![]() |
|
|
أقوال فقهاء المذاهب الأربعة في الأضحية عن الميت
(1) مذهب الإمام مالك ـ رحمه
الله ـ
قال في كتاب مواهب الجيل لشرح مختصر
خليل: » وكره فعلها ،
أي الأضحية عن ميت كالعتيرة« ، وقال في التوضيح ، قال مالك في الموازية: » ولا يعجبني أن يضحي عن أبويه
الميتين« ، قال في الشارح
الكبير: » وإنما كره أن
يضحي عن الميت ، لأنه لم يرد عن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ ولا عن أحد من السلف
، وأيضا أن المقصود بذلك المباهاة والمفاخرة « . وقال المنتفي شرح الموطء ، قال: روى محمد عن مالك قال: لا
يعجبني أن يضحي عن أبويه الميتين ، قال في الشرح : لكون الأضحية من أحكام الحي. وقال في الشرح الكبير على الدردير: » وكره فعلها عن الميت إن لم يكن
عينها قبل موته وإلا ندب للوارث إنفاذها « . وقال في حاشية الدسوقي تحت قوله: » وكره فعلها عن ميت ، قال: فإن
فعلت عنه عن الميت لم يكره« . (2) مذهب الإمام الشافعي ـ
رحمه الله ـ
المشهور من مذهب الإمام الشافعي ،
أن ما عدا الواجب والصدقة والاستغفار لا يفعل عن الميت و لا يصل ثوابه إليه ، فلا
يصل إليه ثواب الأضحية ولا القراءة ولا حج التطوع. قال في تحفة المحتاج شرح المنهاج:
» ولا تقع أضحية
عن ميت إن لم يوصي بها ويفرق بينها وبين الصدقة أنها أي الأضحية تشبه الفداء عن
النفس فتوقفت على الإذن ولا إذن لميت ، بخلاف الصدقة فمن ثم لم يفعلها وارث ولا
أجنبي ، بخلاف نحو حج واجب وزكاة كفارة ، لأن هذه تشبه الديون ولا كذلك التضحية ،
أما إذا أوصى بالأضحية فتصح كما صح عن علي أن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ أمره
أن يضحي عنه كل سنة ، وقال في حاشية الإقناع في حل ألفاظ أبي شجاع : » و لا تجزيء تضحية لأحد عن آخر ولو
كان ميتا كسائر العبادات ، وقال النووي في المجموع شرح المهذب: لو ضحى عن غيره
بغير إذنه لم يقع ، وأما التضحية عن الميت فقد أطلق أبو الحسن العبادي جوازها ،
لأنها ضرب من الصدقة ، والصدقة تصح عن الميت وتنفعه وتصل إليه بالإجماع« . وقال صاحب العدة والبغوي: » لا تصح التضحية عن الميت إلا أن
يوصي بها وبه قطع الرافعي في المجرد واحتج العبادي وغيره في التضحية عن الميت
بحديث علي: أنه كان يضحي بكبشين عن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ وقال: إن رسول
الله أوصاني أن أضحي عنه « . انتهى. فقد عرفت أن كثيرا من الفقهاء لما سمع
بحديث علي أخذ بظاهره حين ظنه صحيحا، فمنهم من بني عليه القول بصحة الأضحية عن
الميت مطلقا ومنهم من بني عليه القول بصحة الوصية بها والوقف عليها ، والحق أن هذا
الحديث ضعيف متروك لا يحتج به، كما حقق ذلك أهل الحديث. (3) مذهب الإمام أبي حنيفة ـ
رحمه الله ـ
المشهور من مذهب الأحناف ، أنه لا
أضحية لميت لعدم مشروعيتها ، قال في بدايع الصنايع: » وإذا اشترك سبعة في بدنة فمات
أحدهم قبل الذبح فرضي ورثته أن يذبح عن الميت جاز ذلك استحسانا ، القياس أنه لا
يجوز ووجه القياس أنه لما مات أحدهم فقد سقط عنه الذبح وذبح الوارث لا يقع عنه ،
إذ الأضحية عن الميت لا تجوز وأنه يمنع من جواز ذبح الباقين للأضحية ووجه
الاستحسان أن الموت لا يمنع التقرب عن الميت ، بدليل أنه يجوز أن يتصدق عنه ويحج
عنه ص 72 ـ ج 5 « . وذكر في المبسوط للسرخي وفتح القدير
وشرح الوقاية ، نحو ذلك ، وأن من العلماء من استحسن الذبح بإذن الورثة ، وتقع عن
الميت قياسا على الصدقة ، وأن منهم من منع ذلك آخذا بظاهر المذهب من أنه لا أضحية
لميت ولأن الذبح إتلاف والإتلاف لا تبرع عن الميت. (4) مذهب الحنابلـــــــة
