الموضوع التالي

الموضوع التالي

الـفـهـــــرس

الموضوع السابق

الموضوع السابق

مقدمـــــة

 

بسم الله الرحمن الرحيم

تذاكر جرى مع بعض المشايخ الكرام في شأن أضحية النبي عن أمته ـ عليه الصلاة والسلام ـ استظهر بعضهم من فعل هذه الأضحية مشروعية الأضحية عن الموتى ، والفعل لا يحتمله ولا يمت له بصله ولم ينقل عن أحد من الصحابة القول به ولا العمل بموجبه لوجوه عديدة:

الوجه الأول:

أن الأضحية إنما شرعت في حق الحي ، فأول من فعلها إبراهيم ـ عليه السلام ـ حيث قال الله » وفديناه بذبح عظيم« ، وهي أضحية أمر أن يذبحها يوم عيد النحر. ثم سنها رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ في أمته تشريفا لعيد الأضحى الذي سمي بإسمها ، وشكرا لله على بلوغه، وإدخالا للسرور على الأهل والعيال فيه ، ولتكون أعياد المسلمين عالية على أعياد المشركين وما يقربونه لآلتهم من القرابين . ولهذا كان النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ يقسم الأضاحي بين أصحابه، لإدخال السرور والفرح عليهم وتعميم العمل بمشروعية الأضحية كما أنه يذبح أضاحيه بمصلى العيد ، إشهارا لشرف هذه الشعيرة ومكانها من الشريعة ، كما أمروا بصلاة العيد ، وأنزل الله : » فصل لربك وانحر « فالذين أمروا بصلاة العيد هم المأمورون بنحر الأضاحي وهم الأحياء ولا علاقة لها بالأموات البتة.

وأما أضحية النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ بالكبش عنه وعن أمته ، فإن الله سبحانه ق أثبت لنبيه الولاية التامة العامة على كافة أمته ، وهي ولاية أحق وأخص من ولاية الرجل على عياله وأهل بيته ونفسه ، فقال تعالى: » النبي أولى بالمؤمنين من أنفسهم « ، وفي الحديث أن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ قال: » أنا أولى بكل مؤمن من نفسه « ، فمن ولايته أضحيته عن أمته كما يضحي أحدنا عن  عياله وأهل بيته ، بل أحق.

وقد ذكر الفقهاء سقوط وجوب الأضحية عن كافة الناس بأضحية النبي عنهم ، وبقي الاستحباب في حق كل من قدر عليها ، وهذه الأضحية وقعت عن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ بطريق الأصالة ، وإنما أشرك جميع أمته في ثوابها ولا يمكن أن يقال: أن النبي ضحى بالكبش عنه وعن أمته ليفهم منه مشروعية الأضحية عن الموتى، والفعل لا يحتمله ولا يمت له بصلة ، ولم ينقل عن الصحابة القول به ولا العمل بموجبه.

 

الوجه الثاني:

أنه توفي عدد من أقارب النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ في حياته ، فتوفي إبنه إبراهيم وتوفي ثلاث من بناته وتوفيت زوجته خديجة ، التي هي أحب النساء إليه ، وكان يكثر من ذكرها ويهدي اللحم إلى صدايقها ، ومع هذا كله لم يضح عنها ولا عن أحد من إبنه وبناته ، ولو كانت الأضحية عن الميت من شرعه ، لما بخل بها عن أحبابه وأقاربه ولفعلها ولو مرة واحدة ، مع العلم أنه متصف بالجود والكرم ، فكان يقسم الأضاحي بين أصحابه لتعميم العمل بسنة الأضحية.

الوجه الثالث:

أن الصحابة هم الذين حفظوا سنة رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ وبلغوها إلى الناس، ولم يحفظ عن أحد منهم أنه ضحى عن ميته ولا أوصى أن يضحي عنه بعد موته ، ولا وقف وقفا له في أضحية وهم أحرص الناس على اتباع السنة وأبعدهم عن البدعة ، فلو كانت الأضحية عن الميت سنة أو أن فيها فضيلة ، أو أن نفعها يصل إلى موتاهم ، لكانوا أحق بالسبق إليها ولو كان خيراً لسبقونا إليه . أ فيقال أنها سنة فجهلوها ، أو أنهم علموها فأهملوا العمل بها ، كل هذا لا يمكن نستبه إليهم.

