الموضوع التالي

الموضوع التالي

الـفـهـــــرس

الموضوع السابق

الموضوع السابق

الإصلاح و التجديد بالعلم و العدل و الدين

سألني غير واحد عن حديث ( إن الله يبعث على رأس كل مائة سنة لهذه الأمة من يجدد لها دينها ) .

فيسألون هل هذا حديث ، و هل هو صحيح أو غير صحيح ؟

فأجبتهم بأن هذا الحديث رواه أبو داود و صححه الحافظ العراقي و العلامة السخاوي ..

و أقول : إن الإصلاح و التجديد بالعلم و العدل و الدين فضل من الله يوفقه له من يختاره الله من صفوة عباده المؤمنين ، من حاكم و عالم و محتسب لفعل الخير و الصلاح ، و الأمر به
و الدعوة إليه في أي زمان و في أي مكان ، أشبه الغيث النازل من السماء على أي مكان و في كل زمان . و خير الناس أنفعهم للناس ، و خير الناس من يرجى خيره و يؤمن شره ، و الخير خزائن و الناس لها مفاتيح ، فمن الناس من يكون مفتاحا للخير مغلاقا للشر .

و الله يقول» و ممن خلقنا أمة يهدون بالحق و به يعدلون « فهذا الحق و الحكم به هو من الإصلاح و التجديد لما اندرس من الدين ، فقد يكون في رأس القرن أو في وسطه أو في آخره . فليس لرأس القرن مزية على غيره من سائر الأعوام و الشهور و الأيام .

لكنها توجد نصوص صحيحة صريحة مثل قول النبي صلى الله عليه وسلم : » لا تزال طائفة من هذه الأمة على الحق منصورة ، لا يضرهم من خذلهم ، و لا من خالفهم حتى تقوم الساعة « .

فالإصلاح و التجديد يكون بسبب من يصلحه الله من عالم ، و حاكم ، في شهر، و في أي سنة كما يدل له حديث » لا يزال الله يغرس لهذا الدين غرسا يستعملهم في طاعته ، ينفون عن الدين تحريف الغالين ، و انتحال المبطلين ، و تأويل الجاهلين « .

و مثله ما رواه الترمذي عن أنس قال : قال : رسول الله صلى الله عليه وسلم : »  و مثل أمتي مثل المطر لا يدرى أوله خير أم آخره « .

قال الحافظ ابن حجر في » فتح الباري « : هذا حديث حسن ، له طرق قد يرتقي بها إلى الصحة ، قال : و صححه ابن حبان من حديث عمار .

فكل هذه الآثار تدل دلالة واضحة على تقلب الأحوال ، و تغير الأزمان و أن الدين معها محفوظ عن الزوال ، لا يزال باقيا دائما يتقلب بين الضعف و النشاط ، حتى تقوم الساعة ، فمن ظن أن الله يديل الباطل على الحق إدالة مستمرة ، أو أن الأشرار تتسلط على الأخيار دائما ، فقد ظن بالله ظن السوء .

و لكن الدنيا دار ابتلاء ، و امتحان ن و دار جدال ، و جهاد ، فالمصارعة فيها لا تزال قائمة بين الحق و الباطل ، و بين الهدى و الضلال ، و بين العلم و الجهل ، والعاقبة للتقوى .

تعجب فهذه سنة الرحمن

 

و الدين منصور و ممتحن فلا

» ذلك و لو يشاء الله لانتصر منهم و لكن ليبلو بعضكم ببعض « » و لنبلونكم حتى نعلم المجاهدين منكم و الصابرين و نبلو أخباركم « .

إن الله سبحانه قادر على أن يخلق في كل قرن عشرات ، أو مئات ، من العدول
المهتدين ، و من المصلحين ، الذين يأمرون بالمعروف و ينهون عن المنكر، و يهدون إلى الحق و العدل ،  ويهدون إلى صراط مستقيم . كما فعل ذلك من قبل ، و سيفعله من بعد أن شاء الله ، كما قال علي رضي الله عنه : لا تخلو الأرض من قائم لله بحجة ، لكيلا تبطل حجج الله على عباده أولئك الأقلون عددا ، الأعظمون عند الله قدرا ، بهم يدفع الله عن حججه حتى يؤدوها إلى
نظرائهم ، و يزرعوها في قلوب أشباههم .

