سعد بن عبادة لما روى في البخاري عن ابن عباس: » أن سعد بن عبادة أخا بني ساعدة ، توفيت أمه وهو غائب عنها ، فقال: يا رسول الله إن أمي توفيت وأنا غائب عنها ، فهل ينفعها إن تصدقت عنها بشيء ؟ قال: نعم ، قال: فأشهدك أن حائط المخراف صدقة  عليها « ، فهذا سعد بن عبادة الذي هو أحرص الناس على فعل الخير وإيصال ثوابه إلى والدته التي توفيت في غيبته فأرشده النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ إلى الصدقة عنها ولم يأمره بالأضحية ، كما أنه لم يأمره بأن يجعل لها في هذا المخراف أضحية تذبح لها كل عام كما يفعله الكثير من العلماء والعوام ولو كانت مشروعة أو أنها أفضل من الصدقة أو أنه يصل ثوابها إلى الميت لأرشده إلى فعلها ، إذ لا يجوز تأخير البيان عن وقت الحاجة إليها .

الحكم الثاني: ما ثبت في البخاري ومسلم عن سعد بن أبي وقاص قال: » عادني رسول الله من وجع اشتد بي ، فقلت: يا رسول الله أنا ذو مال كثير و لا يرثني إلا إبنة لي واحدة ، أفأتصدق بثلثي مالي؟ قال: لا ، قلت: فالشطر قال: لا ، قلت: فالثلث ، قال: الثلث والثلث كثير إنك إن تذر ورثتك أغنياء خير من أن تذرهم عالة يتكففون الناس وإنك لن تنفق نفقة تبتغي بها وجه الله إلا آجرك الله عليها « الحديث . فأرشده النبي إلى الصدقة بثلث ماله ولم يأمره بالأضحية ، فلو كانت مشروعة أو أن نفعها يصل إليه بعد موته لما بخل عنه بالأمر بها ، ولم يكن رسول الله ليسناها وهو يعلم أنها أفضل من الصدقة .

الحكم الثالث: ما روى البخاري عن أنس بن مالك، قال: » كان أبو طلحة أكثر الأنصار بالمدينة مالا وكان أحب أمواله إليه بيرحاء ، وكانت مستقلبة المسجد وكان رسول الله يدخلها ويشرب من ماء فيها طيب ، فنزلت هذه الآية: » لن تنالوا البر حتى تنفقوا مما تحبون « فجاء أبوطلحة إلى رسول الله فقال: يا رسول الله ، إن أحب أموالي إلى بيرحاء وأنها صدقة لله أرجو برها و ذخرها عند الله ، فضعها يا رسول الله حيث أراك الله ، فقال رسول الله : بخ بخ ذلك مال رابح ، ذاك مال رابح ، وقد سمعت ما قلت وإني أرى أن تجعلها في الأقربين ، فقال أبو طلحة: إفعل يا رسول الله ، فسمها أبو طلحة بين ثلاثة من أقاربه وبني عمه ، وهم: أبي بن كعب وحسان بن ثابت وأبو قتادة، فهذا أبو طلحة قد وضع صدقته بين يدي رسول الهل وقال: ضعها حيث أراك الله فأرشده إلى صرفها في أقاربه وبني عمه حتى أن أحدهم باع مستحقه منها بصاع دنانير ولم يأمره بأن يجعل له في هذه الحديقة العظيمة أضحية تذبح له بعد موته ، ولو كانت سنة أو أنها أفضل من الصدقة لأمره بها وأرشده إليها ، وهذا واضح جلي.

الحكم الرابع: ما روى البخاري ومسلم عن ابن عمر قال: » أصاب عمر أرضا بخيبر لم يصب مالا قط هو أنفس مه ، فأتى النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ يستأمره فيها فقال رسول الله: إن شئت حبست أصلها وتصدقت بها ، فقال: افعل يا رسول الله ، فتصدق بها عمر، إن لا يوهب أصلها و لا يباع ولا يورث ، فتصدق بها على الفقراء وفي القربى وفي الرقاب وفي سبيل الله وابن السبيل والضيف لا جناح على من وليها أن يأكل منها بالمعروف ويطعم صديقا غير متمول مالا « .