الوجه الرابع:

أن جميع الصحابة الذين سألوا رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ عن أفضل ما يفعلونه لموتاهم ، إنما أرشدهم النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ إلى الدعاء والصدقة وصلة الأقارب وقضاء الواجبات من حج ونذر ، فهذا سعد بن عبادة ، قال: يا رسول الله ، إن أمي أفتلتت نفسها ولم توص ، أفلها أجر إن تصدقت عنها ؟ فقال: نعم ، تصدق عن أمك. ولم يقل ضح عن أمك . وهذا أبو طلحة ، وضع بيرحاء بين يدي رسول الله وقال: » ضعها حيث أراك الله ، فقال: بخ مال رابح أي أن تجعلها في أقاربك « ، ولم يأمره أن يجعل فيها أضحية تذبح عنه بعد موته ، كما يفعله بعض الناس ، وهذا عمر بن الخطاب استشار رسول الله في مصرف وقفه الذي هو أنفس مال عنده، فأشار عليه رسول الله بأن يحبس أصلها ويتصدق بثمرها ، فتصدق بها عمر على الفقراء وفي القربى وفي الرقاب وفي سبيل الله وابن السبيل والضيف ، ولم يجعل له فيها أضحية ولو كانت مشروعة أو أنها أفضل من الصدقة لأرشده النبي إليها ، ولما ساغ لعمر بن الخطاب أن ينساها لنفسه وهو أحرص الناس على إيصال النفع له بعد موته .

فالصدقة عن الميت وخاصة من الأولاد عن والديهم هي أفضل من ذبح الأضحية ، لكون الصدقة قد أجمع العلماء على فضلها ووصول نفعها سيما إذا خرجت من المتصرف في عشر ذي الحجة الذي العمل فيها أفضل من غيرها ، وتصادف من الفقير موضع حاجة وشدة وفاقة ، لما يتطلبه العيد من الكسوة والنفقة ولعياله.

الوجه الخامس:

إن القائلين بمشروعية الأضحية عن الميت أخذا من مفهوم أضحية النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ عنه وعن أمته ، أنه فهم غير صحيح ولا مطابق للواقع ، فإن هذه الأضحية وقعت عن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ بطريق الأصالة، وقد أشرك جميع أمته في ثوابها ولم يخص بذلك الأموات دون الأحياء ، وهذه لا يقاس عليها لاعتبارها من خصائصه ، فإن هذه الأضحية دخل في ثوابها الأحياء الموجودون من أمته وقت حياتهم ، كما دخل فيها المعدومون ممن سيوجد من أمته إلى يوم القيامة ، وهذا الفعل بهذه الصفة لا ينطبق على أضحية غيره ، وقد اتفق العلماء على أنه لا يجوز أن يضحي عن المعدوم كمن سيولد له حتى ولا الحمل في البطن لا يضحي عنه ، ولا يضحي عن حي ليس من أهل بيته بغير إذنه ، فدلت على الاختصاص به وعدم التشريع بها والحالة هذه.

الوجه السادس:

          إذ لو كانت للتشريع كما يقولون لاستحب لكل مقتدر أن يضحي عن أمة محمد الموجودين والمعدومين كما فعل رسول الله ، إذ هذا محض الأسوة به ، ولم يقل بذلك أحد من العلماء فسقط الاستدلال بموجبه .

