![]() |
|
|
الإصلاح و التجديد بالعلم و العدل و
الدين سألني غير واحد عن حديث ( إن الله يبعث على رأس كل مائة
سنة لهذه الأمة من يجدد لها دينها ) . فيسألون هل هذا حديث ، و هل هو صحيح أو غير صحيح ؟ فأجبتهم بأن هذا الحديث رواه أبو داود و صححه الحافظ
العراقي و العلامة السخاوي .. و أقول : إن الإصلاح و التجديد بالعلم و العدل و الدين
فضل من الله يوفقه له من يختاره الله من صفوة عباده المؤمنين ، من حاكم و عالم و
محتسب لفعل الخير و الصلاح ، و الأمر به و الله يقول» و ممن خلقنا أمة يهدون
بالحق و به يعدلون « فهذا الحق و الحكم به هو من
الإصلاح و التجديد لما اندرس من الدين ، فقد يكون في رأس القرن أو في وسطه أو في
آخره . فليس لرأس القرن مزية على غيره من سائر الأعوام و الشهور و الأيام . لكنها توجد نصوص صحيحة صريحة مثل قول النبي صلى الله
عليه وسلم : » لا تزال طائفة من هذه الأمة على
الحق منصورة ، لا يضرهم من خذلهم ، و لا من خالفهم حتى تقوم الساعة « . فالإصلاح و التجديد يكون بسبب من يصلحه الله من عالم ، و
حاكم ، في شهر، و في أي سنة كما يدل له حديث » لا يزال الله
يغرس لهذا الدين غرسا يستعملهم في طاعته ، ينفون عن الدين تحريف الغالين ، و
انتحال المبطلين ، و تأويل الجاهلين « . و مثله ما رواه الترمذي عن أنس قال : قال : رسول الله
صلى الله عليه وسلم : » و مثل أمتي مثل المطر لا يدرى أوله خير أم آخره « . قال الحافظ ابن حجر في » فتح الباري « : هذا حديث حسن
، له طرق قد يرتقي بها إلى الصحة ، قال : و صححه ابن حبان من حديث عمار . فكل هذه الآثار تدل دلالة واضحة على تقلب الأحوال ، و
تغير الأزمان و أن الدين معها محفوظ عن الزوال ، لا يزال باقيا دائما يتقلب بين
الضعف و النشاط ، حتى تقوم الساعة ، فمن ظن أن الله يديل الباطل على الحق إدالة
مستمرة ، أو أن الأشرار تتسلط على الأخيار دائما ، فقد ظن بالله ظن السوء . و لكن الدنيا دار ابتلاء ، و امتحان ن و دار جدال ، و
جهاد ، فالمصارعة فيها لا تزال قائمة بين الحق و الباطل ، و بين الهدى و الضلال ،
و بين العلم و الجهل ، والعاقبة للتقوى .
» ذلك و لو يشاء الله لانتصر منهم و
لكن ليبلو بعضكم ببعض « » و لنبلونكم حتى نعلم
المجاهدين منكم و الصابرين و نبلو أخباركم « . إن الله سبحانه قادر على أن يخلق في كل قرن عشرات ، أو
مئات ، من العدول فلا حاجة للمسلمين في أن يهربوا من واقعهم ، و يتركوا
واجبهم ، لانتظار مهدي يجدد لهم دينهم ، يبسط العدل بينهم ، فيركنوا إلى الخيال ،
و المحالات ، و يستسلموا للأوهام ثم يفرض عليهم علماؤهم التحجر الفكري ، و الجمود
الاجتماعي ، على اعتقاد ما تربوا عليه في صغرهم ، و ما تلقوه عن آبائهم و مشايخهم
، أو على رأى عالم ، أو فقيه يوجب الوقوف على رأى مذهبه ، و عدم الخروج عنه و على
أثره يوجب عليهم الإيمان بشخص غائب ، هو من سائر البشر يأتي في آخر الزمان ، فينقذ
الناس من الظلم و الطغيان . إن من واجب المسلمين في كل زمان و مكان ، أن يتكاتفوا
على البر و التقوى ، و يتناهوا عن الإثم و العدوان ، و أن ينصحوا من ولاه الله
أمرهم بالحكمة و الموعظة الحسنة ، دون خروج عليه ، و دون محاولة قلب نظام الحكم
فإن هذا أساس كل فتنة و شر . لقد رأينا في هذا الزمان من يدعي الإسلام ، و إذا تولى
سعى في الأرض ليفسد قال العلامة ابن القيم رحمه الله في كتابه » أعلام الموقعين « : ( إن النبي
صلى الله عليه وسلم شرع لأمته إنكار المنكر ، ليحصل بإنكاره من المعروف ما يحبه
الله و رسوله . فإذا كان إنكار المنكر يستلزم ما هو أنكر ، و أكبر منه ،
و أبغض إلى الله و رسوله ، فإنه لا يسوغ إنكاره ، و إن كان الله يبغضه ، و يمقت