فلا حاجة للمسلمين في أن يهربوا من واقعهم ، و يتركوا واجبهم ، لانتظار مهدي يجدد لهم دينهم ، يبسط العدل بينهم ، فيركنوا إلى الخيال ، و المحالات ، و يستسلموا للأوهام
و الخرافات .

ثم يفرض عليهم علماؤهم التحجر الفكري ، و الجمود الاجتماعي ، على اعتقاد ما تربوا عليه في صغرهم ، و ما تلقوه عن آبائهم و مشايخهم ، أو على رأى عالم ، أو فقيه يوجب الوقوف على رأى مذهبه ، و عدم الخروج عنه و على أثره يوجب عليهم الإيمان بشخص غائب ، هو من سائر البشر يأتي في آخر الزمان ، فينقذ الناس من الظلم و الطغيان .

إن من واجب المسلمين في كل زمان و مكان ، أن يتكاتفوا على البر و التقوى ، و يتناهوا عن الإثم و العدوان ، و أن ينصحوا من ولاه الله أمرهم بالحكمة و الموعظة الحسنة ، دون خروج عليه ، و دون محاولة قلب نظام الحكم فإن هذا أساس كل فتنة و شر .

لقد رأينا في هذا الزمان من يدعي الإسلام ، و إذا تولى سعى في الأرض ليفسد
فيها ، و يهلك الحرث و النسل ، فيكثر من قتل الأبرياء ، و سلب أموال الأغنياء ، و يهدم العمران و مشيد البنيان و يعطل المصانع ، و يحاول قلب نظام الحكم ، كله باسم الإسلام و باسم الإصلاح و العدل ، و الله يعلم أن عملهم غاية في الفساد و الجور و الظلم ، و الله لا يحب المفسدين .

قال العلامة ابن القيم رحمه الله في كتابه » أعلام الموقعين « : ( إن النبي صلى الله عليه وسلم شرع لأمته إنكار المنكر ، ليحصل بإنكاره من المعروف ما يحبه الله و رسوله .

فإذا كان إنكار المنكر يستلزم ما هو أنكر ، و أكبر منه ، و أبغض إلى الله و رسوله ، فإنه لا يسوغ إنكاره ، و إن كان الله يبغضه ، و يمقت أهله ، مثل الإنكار على الملوك ، و الولاة بالخروج عليهم ، فإنه أساس كل شر و فتنة إلى آخر الدهر .

و قد استأذن الصحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم في قتال الأمراء الذين يؤخرون الصلاة عن وقتها ، و قالوا :أفلا نقاتلهم ؟ فقال : » لا ما أقاموا فيكم الصلاة « .

و قال : » من رأى من أميره ما يكره ، فليصبر ، ولا ينزعن يدا عن طاعة  « قال : و من تأمل ما جرى على الإسلام من الفتن الصغار و الكبار ، و أنها إنما حدثت عن عدم الصبر على منكر قد طلبوا إزالته ، فتولد عنه ما هو أكبر منه ، فقد كان رسول الله يرى بمكة أكبر المنكرات و لا يستطيع تغييرها ، فالمنكر متى زال و خلفه ضده من المعروف ، وجب إنكاره ؛ متى خلفه ما هو أنكر و أكبر منه حرم إنكاره .

و سمعت شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله يقول : مررت أنا بعض أصحابي زمن التتار بقوم منهم يشربون الخمر ، فأنكر عليهم من كان معي فأنكرت عليه و قلت : إنما حرم الله الخمر لكونها تصد عن ذكر الله ، وعن الصلاة ، و هؤلاء يصدهم الخمر عن قتل النفوس ، سبي
الذرية، و أخذ الأموال ، فدعهم يشتغلون عن الناس بخمرهم ) .

و المقصود أن أحق من يتصف بالإصلاح و التجديد ، هم العلماء الذين هم ورثة
الأنبياء ، و الذين يبلغون عن الله وحيه ، و سنة رسوله ، فيعلمونها الناس و ينشرون فضل العدل و التوحيد ، و المحافظة على الفرائض ، و النهي عن المنكرات و الرذائل ، و ينهون عن
الشرك ، و البدع ، و المذاهب الهدامة و الاعتقادات السيئة التي تزيغ الناس عن معتقدهم
الصحيح ، ثم تقودهم إلى الإلحاد ، التعطيل ، و الزيغ عن سواء السبيل ، فهم ثلة من
الأولين ، و قليل من الآخرين .

