![]() |
|
|
الأضحية الشرعية عن الميت وهل هي شرعية أو غير
شرعية
اعلم أن هذا الفصل هو الباعث لتأليف
الأصل ، وقد سبق بيان مشروعية الأضحية وما يترتب عليها من الفضيلة ، وأن ذبحها
أفضل من الصدقة بثمنها في حق من أدركه العيد من الأحياء ، لأن في ذبحها إحياء
لسنتها وامتثالا لأمر الله فيها واتباعا لسنة رسول الله في مشروعيتها ، كما هو
ظاهر مذهب الأئمة الأربعة وكل الأحاديث الدالة على فضيلتها. إنما يقصد بها أضحية الحي ، إذ هي
المشهورة المشروعة بصريح الكتاب والسنة وعمل الصحابة والتابعين والسلف الصالحين. أما الأضحية عن الميت ، فإنه بمقتضى
التتبع والاستقراء لكتب الصحاح والسنن والمسانيد والتفاسير والسير، لم نجد دليلا
صريحا من كتاب الله ولا حديثا صحيحا عن رسول الله يأمر بالأضحية عن الميت أو يشير
إلى فضلها ووصول ثوابها إليه ، ولم ينقل أحد من الصحابة والتابعين أنهم كانوا
يضحون لموتاهم ، ولم يذكر فعلها عن أحد منهم ، لا في أوقافهم والقول الثاني: أنه لا يجوز ذبحها ،
بل تعود تركة ، لكونه لا أضحية لميت ، حكى القولين في المبسوط وبدايع الصنايع ،
وأشار إليه الطحاوي في مختصره . ولم نجد عن الإمام أحمد ، نصا في
المسألة جوازا ولا منعا ، فلا يجوز
نسبة القول بالجواز إليه عند عدم ما يدل عليه ، إلا أن تؤخذ من مفهوم قوله: الميت
يصل إليه كل شيء وهي كلمة تحتاج إلى تفصيل ، إذ لا يصح أن يصل إلى الميت كل شيء من
عمل الغير حتى عند الإمام أحمد نفسه ، كما سيأتي بيانه ، فالقول: بأن جواز الأضحية
عن الميت هو ظاهر المذهب إنما يتمشى على الاصطلاح الحديث من أن المذهب هو ما اتفق
عليه الإقناع والمنتهي ، وقد قالا بجواز ذلك أو استحبابه ، فهذا شيء ونسبة القول
به إلى الإمام أحمد شيء آخر. وأسبق من رأيناه طرق موضوع الكلام في
المسألة هو أبو داود في سننه حيث قال: » باب الأضحية عن الميت ، حدثنا عثمان بن أبي شيبة ،
حدثنا شريك عن أبي الحسناء عن الحكم عن حنش ، قال: رأيت عليا يضحي بكبشين ، فقلت
له : ما هذا؟ فقال: إن رسول الله أوصاني أن أضحي عنه فلا أزال أضحي عنه « رواه الترمذي في جامعه بلفظه
ومعناه وقال غريب: لا نعرفه إلا من هذا الوجه ، ثم قال صاحب تحفة الأحوذي على
الترمذي: حنش هو أبو المعتمر الصنعاني ، وقد كلم فيه غير واحد ، قال ابن حبان
البستي : كان كثير الوهم في الأخبار ، ينفرد عن علي بأشياء لا تشبه حديث الثقات ،
حتى صار ممن لا يحتج به وشريك: هو أبو عبدالله القاضي فيه مقال وقد أخرج له مسلم
في المتابعات . وأبو الحسناء: هو مجهول لا يعرف قاله ابن حجر في التقريب وقال ابن
العربي في شرح الترمذي : هذا حديث مجهول. ثم قال الترمذي: قد رخص بعض أهل العلم
أن يضحي عن الميت ولم ير بعضهم أن يضحي عنه ، وقال عبد الله بن المبارك: أحب إليّ
أن يتصدق عنه ولا يضحي ، فإن ضحى فلا يأكل منها شيئا ويتصدق بها كلها. وأخرجه
البيقهي في سننه ، وقال: إن ثبت هذا كان فيه دلالة في التضحية عن الميت ، ومن
المعلوم عند أهل الحديث عدم ثباته وأنه ضعيف لا يحتج به . ثم قال صاحب تحفة
الأحوذي على الترمذي ، قلت: إني لم أجد في التضحية عن الميت منفردا حديثا صحيحا
مرفوعا ، وأما حديث علي المذكور في هذا الباب فضعيف ، كما عرفت. وقد أخذ بعض الفقهاء بظاهر حديث علي
ولم ينظروا إلى ضعفه في سنده ومتنه ولا إلى عدم الاحتجاج به ولا إلى عدم عمل
الصحابة بموجبه ، لأن أكثر الفقهاء يتناقلون الأثر على علاته بدون تمحيص ولا تصحيح
وينقل بعضهم عن بعض حتى يشتهر وينتشر ويكون كالصحيح، وكل من تدبر أقوال الفقهاء
القائلين بجواز الأضحية عن الميت مطلقا ، أو بجوازها متى أوصى بها أو وقف وقفا
