![]() |
|
|
الأضحية الشرعية
كل من تدبر النصوص الدينية من الآيات
القرآنية والأحاديث النبوية ، يتبين له بطريق الوضوح والجلية والدلائل القطعية أن
الأضحية إنما شرعت في حق من أدركه العيد من الأحياء، أشبه مشروعية صلاة العيد على
السواء ، وأشبه مشروعية صدقة الفطر فيمن أدرك عيد الفطر ، فهي والحالة هذه تعد من
شعائر الدين ومن القرابين التي تقرب لرب العالمين وفيها التشريف لعيد الإسلام وعيد
حج بيت الله الحرام المسمى في كتاب الله بيوم الحج الأكبر ، فيتقربون إلى الله فيه
بإراقة دم القرابين من الأضاحي ودماء المناسك إشهارا لشرفه وإكبارا لأمره ولتكون
أعياد المسلين عالية على أعياد المشركين ، وما يقربونه لآلهتهم من القرابين وفيها
القيام بامتثال طاعة الله والتأسي بسنة رسول الله ، وفي فعلها إظهار لشكر نعمة
الغنى ، حيث جعل من يضحي من الأغنياء المقتدرين ولم يجعله من الفقراء العاجزين.
وهذا يعد من أسمى منازل الرفعة والفضيلة ، لأنه لا أعلى منزلة من طاعة الإنسان
لمولاه والتقرب إليه بوسائل رضاه ، وكان رسول الله يقسم الأضاحي بين أصحابه لتعميم
العمل بهذا السنة وإدخال السرور عليهم بفعلها ، كما أن يذبح أضاحيه بمصلى العيد
بمرأى من جميع الناس ومسمع إشهارا لشرف هذه الشعيرة وإشعارا بمكانها من الشريعة ،
وعن زيد ابن أرقم قال: قلنا أو قالوا : يا رسول الله ما هذه الأضاحي؟ قال: » سنة أبيكم إبراهيم ، قالوا: وما
لنا فيها ؟ قال: بكل شعرة حسنة ، قالوا: فالصوف ، قال: وبكل شعرة من الصوف حسنة « . رواه أحمد وابن ماجة. فالذبح في مثل هذا اليوم يعد من
العبادة لرب العالمين: » إن صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي لله رب العالمين لا
شريك له « ، كما أن الذبح
للصنم والذبح للجان والذبح للزار ، والذبح للقبر، يعد من الشرك المبين ، ففي
البخاري عن علي قال: حدثني رسول الله بأربع كلمات فقال: » لعن الله من ذبح لغير الله ، لعن
الله من لعن والديه ، لعن الله من آوى محدثا ،لعن الله من غير منار الأرض « ، أي مراسيمها . الأضحية إنما
شرعت في حق الحي لا الميت ، بدليل الكتاب والسنة وإجماع الصحابة ، أما القرآن فإن
مبدأ مشروعية الأضحية في الإسلام هي ما قص الله عن نبيه إبراهيم مع إبنه إسماعيل ـ
عليهما السلام ـ حيث قال: » وفديناه بذبح عظيم وتركنا عليه في الآخرين « . وهذا الذبح هو كبش أمر ابراهيم بأن
يذبحه قربانا إلى الله في يوم عيد النحر على ما قيل ، فكان في ذريته ، حيث أمر
رسول الله بأن يبتع ملته ، فسنها رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ لأمته ، كما في
حديث زيد بن أرقم المتقدم ، قال، قلنا أو قالوا: » يا رسول الله ما هذه الأضاحي؟
قال: سنة أبيكم إبراهيم ، قالوا: وما لنا فيها ؟ قال: بكل شعرة حسنة« الحديث، فهذه هي مبدأ مشروعية
الأضحية وأنها من خصوصية الأحياء تشريفا للعيد ، وشكرا لله على بلوغه كما يدل له
قضية الحال والمقال. الوجه الثاني ـ قوله تعالى: » ولكل أمة جعلنا منسكا ليذكروا اسم
الله على ما رزقهم من بهيمة الأنعام فالهكم إله واحد فله أسلموا وبشر المخبتين « . قال ابن عباس: لكل أمة جعلنا منسكا ،
أي عيدا وقال عكرمة ذبحا والمعنى متقارب ، يخبر سبحانه أن الأعياد وتقريب القرابين
فها لا يزال مشروعا في سائر الملل والأمم ، وقوله: ليذكروا اسم الله ، أي عند ذبح
ما رزقهم من بهيمة الأنعام ، فمن الناس من يهل ذبيحته للطواغيت والأصنام فتكون على