أهله ، مثل الإنكار على الملوك ، و الولاة بالخروج عليهم ، فإنه أساس كل شر و فتنة
إلى آخر الدهر . و قد استأذن الصحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم في
قتال الأمراء الذين يؤخرون الصلاة عن وقتها ، و قالوا :أفلا نقاتلهم ؟ فقال : » لا ما أقاموا فيكم
الصلاة « . و قال : » من رأى من أميره ما يكره ، فليصبر ، ولا ينزعن يدا عن طاعة « قال : و من
تأمل ما جرى على الإسلام من الفتن الصغار و الكبار ، و أنها إنما حدثت عن عدم
الصبر على منكر قد طلبوا إزالته ، فتولد عنه ما هو أكبر منه ، فقد كان رسول الله
يرى بمكة أكبر المنكرات و لا يستطيع تغييرها ، فالمنكر متى زال و خلفه ضده من
المعروف ، وجب إنكاره ؛ متى خلفه ما هو أنكر و أكبر منه حرم إنكاره . و سمعت شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله يقول : مررت أنا
بعض أصحابي زمن التتار بقوم منهم يشربون الخمر ، فأنكر عليهم من كان معي فأنكرت
عليه و قلت : إنما حرم الله الخمر لكونها تصد عن ذكر الله ، وعن الصلاة ، و هؤلاء
يصدهم الخمر عن قتل النفوس ، سبي و المقصود أن أحق من يتصف بالإصلاح و التجديد ، هم
العلماء الذين هم ورثة و الحمد لله الذي جعل في كل زمان بقايا من أهل العلم و
التقى ، يدعون من ضل عن الهدى ، و يبصرون بنور الله أهل العمى ، يجددون ما اندرس
من السنة ، و يحيون ما أماته الناس منها ، فهم أنفع الناس للناس ، و لو لا العلماء
لكان الناس بمثابة البهائم ، و كم مضى من المصلحين المجددين ، ما لا يعد ولا يحصى
، و سيأتي من بعدهم من يخلفهم على أما الحكام فإنهم دون مرتبتهم في العلم و العمل ، و
معرفة الحق بدليله ، فمتى وفق الحاكم للإحسان و العدل ، و تنفيذ الحق و تحكيم
الشرع ، و نصر المظلوم ، و ردع الظالم ، و استيفاء الحق منه ، فإن هذا نعمة من
الله ، و فضل على العباد و البلاد . و قد قيل : الحاكم ظل الله في أرضه ، يأوي إليه كل مظلم
من عباده ( و لو لا دفع الله الناس بعضهم ببعض لفسدت الأرض ) . إذ العدل قوام الدنيا و الدين ، و صلاح المخلوقين ، و له
وضعت الموازين فمتى اتصف به الحاكم ، ألزم النفوس طاعته ، و القلوب محبته ، و أشرق
بنور عدله زمانه ، و كثر على عدوه و أنصاره و أعوانه ، و ما أحسن ما قيل :
إنه من المعلوم بمقتضى النصوص ، و بالواقع المحسوس ، أن
للدين فمن إقبال الدين : أن تفقه القبيلة بأسرها ، حتى لا يكون
فيها إلا الفاسق ، أو و إن من إدبار الدين : أن تجفو القبيلة عنه بأسرها ، و
تنحل عن عزائم دينها و تفسق عن أمر ربها ، حتى لا يكون فيها إلا الفقيه ، أو
الفقيهان ، فهما مقهوران ذليلان … و من المعلوم أن الناس يزدادون إسرافا في الرذائل ، و في
ترك الفرائض ، و الفضائل عاما بعد عام ، و الدين معها محفوظ عن الزوال ، و يبقى
أفضل الجهاد فيه ، و العمل و التمسك به ، و الصبر على الأذى فيه . و أن صفة الأمة هم : أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم
الذين هم أبر هذه الأمة و في رواية : تسبق شهادة أحدهم يمينه ، و يمينه شهادته ،
مما يدل على فساد دينهم و يدل له ما روى البخارى في صحيحه ، أن النبي صلى الله عليه
وسلم قال : » يذهب ومن المعلوم أنه متى ذهب الصالحون المصلحون ، الآمرون
بالمعروف ، و الناهون عن المنكر ، فإنه يخلو الجو للفاسدين الفاسقين ، فيبيضون و
يصفرون . و من أشراط الساعة : أن يذهب العلم ، يفيض الجهل ، كما
في الصحيحين من حديث عبد الله بن عمرو ، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : » إن الله لا ينزع العلم
انتزاعا ينتزعه من صدور الرجال ، و لكن بقبض العلماء حتى إذا لم يبق عالم اتخذ
الناس رؤساء جهالا ، فسئلوا فأفتوا بغير علم ، فضلوا و أضلوا « و لهذا حث