فهذا عمر قد استشار رسول الله في مصرف وقفه في سبيل ما ينفعه بعد موته فأرشده إلى حبس أصله والصدقة بغلته في وجوه البر والخير على الفقراء والقربى وفي الرقاب وفي سبيل الله وابن السبيل والضيف ولم يذكر الأضحية في جملة ما ذكر ، ولو كانت مشروعة أو أنها مما يثاب عليها أو أنها مما يصل إليه بعد موته نفعها لذكرها له رسول الله في جملة ما ذكر، ولما ساغ لعمران ينساها لنفسه وهذا يؤيد قول من قال: أن الأضحية عن الميت غير مشروعة وأنه لا يصل إليه ثوابها ، لأن عدم فعل الصحابة لها وعدم نقلها عن أحد منهم لا في أوقافهم ولا وصاياهم يدل على عدم مشروعيتها ، إذ لو كانت مشروعة أو أن فيها فضيلة لكانوا أحق بالسبق إليها ، فعدم فعلهم لها يعد من الإجماع القديم واستصحاب حكم الإجماع في محل النزاع حجة ، فهي تعد من التعبديات التي يجب لها الوقوف عند الكتاب والسنة وعمل الصحابة والصدر الأول ، فإنهم عن علم وقفوا وببصر نافذ كفوا.

الحكم الخامس : عن أبي أسيد مالك بن ربيعة الساعدي ، قال: » بينما نحن جلوس عند رسول الله إذ جاءه رجل من بين سلمة فقال: يا رسول الله إن أبوي قد ماتا ، فهل بقي على من بر أبوي أبرهما به بعد موتهما؟ قال: نعم ، الصلاة عليهما والاستغفار لهما وانفاذ عهدهما من بعدهما وصلة الرحم التي لا توصل إلا بهما وإكرام صديقهما من بعدهما « رواه أبو داود وابن ماجة وابن حبان في صحيحه وزاد في آخره قال: وما أكثر هذا يا رسول الله وأطيبه ، قال: نعم فاعمل به« ، فهذا الحديث جاء بمثابة نهاية الحكم وفصل الخطاب في أفضل ما يفعله الحي للميت ، وخاصة الولد لوالديه ، فأرشده إلى الدعاء والاستغفار وإنفاذ عهدهما ، أي الوصية العادلة الصادرة منهما أو من أحدهما ، لأن النبي قضى بالدين قبل الوصية ، ثم بالوصية قبل الإرث ، ثم أوصاه بصلة الرحم التي لا توصل إلا بهما ، كإخوانهما أو أخواتهما أو أعمامهما وعماتهما وأخوالهما وسائر من يمت لهما بقرابة وصلة ، ثم قال: وإكرام صديقهما من بعدهما وهذا الإكرام يشمل الصدقة والإحسان وسائر وسائل الإكرام والاحترام ، لأن من البر صلة الرجل أهل ود أبيه ولم يذكر في هذا الحديث على شموله الأضحية ولو كان فعلها من البر أو أن فيها نفعا للميت لذكرها له رسول الله ، لكون السائل المستفيد جاء كالمستزيد من الإرشاد إلى فعل البرد بوالديه بعد موتهما ، فأرشده إلى ما ذكر وقد أحسن من انتهى إلى ما سمع.

الحكم السادس: ما روى مسلم عن أبي هريرة » أن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ قال:
» إذا مات الإنسان انقطع عمله إلا من ثلاث: صدقة جارية أو علم ينتفع به أو ولد صالح يدعو له« ، ولم يذكر الأضحية ولو كانت من الصدقة الجارية أو أنه يصل إليه نفعها بطريق الإيصاء بها أو بفعل أقاربه لها من إهدائهم ثوابها لذكرها كما ذكر الصدقة الجارية ، إذا الصدقة لا تسمى أضحية ، كما أن الأضحية لا تسمى صدقة ، ولكل شيء حكمه على حسب حقيقته ومسماه.

الحكم السابع: عن أبي هريرة قال: » قال رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ : » أن مما يلحق المؤمن من عمله وحسناته بعد موته علما علمه ونشره وولدا صالحا تركه ومصحفا ورثه ومسجدا بناه وبيتا لابن السبيل بناه أو نهرا أجراه أو صدقة أخرجها من ماله في صحته وحياته تلحقه من بعد موته « أخرجه ابن ماجه بإسناد حسن ورواه ابن خزيمة في صحيحه والبيقهي ، فكل هذه النصوص تتضافر وتتفق على فعل الصدقة وفضلها وعموم نفعها ووصول ثوابها إلى الميت ، بحيث لم يبق مجال لقائل في خلاف ذلك وكل من تدبر أوقاف الصحابة والوصايا الصادرة منهم والتي يرجون برها وذخرها عند ربهم ، لن يجد فيها ذكرا للأضحية لكونها غير معروفة عندهم ولا معمول بها و لا يمكن أن يقال أنها سنة فجهلوها ولا أنهم علموها فأهملوا العمل بها ، كل هذا يعد من الأمر المستحيل في حقهم ، وإنما الصحيح أنهم عرفوا عدم مشروعيتها ، فأعرضوا عن العمل بها فتركهم لها يعد من الإجماع الذي هو قطعي للدلالة، وهذا واضح جلي لا مجال للشك في مثله ، وإذا ظهرت أمارات الحق وقامت أدلته وأسفر صبحه فذاك شرع الله ودينه والسبيل الموصل إلى رضاه والفوز بجنته.