الموضوع التالي

الموضوع التالي

الـفـهـــــرس

الموضوع السابق

الموضوع السابق

 

فصـــــــــــــــــــــــــــل
رد القول بمنع الأكل من أضحية الميت لفاعلها

 

وأما القول: يمنع الأكل من أضحية الميت لكونها بزعمهم حقا للمساكين كما يقوله عبد الله بن المبارك ومن أخذ برأيه ، كما هو الظاهر من مذهب الشافعي وأبي حنيفة . فهذا المنع ليس له مستند من الصحة ، فإن الله سبحانه أباح الأكل من لحوم الأضاحي على الإطلاق ، فقال: » فإذا وجبت جنوبها (أي سقطت بالأرض بعد ذبحها) فكلوا منها وأطعموا القانع والمعتر « ولأن الإنسان يشتري الأضحية ويذبحها لميته على سبيل التبرر ومن نيته أن يأكل هو وأهله وعياله منها ، كما يفعل بأضحيته بنفسه ، فهذا هو المتعارف عند الناس والفعل العرفي كالشرط اللفظي ، وكل امرئ ما نوى ، ولم نجد دليلا يحرم الأكل منها على المتقرب بها ، لكونه ليس في نيته و لا من قصده أن يتصدق بها كلها ، أشبه دم المتعة والقران ، حيث قال بعض الفقهاء بمنع الأكل منه لكونه دم جبران ، والصحيح إباحة الأكل منه ، فإن الله سبحانه أباح الأكل منها ، وقد أكل رسول الله وأزواجه وأصحابه منها ، لكونها دم نسك وليست بدم جبران. ومثله قول من يقول: أن الأضحية متى عينها صاحبها لم يجز له الأكل منها ، كما هو ظاهر مذهب الشافعي ، والتعيين هو أن يقول: هذه أضحية فتصير واجبة التعيين ويحرم عليه الأكل منها عندهم ، وهذا التحريم ليس له مستند من الصحة لا من الكتاب ولا من السنة ولا من عمل الصحابة والتابعين ، فإن الإنسان متى  اشترى أضحيته وسأله سائل عنها ، قال: هذه أضحيتي ، ولن تحرم عليه بهذه الكلمة ، كما في البخاري عن أبي أمامة بن سهل ، قال: » كنا نسمن الأضحية بالمدينة وكان المسلمون يسمنون « ، فهؤلاء الصحابة والمسلمون لا يتحاشي أحدهم من قوله: هذه أضحيتي و لا يرون هذه الكلمة تحرم عليهم ما أحل الله لهم من لحم نسكهم ، ومثله لما قسم النبي الأضاحي بين أصحابه ، إذ من المعلوم أن أحدهم سيقول: هذه أضحيتي وهم أعرف الناس هذا كبش أريد أن أذبحه يوم العيد ، فتكون مباحة الأكل عندهم ، فالتحليل والتحريم يرجع إلى التلفظ بهذا الكلمة وهو ضعيف جدا ، وأن الذي يمتنع الأكل منه على صاحبه هو دم الكفارات على الإطلاق ، كدم جزاء الصيد ، وكذا الدم الواجب لترك واجب من واجبات الحج أو فعل محظوراته ، وكمن نذر أن يتصدق ببدنة أو شاة فيمتنع الأكل منها ، لأنه لو أكل منها لم يصدق عليه أنه أخرج فداء كاملا، وليس كذلك الأضحية عن الميت ، سواء وقعت عنه بطريق الانفراد أو الاشتراك ، وسواء قلنا أنها شرعية أو غير شرعية ، لأنها إن لم تكن شرعية فإنها ذبيحة لحم مباحة الأكل له ولأهله، أشبهت أضحية أبي بردة بن نيار ، التي ذبحها قبل صلاة العيد فكانت غير شرعية ، وأخبر النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ بأنها شاة لحم عجلها له ، أي مباحة الأكل وكذلك الأضحية عن الميت، وهذا ظاهر المذهب ، قال في الإقناع وشرحه » وأضحية عن ميت كأضحية عن حي من أكل وصدقة وهدية« انتهى. حتى ولو نذر ذبح أضحية جاز له الأكل منها ، قال في الشرح
الكبير:
» وإذا نذر أضحية في ذمته ثم ذبحها فله أن يأكل منها، لأن النذر محمول على المعهود والمعهود من الأضحية الشرعية ذبحها والأكل منها « انتهى.

يبقى الكلام في الأضاحي التي أوصى بها الأموات والتي تذبح من غلة الأوقاف والوصايا بأمر الموتى ، فهذه بمثابة الوقت الخيري والوصية في فعلي البر والخير ، فلا يحل للمتولي أكلها مع غناءه عنها لكونها حقا للفقراء والمساكين وفرع بين هذه الأضحية وبين أضحية المتبرع بالصدقة بها ، فإن أضحية المتصدق تذبح على ملكه ، وإنما ثوابه لميته ، فجاز له الأكل منها كأضحيته لنفسه ، أما الأضحية من وقف الميت أو وصيته ، فإنها تذبح على ملك الميت وتصرف في مصارفها الشرعية من الصدقة بها ويكون المتولي لها بمثابة المتولي لمال اليتيم » من كان غنيا فليستعفف ومن كان فقيرا فليأكل بالمعروف « والأصل كونها للفقراء والمساكين.

قال في الرد المحتار لابن عابدين: ولو ضحى عن ميت وارثه بأمره ، أي بأمر الميت في نحو وصية أو وقف ألزم بالتصدق بها وعدم الأكل منها ، وإن تبرع بها عن الميت فله الأكل ، لأنها تقع على ملك الذابح والثواب للميت.