آكلها من أصناف الحرام ، ومنهم من يذبحها على اسم الله كالأضاحي ودماء المناسك
وسائر ما يتقرب به إلى الله ويأكلون مما رزقهم الله من لحومها حلالا طيبا ، وهذه
هو حقيقة ما يفعله المسلمون في أعيادهم ، يأكلون ويهدون ويتصدقون ، وفي الآية
الأخرى: وبهذا يترجح قول من قال: » إن وقت الذبح هو يوم العيد وثلاثة
من أيام بعده « ، كما هو ظاهر مذهب الشافعي ، واختيار شيخ الإسلام ابن تيمية وابن
القيم لما روى عن جبير بن مطعم ، أن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ قال: » كل أيام التشريق ذبح « رواه أحمد والدار قطني. وفي رواية: كل فجاج مكة منحر وكل أيام
التشريق ذبح ، ويدل له حديث بنيشة الهذلي، أن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ قال: » أيام التشريق أيام أكل وشرب وذكر
الله عزوجل « وراه مسلم. وعن
عائشة وابن عمر قالا: » لم يرخص في أيام التشريق أن يصمن إلا لمن لم يحد والحاصل أن الخطاب في هذه الآيات موجه
إلى الأحياء الذين أمروا بأن يذكروا اسم الله عند ذبح أضاحيهم ، وأن يأكلوا مما
رزقهم الله من لحومها ، وأن يطعموا البائس الفقير ، وهذا الخطاب لا ينطبق إلا على
الأحياء المكلفين بالأمر والنهي ، المستمعين للقول والمتبعين أحسنه. الوجه الثالث ـ قوله تعالى: » والبدن جعلناها لكن من شعائر الله
لكم فيها خير فاذكروا اسم الله عليها صواف ، فإذا وجبت جنوبها فكلوا منها وأطعموا
القانع والمعتر كذلك سخرناها لكم لعلكم تشكرون « . فأخبر الله بنعمه على عباده التي من
جملتها تسخير البدن لهم (إي الإبل) وجعلها من شعائر الله ولا تكون من شعائر الله
إلا إذا ذبحت في عمل الطاعة كالأضحية والهدي ، قال تعالى: وقوله: » فاذكروا اسم الله عليها صواف « أي عند ذبحها حال كونها معقولة
يدها اليسرى صافة بقية قوائمها ، لأن هذا هو سنة ذبح الأضحية ، قال البخاري: » فاذكروا اسم الله عليها صواف « ، قال ابن عباس: قياما وعن ابن
عمر أنه أتي على رجل قد أناخ بدنته لينحرها فقال: فإذا وجبت جنوبها ، أي سقطت بالأرض
بعد ذبحها فكلوا منها وأطعموا القانع وهو السائل والمعتر وهو المعترض الذي يريك
نفسه لتذكره ، كذلك سخرناها لكم لعلكم تشكرون ، وهذا كله خطاب مع الأحياء الذين
خلق لهم البدن وجعل لهم فيها خيرا يتمتعون بركوبها وبالحمل عليها ويتنعمون
بألبانها ولحومها ، والذين أمروا بأن يذكروا اسم الله عليها عند ذبحها وأن يأكلوا
من لحمها ويطعموا السائل المتكفف والفقير المتعفف ، فلا علاقة في هذه الآيات لذكر
الأموات أبدا، لكونها إنما شرعت في حق الحي الذي هو محل التكليف بالأمر والنهي. الوجه الرابع ـ قوله: » فصل لربك وانحر « ، قال جماعة من المفسرين: نزلت في
صلاة العيد ، ثم في النحر بعده فالذبح للأضحية إنما شرع في حق من خوطب بفعل صلاة
العيد ، تشريفا لعيد الإسلام وشكرا لله على بلوغه وإدخالا للسرور على الأهل
والعيال بأكل اللحم فيه ، وقد قال الفقهاء من الحنابلة بجواز أن يضحي لليتيم من
ماله لإدخال السرور بها عليه ، ويجوز أن تضحي المرأة من مال زوجها بلا إذنه ،
لكونها من النفقة بالمعروف. وأما الأحاديث فمها ما روى البخاري عن
البراء بن عازب: أن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ قال: » إن أول ما نبدأ به في يومنا هذا
نصلي ثم نرجع فننحر، من فعل هذا فقد أصاب سنتنا ونم ذبح قبل الصلاة فإنما هو لحم
قدمه لأهله« ، فقام أبو