و الحمد لله الذي جعل في كل زمان بقايا من أهل العلم و التقى ، يدعون من ضل عن الهدى ، و يبصرون بنور الله أهل العمى ، يجددون ما اندرس من السنة ، و يحيون ما أماته الناس منها ، فهم أنفع الناس للناس ، و لو لا العلماء لكان الناس بمثابة البهائم ، و كم مضى من المصلحين المجددين ، ما لا يعد ولا يحصى ، و سيأتي من بعدهم من يخلفهم على
علمهم ، و عملهم ، و يحمل راية تبليغهم و عدلهم ،
» و من يرد الله به خيرا يفقهه في الدين  « .

أما الحكام فإنهم دون مرتبتهم في العلم و العمل ، و معرفة الحق بدليله ، فمتى وفق الحاكم للإحسان و العدل ، و تنفيذ الحق و تحكيم الشرع ، و نصر المظلوم ، و ردع الظالم ، و استيفاء الحق منه ، فإن هذا نعمة من الله ، و فضل على العباد و البلاد .

و قد قيل : الحاكم ظل الله في أرضه ، يأوي إليه كل مظلم من عباده ( و لو لا دفع الله الناس بعضهم ببعض لفسدت الأرض ) .

إذ العدل قوام الدنيا و الدين ، و صلاح المخلوقين ، و له وضعت الموازين فمتى اتصف به الحاكم ، ألزم النفوس طاعته ، و القلوب محبته ، و أشرق بنور عدله زمانه ، و كثر على عدوه و أنصاره و أعوانه ، و ما أحسن ما قيل :

لكل ولاية لا بد عزل

 

و صرف الدهر عقد ثم حل

و أحسن سيرة تبقى لوال

 

مدى الأيام إحسان و عدل
 

إنه من المعلوم بمقتضى النصوص ، و بالواقع المحسوس ، أن للدين
إقبالا و إدبارا ، و قوة و ضعفا .

فمن إقبال الدين : أن تفقه القبيلة بأسرها ، حتى لا يكون فيها إلا الفاسق ، أو
الفاسقان ، فهما مقهوران ذليلان ، إن تكلما قمعا .

و إن من إدبار الدين : أن تجفو القبيلة عنه بأسرها ، و تنحل عن عزائم دينها و تفسق عن أمر ربها ، حتى لا يكون فيها إلا الفقيه ، أو الفقيهان ، فهما مقهوران ذليلان …

و من المعلوم أن الناس يزدادون إسرافا في الرذائل ، و في ترك الفرائض ، و الفضائل عاما بعد عام ، و الدين معها محفوظ عن الزوال ، و يبقى أفضل الجهاد فيه ، و العمل و التمسك به ، و الصبر على الأذى فيه .

و أن صفة الأمة هم : أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم الذين هم أبر هذه الأمة
قلوبا ، و أعمقها علما ؛ قوم اختارهم الله لصحبة نبيه ، و لإقامة دينه ، ثم : التابعون لهم
بإحسان ، الذين تلقوا العلم عنهم ، فهم من خير الناس بعدهم ، لما في الصحيحين عن عمران بن حصين ، أن النبي صلى الله عليه و سلم قال :
» خير القرون قرني ، ثم الذين يلونهم ، ثم الذين يلونهم ، لا أدري أذكرهم مرتين أو ثلاثا ، ثم يجيء قوم يشهدون و لا يستشهدون ، و يخونون
و لا يؤتمنون ، ينذرون و لا يوفون ، و يظهر فيهم السمن
« أي : من أجل غرقهم في الترف
و سائر الأكل المسمن للجسم .

و في رواية : تسبق شهادة أحدهم يمينه ، و يمينه شهادته ، مما يدل على فساد دينهم و يدل له ما روى البخارى في صحيحه ، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : » يذهب
الصالحون ، الأول فالأول ، ثم تبقى حفالة ، و في رواية ، حثالة كحثالة الشعير لا يباليهم
الله باله
« .

ومن المعلوم أنه متى ذهب الصالحون المصلحون ، الآمرون بالمعروف ، و الناهون عن المنكر ، فإنه يخلو الجو للفاسدين الفاسقين ، فيبيضون و يصفرون .