أنه بمقتضى التتبع والاستقراء
لكتب المتقدمين من الحنابلة مثل: كتاب المغني على سعته وشموله ، وكذا الكافي
والخرقي والشرح الكبير والمقنع المحرر والمذهب الأحمد والإنصاف وزاد المعاد وأعلام
الموقعين وكذا المنتقى والإلمام في أحاديث الأحكام ، كل هذه الكتب المعتمدة لم نجد
في كتاب واحد منها ذكر الأضحية عن الميت ، لعدم العمل بها أو لندرة وقوعها في
زمنهم، وإنما يذكرون الأضحية عن الحي ، وأن ذبحها أفضل من الصدقة بثمنها ، ولم نجد
عن الإمام أحمد نصا في المسألة ، لا جواز و لا منعا ، فلا يجوز نسبة القول بالجواز
إليه إلا عند وجود ما يدل عليه إلا أن يؤخذ من مفهوم قوله: الميت يصل إليه كل شيء
وهي كلمة تحتاج إلى تفصيل كما سيأتي بيانه ، وأسبق من رأيناه تكلم فيها من
الحنابلة هو شيخ الإسلام ابن تيمية ـ رحمه الله ـ فقد سئل عن الأضحية عن الميت ،
فقال: » يجوز أن يضحي
عنه كما يحج عنه ونقل صاحب الاختيارات عنه أنه قال: » التضحية عن الميت أفضل من الصدفة
بثمنها « . وفي الدرر السنية في الأجوبة النجدية
، سئل الشيخ حمد بن ناصر بن معمر: أيهما أفضل الصدقة عن الميت أو الأضحية ؟ فأجاب:
» هذه المسألة
اختلف العلماء فيها ، فذهب الحنابلة وكثير من الفقهاء إلى أن ذبحها أفضل من الصدقة
بثمنها ، وهو اختيار شيخ الإسلام ابن تيميمة وذهب بعضهم إلى أن الصدقة بثمنها أفضل
، وهذا القول أقوى في النظر ، وذلك لأن التضحية عن الميت لم تكن معروفة عند السلف
، إلا أنه روي عن علي ، أنه كان يضحي عن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ ويذكر أن
رسول الله أوصاه بذلك ، والحديث ليس في الصحاح ، وبعض أهل العلم تكلم فيه وبعض
الفقهاء لما سمعه أخذ بظاهره وقال: لا يضحي عن الميت إلا أن يوصي بذلك ، وإن لم
يوص فلا ذبح عنه ، بل يتصدق بثمنها ، فإذا كان هذا صورته فالأمر في ذلك واسع إن
شاء الله « . وقال في المنتهي : » وأضحية عن ميت أفضل منها عن حي « ، وقال في الإقناع: فهذا الكلام وقع منه في تفضيل ذبح
العقيقة على التصدق بثمنها ، وهو أمر مجمع عليه بين الأئمة الأربعة ، بلا خلاف ،
كما أن ذبح الأضحية لخاصة الحي أفضل من الصدقة بثمنها ، باتفاق الأئمة الأربعة ،
على ذلك أيضا بخلاف الأضحية عن الميت ، فقد قال مالك والشافعي وأبوحنيفة بعدم
فعلها عنه لعدم ما يدل على مشروعيتها . وأما قول صاحب المنتهى: وأضحية عن ميت أفضل
منها عن حي ، فإنه باطل قطعا ، لا يعبأ به من له أدنى معرفة بالنصوص ، لكون » الأضحية إنما شرعت في حق من أدركه
العيد من الأحياء ، أشبه مشروعية صلاة العيد على السواء ، وأشبه مشروعية صدقة
الفطر فيمن أدرك عيد الفطر « فهذا هو الأمر الثابت بالكتاب
والسنة وعمل الصحابة والتابعين فلا أدري في أي آية من كتاب الله أو حديث صحيح عن
رسول الله وجدوا فيه مشروعية الأضحية عن الميت ، فضلا عن القول بتفضيلها على أضحية
الحي الثابت فضيلتها بالنص والإجماع ويقابله في البطلان قول صاحب الإقناع: من أن
ذبح الأضحية عن الميت أفضل من الصدقة بثمنها فإن الأضحية عن الميت فيها الخلاف الكبير ، إذ أكثر أئمة
المذاهب يقولون بعدم مشروعيتها ، لهذا تجد الأضحية عن الميت غير معروفة ولا معمول
بها في سائر الأمصار التي ينتحل أهلها العمل بالمذاهب الثلاثة ، كالشام ومصر
والعراق وفارس واليمن ، فليس لها ذكر عندهم ولا في أوقافهم ولا وصاياهم ولا سائر تبرعاتهم
، فكيف يقال بتفضيل ما فيه الخلاف الكبير على الصدقة الثابت فضلها ووصول نفعها إلى
الميت بالنص والإجماع ، فقياس الأضحية عن الميت على أضحية الحي قياس مع الفارق. |