بردة بن نيار وقد ذبح فقال: إن عندي عناقا جذعه ، فقال: » إذبحها و لا تجزي عن أحد بعدك« ، ففي هذا الحديث بيان صفة
الأضحية الشرعية وأنها سنة في حق من أدركه العيد من الأحياء . وقد ترجم على ذلك
البخاري في صحيحه فقال: » باب سنة الأضحية ، قال ابن عمر: هي سنة ومعروف ، ثم
ذكر حديث البراء المتقدم وفيه : أن من ذبح على خلاف ما سنه رسول الله في الأضحية ،
فإن ذبيحته شاة لحم وليست من الأضحية في شيء ، لحديث » من عمل عملا ليس عليه أمرنا فهو
رد « . ومنها ما رواه أبو هريرة : أن النبي ـ
صلى الله عليه وسلم ـ قال: » من كان له سعة ولم يضح فلا يقربن
مصلانا« رواه أحمد وابن ماجة وصححه الحاكم ، لكن
رجح الأئمة غيره وقفه. فهذا الحديث إنما خاطب به النبي ـ صلى
الله عليه وسلم ـ من صلى العيد معه وكان لديه مقدرة على الأضحية ، ومنها حديث مخنف
بن سليم : أن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ قال بعرفات: » على أهل كل بيت أضحية في كل عام
وعتيرة « رواه أحمد وأبو
داود والترمذي وابن ماجة وصححه الترمذي ، لكنه منسوخ بحديث » لا فرع و لا عتيرة « ، وقيل: المنسوخ العتيرة فقط
والأضحية باقية ، إما على الأمر للوجوب أو للاستحباب ، وقد أخذ بهذين الحديثين من
قال بوجوب الأضحية ، كما هو ظاهر مذهب أبي حنيفة أنها واجبة على المقيمين من أهل
الأمصار لمواظبة النبي عليها عشر سنين مدة إقامته بالمدينة ، وهي رواية مالك ،
والرواية الثانية عن الإمام أحمد ، والظاهر من مذهب مالك والشافعي وأحمد ، أنها
مستحبة وليست واجبة ، وقال ابن حزم: لا يصح عن أحد من الصحابة أنها واجبة ، وإنما
هي سنة مؤكدة ، قال الإمام أحمد: أكره تركها لمن قدر عليها ، وروى مثل هذا القول
عن مالك والشافعي. ومنها ما روى عطاء بن أبي يسار ، قال:
» سألت أبا أيوب
الأنصاري: كيف كانت الضحايا فيكم على عهد رسول الله ؟ قال: كان الرجل في عهد النبي
يضحي بالشاة عنه وعن أهل بيته ، فيأكلون ويطعمون حتى تباهي الناس فصاروا كما ترى « رواه ابن ماجة والترمذي وصححه. وقد ورد في فضائلها أحاديث كثيرة ،
كحديث » أحضروها إذا
ذبحت، فإنه يغفر لكم بأول قطرة من دمها « وحديث » إن أحب الأعمال إلى الله يوم النحر
إراقة دم «
، وحديث » إنها تأتي يوم القيامة على الصفة
التي ذبحت عليه بقرونها وأظلافها وأن الدم يقع من الله بمكان قبل أن يقع بالأرض« ، وحديث » إن للمضحي بكل شعرة حسنة « ، وحديث » إن الدراهم لأن تنفق في عمل صالح
أفضل من نفقتها في أضحية يوم النحر « ، فهذه الأحاديث وإن كان فيها مقال
للنقاد غير أن هذه النصوص والفضائل إنما وردت في أضحية الحي إذا أنها هي الأضحية
الشرعية المنصوص عليها بالكتاب والسنة وعمل الصحابة والتابعين ، لكون الأحكام
الظاهرة تابعة للأدلة الظاهرة من البينات والاقرارات والشواهد للأحوال ، فلا تحصل
هذه الفضائل إلا إذا وقعت الأضحية موقعها من الصفة المأمور بها على الوجه المطابق
للحكمة في مشروعيتها ، بأن قصد بها امتثال أمر الله واتباع سنة رسول الله ، وتجردت
عن البدع الخاطئة والتصرفات السيئة ، فيكون والحالة هذه ذبحها أفضل من الصدفة بثمنها
، كما هو ظاهر مذهب الإمام أحمد ومالك والشافعي وأبي حنيفة ، ولأن في ذبحها إحياء
لسنتها وخروجا من عهدة من قال بوجوبها ، ولكونه يتمكن من الصدقة كل وقت و لا يتمكن
من فعل الأضحية إلا في الوقت المحدود لها ، أشبه العقيقة فإن ذبحها أفضل من الصدقة
بثمنها بالإجماع. |