النبي صلى الله عليه وسلم على التمسك بسنته عند فساد أمته ، و قال في حديث العرباض
بن سارية : » أنه من يعش منكم فسيرى اختلافا و قد سماها النبي صلى الله عليه وسلم بأيام الصبر ، و
قال » إن من ورائكم أيام إن أكثر الناس في هذا الزمان يتسمون بالإسلام ، و هم منه
بعداء ، و ينتحلون بأنهم من أهله ، و هم له أعداء ، يعادون بنيه ، و يقوضون مبانيه
، لم يبق معهم منه سوى محض التسمي به ، و الانتساب إليه ، بدون عمل به ، و لا
انقياد لحكمه ، فترى أكثرهم لا يصلون الصلوات الخمس المفروضة ، و لا يؤدون الزكاة
الواجبة ، و لا يصومون رمضان ، و يستحلون
يقول بعض الناس : إن الدين إذا فسد العمل به صار آلة ضعف
و انحطاط و نحن
فمتى أفسد الناس بترك أوامره ، و ارتكاب نواهيه فقد
خرجوا عن حده و استبدلوا به فكل ضعف حصل بالمسلمين فبسبب ما ضيعوه من تعاليم الدين ،
حتى التنازع و لضعف الدين عوامل عديدة ، تساعد على ضعف الناس ، منها
: قول عمر ابن و روى مسلم عن ثوبان أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : » إنما أخاف على و الخطر المخوف من زلة العالم هو : الاغترار به فيها ، و
متابعته عليها إذ لو لا و الناس غالبا على طرائق ملوكهم في الخير و الشر ، و متى
فسد الراعي فسدت الرعية . و منها : دنيا تقطع أعناق الناس ، حتى تجعلهم كالميتين
عن مصالحهم الدينية ، و عن ما يوجب قوتهم ، و استقامتهم و الاستعداد للجهاد في
سبيل الله ، لأن شغفهم بلذاتها المادية ، قد شغلهم عن الأمور الدينية ، فلأجل حبها
صارت هي الجيش الغازي لبلاد الإسلام في هذا كل ما كان أصلا للفساد فإنه يكون سببا لدخول الضعف منه
على العباد .
فهذا الضعف الحاصل بالمسلمين ليس من الدين ، و إنما حصل
بسبب ما ضيعوه من تعاليم الدين . ثم إن هذا الضعف و الغربة في الدين لا يلزم أن تدوم ، بل
قد تقع ، ثم تزول ، إذ هي وصف عارض ، كالأمراض الطبيعية ، و ربما صحت الأبدان
بالعلل .
فقد يعود الإسلام إلى قوته ، و يفيء من غربته ، كما اشتد
ضعفه و غربته زمن وفاة النبي صلى الله عليه و سلم ، حتى ارتدت العرب عنه ، و لم
يبق مسجد يصلي فيه مسجد مكة و مسجد المدينة ، و مسجد عبد القيس بجواثى أي الإحساء
، و لهذا يقول شاعرهم :
و على أثر هذا الضعف ، و هذه الغربة ، جاهد الصحابة في
الله حق جهاده حتى استعادوا قوة الدين و نشاطه . فقول النبي صلى الله عليه وسلم : » بدأ الإسلام غريبا
، و سيعود غريبا كما بدأ ، فطوبى
للغرباء « رواه مسلم من حديث أبي هريرة ، و رواه الإمام أحمد ،
و ابن ماجه من حديث ابن مسعود و فيه قالوا : يا رسول الله من الغرباء ؟ قال :
النزاع من القبائل « . و في رواية و قد اتخذ الناس هذا الحديث بمثابة التخدير للهمم ، و
التخذيل للأمم بحيث يتخذونه بمثابة العذر لهم عن القيام بما أوجب الله عليهم من
الجهاد في سبيله ، و الأمر بالمعروف ، و النهي عن المنكر ، و النصيحة لله ، و
لأئمة المسلمين و عامتهم ، حتى كأن الرسول بزعمهم قصد بهذا الحديث الاستسلام لهذا
الضعف المفاجئ للمسلمين ، و لهذه الغربة في الدين . و إن هذه الغربة تقع في مكان دون مكان ، و في زمان دون
زمان ، فمثل الرسول في الإخبار كمثل خريت الأسفار ، ويخبر قومه بمفاوز الأقطار و مواضع الأخطار ، و ليتأهبوا
بالحزم ، و فعل أولي العزم من وسائل التعويق و يحترسوا بالدفع لقطاع الطريق ، كما
في صحيح مسلم من حديث ابن عمر قال : » كنا مع النبي صلى الله
عليه وسلم في سفر فنزلنا فالعاقل لا يستوحش طرق الهدى من قلة السالكين ، و لا
يغتر بكثرة الهالكين التاركين للدين ، فإن الله يقول : ( و ما أكثر الناس و لو
حرصت بمؤمنين ) . و سبحان ربك رب العزة عما يصفون و سلام على المرسلين و
الحمد لله رب العالمين . |