عليها ، وجدهم يستدلون على ذلك بحديث علي هذا ، أن النبي أوصاه أن يضحي عنه ،
لظنهم أنه صحيح ، لأن غالب الفقهاء لا يعرفون الصحيح من الضعيف معرفة تامة، فينشأ
أحدهم على قول لا يعرف غيره ولم يقف على كلام أهل الحديث في خلافه وضعفه فيظنه
صحيحا ، ويبني على ظنه جواز العمل به والحكم بموجبه ، وقد استأنسوا في هذا الباب
بما روى عن أبي العباس السراج ، وكان أحد مشايخ البخاري أنه قال: » ختمت القرآن للنبي اثنتي عشرة ألف
ختمة ، وضحيت عنه بإثنتي عشرة ألف أضحية « ذكر هذه الحكاية ابن مفلح في
الفروع في إهداء ثواب الأعمال إلى الموتى من آخر كتاب الجنائز وهي حكاية شخص عن
فعل نفسه ليست بأهل أن يصاخ لها وليس من المفروض قبول هذه المجازفة الخارجة عن حدود
الحق والعدل ، إذ ليس عندنا دليل يثبت إهداء الأضحية وتلاوة القرآن إلى رسول الله
، ولو كان صحيحا لكان صفوة أصحابه وخاصة أهل بيته أحق بالسبق إلى ذلك ولم يثبت عن
أحد منهم أنه حج عن رسول الله أو صام أو أهدى ثواب قراءته أو أضحيته إليه ، وإنما
الأمر الذي عهده رسول الله لأمته هو اتباع هديه والاعتصام بكتاب الله وسنة رسوله
وأن يكثروا من الصلاة والتسليم عليه ، وأن يسألوا الله له الوسيلة والفضيلة ، وأن
يبعثه مقاما محمودا الذي وعده ، هذه هو الأمر الذي شرعه رسول الله لأمته ، بخلاف
إهداء ثواب القرب الدينية ، فقد قال شيخ الإسلام ابن تيمية ـ رحمه الله ـ : » لا يستحب إهداء القرب الدينية إلى
النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ بل هو بدعة« قاله في الاختيارات. فمتى كان أهل المعرفة بالحديث متفقين
على أنه لا يوجد في الأضحية عن الميت حديث صحيح يدل دلالة صريحة على الأمر بها ،
فضلا عن أن يكون فيها أخبار متواترة أو مستفيضة امتنع حينئذ التصديق بكون النبي
أوصى بها أو شرعها لأمته ، ولم ينقل فعلها عن أحد من الصحابة ولا أهل بيته ولا
التابعين مع تكرار السنين وحرصهم على محبة الرسول واتباع سنته وتنفيذ أوامره
والعادة تقتضي نقل ذلك لو وقع ، إذ هي من الأمور الظاهرة التعبدية التي تتوفر
الهمم والدواعي على نقلها وتبليغها ، لكونهم أحرص الناس على فعل الخير وإيصال
ثوابه إلى الغير من موتاهم ، فمتى كان الأمر بهذه الصفة علمنا حينئذ أنها ليست
بمشروعة ولا مرغب فيها، والتعبدات الشرعية مبنية على التوقيف والاتباع ، لا على
الاستحسان والابتداع ، كما قال بعض السلف: » كل عبادة لم يتعبدها رسول الله ولا
أصحابه فلا تتعبدوها ، فإن الأول لم يترك للآخر مقالا« . فإن قل بما عرفتم أن الصحابة
والتابعين لم يضحوا عن موتاهم ، قيل: علمنا ذلك بعدم نقله عنهم وهذا أسفار السنة
على كثرتها لا تثبت عن أحد منهم فعلها لا في سبيل تبرعاتهم لموتاهم ولا في أوقافهم
ولا الوصايا الصادرة منهم ، ومن المعلوم أن الأمور الوجودية يتناقلها الناس من
بعضهم إلى بعض حتى تشتهر وتنتشر ، كما نقلوا سائر السنن والمستحبات ، أما الأمور
العدمية التي لا وجود لفعلها ، فإن الناس لا ينقلونها إلا عندما يحتاجون إلى ردها
وبيان الهدى من الضلال فيها ، فلو نقل ناقل أن أصحاب رسول الله كانوا يحجون له أو
يضحون له أو يقرأون القرآن ويهدون ثوابه إليه لحكمنا بكذبه لعدم نقله ولو فتح هذا
الباب لاحتج كل واحد لبدعته بما يؤيدها ، فتفشوا البدع ويفسد الدين. والمقصود أن الأضحية عن الميت لم يثبت
في كتاب الله ولا في سنة رسول الله مشروعيتها ، ولم ينقل عن رسول الله بطريق صحيح
الأمر بها ، ولا بطريق التصريح و لا الإيماء ، ولهذا لم يفعلها أحد من الصحابة ،
فعدم فعلها يعد من الأمر المجمع عليه زمن الصحابة والتابعين واستصحاب حكم الإجماع
في محل النزاع حجة .
|