الوجه السابع:

          إن أهل المعرفة بالحديث متفقون على أنه لا يوجد في الأضحية عن الميت حديث صحيح ولا حسن يدل دلالة صريحة على الأمر بها ، فضلا عن أن يكون فيها أخبار متواترة أو مستفيضة ، فمتى كان الأمر بهذه الصفة امتنع حينئذ التصديق بكون النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ أوصى بها وشرعها لأمته ، ولم ينقل فعلها عن أحد من الصحابة ولا التابعين ، مع تكرار السنين وحرصهم على محبة الرسول واتباع سنته وتنفيذ أوامره ، والعادة تقتضي نقل ذلك لو وقع منهم ، إذ هي من الأمور الظاهرة التعبدية التي تتوفر الهمم والدواعي على نقلها وتبليغها ، لكونهم أحرص الناس على فعل الخير وإيصال ثوابه إلى الغير من موتاهم ، فمتى كان الأمر كذلك علمنا حينئذ أنها ليست بمشروعة ولا مرغب فيها ، لأن عدم فعلها يعتبر من الإجماع السابق زمن الصحابة واعتبار حكم الإجماع في محل النزاع حجة .

الوجه الثامن:

  إن قدماء فقهاء الحنابلة من لدن القرن الثاني الذي فيه الإمام أحمد إلى القرن الثامن الذي فيه شيخ الإسلام ، لم يحفظ عن أحد منهم ولم نجد في شيء من كتبهم القول بمشروعية الأضحية عن الميت إلى أن نسب عن شيخ الإسلام ابن تيمية ـ رحمه الله ـ القول باستحبابها ، ثم أخذها صاحب الإقناع والمنتهى فأدخلاها على المذهب في القرن الحادي عشر ، حيث قالا: » وأضحية عن ميت أفضل منها عن حي « ، وفي الإقناع : » وذبحها ولو عن ميت أفضل من الصدقة بثمنها« .

وقد علمنا أن قولهما في استحباب الأضحية عن الميت أنه قد طبع وانتشر واشتهر وحفلت به الجماهير والخلق الكثير ورسخت حقيقته في ذهن الصغير والكبير إلى حالة أنهم صاروا يضحون لموتاهم وينسون أنفسهم على نسبة عكسية من مشروعية الأضحية . وليس كل ما يكتبه الفقيه أو يفتي به يكون حجة على الناس بدون دليل يؤيده ، لأن الفقيه قد يقول القول المرجوح الذي يعجزه أن يقيم الحجة على صحته فيطبع وينشر ويحفل به الجماهير والخلق الأكثر وهو غير صحيح في نفس الأمر والواقع وقد ذكر حمد بن ناصر بن معمر من مشايخ الدعوة: أن سبب منشأ القول بمشروعية الأضحية أن الفقهاء لما سمعوا بحديث حنش الصنعاني عن علي: أن رسول الله أوصاه أن يضحي عنه فظنوه صحيحا وبنوا على ظنهم جواز العمل به .

الوجه التاسع:

          مذاهب الأئمة الثلاثة ، وهم : مالك ، والشافعي ، وأبو حنيفة ، كلهم متفقون على عدم استحباب الأضحية عن الميت لعدم ما يدل على مشروعيتها ، وقد ذكرنا أقوالهم في الرسالة معزوة إلى كتبهم.

          وحتى الإمام أحمد ، لم نجد عنه نصا في استحباب الأضحية عن الميت ولا عن أحد من أصحابه القدماء ، وإنما أدخلها صاحب الإقناع والمنتهي على المذاهب.

ولهذا تجد الأضحية عن الميت على سبيل الانفراد غير معروفة ولا معمول بها في سائر الأمصار الذي يحكم أهلها بمذاهب الأئمة الأربعة ، كالشام ، ومصر والعراق وفارس ، واليمن، حتى باعتراف العلماء الموجودين على قيد الحياة ، فلا تذكر الأضحية عن الميت لا في أوقاتهم ولا وصاياهم ولا تبرعاتهم ، لاعتقادهم عدم مشروعيتها ، فكيف يقال بتفضيل ما اتفق الأئمة الثلاثة على عدم مشروعيته على فعل الصدقة عن الميت الثابت بالنص فضلها ، والمجمع على وصول نفعها وخاصة من الأولاد لوالديهم.

الوجه العاشر:

أن الصحابة والتابعين لم ينقل عنه فعل الأضحية عن موتاهم ، فقد علمنا ذلك بعدم نقله عنهم وهذه أسفار السنة على كثرتها منشورة بين الناس ، وهي لا يثبت عن أحد منهم فعلها لا في سبيل تبرعاتهم و لا أوقافهم ولا وصاياهم ، ومن المعلوم أن الأمور الوجودية الصادرة من مثل الصحابة يتناقلها الناس من بعضهم إلى بعض حتى تشتهر وتنتشر كما نقلوا سائر السنن من الواجبات والمستحبات.

أما الأمور العدمية التي لا وجود لفعلها كالأضحية عن الميت ونحوها ، فإن الناس لا ينقلونها إلا عندما يحتاجون إلى ردها وبيان الهدى من الضلال فيها ، فلو نقل ناقل أن أصحاب رسول الله كانوا يضحون لرسول الله أو يحجون له أو يقرأون القرآن ويهدون ثوابه إليه ، لحكمنا بكذبه لعدم نقله ولو فتح هذا الباب لاحتج كل واحد لبدعته بما يؤيدها من عدم ثبوت إنكارها فتفشو البدع ويفسد الدين.

الوجه الحادي عشر:

أن كل من تدبر النصوص الدينية من الكتاب والسنة وعمل الصحابة ، فإنه يتبين له بطريق الجلية أن الأضحية إنما شرعت في حق من أدركه العيد من الأحياء ، شكرا لله على بلوغه واتباعا للسنة في إراقة الدم فيه لله رب العالمين ، أشبه مشروعية صدقة الفطر عن عيد الفطر ، لإغناء الطوافين من الفقراء والمساكين فلو قال قائل بمشروعية صدقة الفطر عن الأموات لعده العلماء مبتدعا ، لعدم ما يدل على مشروعيته ذلك وهذا هو عين ما فهمه الصحابة من حكمة الأضحية ، فكيف يمكن أن يقال بعد هذا أن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ ضحى بالشاة عن نفسه وعن أمته ليفهم عنه جواز الأضحية عن الموتى والفعل لا يحتمله و لا يمت له بصلة ، ولم ينقل عن علماء الصحابة القول به و لا العمل بموجبه ، وهذا واضح جلي لا مجال للشك في مثله .

ولا عجب من كون جهلة العوام يستغربون القول بهذا فتنفر منه نفوسهم ، ولم تطمئن إليه قلوبهم ، لعدم اعتيادهم لسماعه فضلا عن العمل به ، ولأن من تربى على مذهب وتعود على العمل به في بلده ، واعتقد صحته ، فإن من طبيعة استنكار العمل بمخالفته لاعتقاده أنه خروج عن دين الله أو عن طاعة الله ورسوله والعامي مشتق من العمي وهم أتباع القادة من العلماء .

ولهذا السبب أحببت توطيد ثابت ما قلت من عدم مشروعية الأضحية عن الميت بما يكون كالمؤنس له والمؤذن بقبوله من نصوص الكتاب والسنة وعمل الصحابة ومذاهب الأئمة الأربعة ، إحترازا مما قد يسبق إليه الوهم ويسوء فيه الفهم من دعوى الشذوذ بالقول به أو عدم سبق العلم بموجبه ، وقد مدح الله الذين يستمعون القول فيتعبون أحسنه ، والله أعلم.

*                         *                        *

أيها القرّاء الكرام

إن هذه الرسالة الوجيزة لن يظهر للقارئ حقيقة صحتها و لا رجحان مصلحتها ، إلا بعد استكمال دراستها ، ثم عرضها على محك التمحيص وميزان التصحيح من نصوص الأصول وأمهات الفروع كلها من كتب المذاهب ، ليتبين بذلك جلية أمرها ورجحان مصلحتها ومن ادعى خلاف ما قلنا فيها ، فإنه مطالب بالدليل ولمؤمن لدى الحق أسير . إذ ليس كل ناقل خبير ولا كل ناقد بصير ، سوى الله الذي لا معقب لحكمه ، نعم المولى ونعم النصير.