و من أشراط الساعة : أن يذهب العلم ، يفيض الجهل ، كما في الصحيحين من حديث عبد الله بن عمرو ، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : » إن الله لا ينزع العلم انتزاعا ينتزعه من صدور الرجال ، و لكن بقبض العلماء حتى إذا لم يبق عالم اتخذ الناس رؤساء جهالا ، فسئلوا فأفتوا بغير علم ، فضلوا و أضلوا  « و لهذا حث النبي صلى الله عليه وسلم على التمسك بسنته عند فساد أمته ، و قال في حديث العرباض بن سارية : » أنه من يعش منكم فسيرى اختلافا
كثيرا ، فعليكم بسنتي و سنة الخلفاء الراشدين المهديين ، و إياكم و محدثات الأمور ، فإن كل محدثة بدعة ، و كل بدعة ضلالة
« . رواه أبو داود و الترمذي ، و ابن ماجه ، و ابن حبان و قال الترمذي : حسن صحيح ؛ و يدل له ما رواه ابن عباس أن النبي صلى الله عليه وسلم
قال :
» المتمسك بسنتي عند فساد أمتي له أجر مائة شهيد « رواه البيهقي و الطبراني .

و قد سماها النبي صلى الله عليه وسلم بأيام الصبر ، و قال » إن من ورائكم أيام
الصبر ، القابض فيهن على دينه كالقابض على الجمر ، للعامل فيهن أجر خمسين
منكم ، قالوا : كيف يكون له أجر خمسين منا ؟ قال : أنكم تجدون على الحق أعوانا ، و هم لا يجدون 
«. رواه الترمذي عن أبي ثعلبة الخشني .

إن أكثر الناس في هذا الزمان يتسمون بالإسلام ، و هم منه بعداء ، و ينتحلون بأنهم من أهله ، و هم له أعداء ، يعادون بنيه ، و يقوضون مبانيه ، لم يبق معهم منه سوى محض التسمي به ، و الانتساب إليه ، بدون عمل به ، و لا انقياد لحكمه ، فترى أكثرهم لا يصلون الصلوات الخمس المفروضة ، و لا يؤدون الزكاة الواجبة ، و لا يصومون رمضان ، و يستحلون
الربا ، و شرب الخمر فهم في جانب ، و الإسلام الصحيح في جانب ، فهؤلاء هم أكثر الناس و الله يقول : ( و ما أكثر الناس و لو حرصت بمؤمنين ) . وقد قيل : الركب كثير و الحاج قليل :

فما أكثر الناس بل ما أقلهم

 

و أيم الله إني لم أقل فندا

إني لأفتح عيني حين أفتحها

 

على كثير لكن لا أرى أحدا

يقول بعض الناس : إن الدين إذا فسد العمل به صار آلة ضعف و انحطاط و نحن
نقول : إنه متى فسد العمل بالدين فلا دين ، كما أنها متى فسدت الصلاة فلا صلاة ، و متى فسد الصيام فلا صيام ، لكون الدين عند الإطلاق ينصرف إلى الدين الصحيح الذي كان عليه رسول الله و أصحابه ، كما في الحديث أن النبي صلى الله عليه وسلم قال :
» افترقت اليهود على إحدى و سبعين فرقة ، و افترقت النصارى على ثنتين و سبعين فرقة ، و ستفترق هذه الأمة على ثلاث و سبعين قرفة ، كلها في الناس إلا واحدة ، قالوا : و من هي يا رسول الله ؟ قال : من كان على مثل ما أنا عليه و أصحابي « .

إن الصنيعة لا تعد صنيعة

 

حتى يصاب بها طريق المصنع

فمتى أفسد الناس بترك أوامره ، و ارتكاب نواهيه فقد خرجوا عن حده و استبدلوا به
ضده ، و كانوا بهذا الانقلاب جديرين بالضعف و الانحطاط ، لأن ذنوب الجيش جند
عليه و (  أن لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم ) .

فكل ضعف حصل بالمسلمين فبسبب ما ضيعوه من تعاليم الدين ، حتى التنازع
و الاختلاف و القتال بين الحكام المسلمين ، فكلها ذنوب تورث الضعف و الذل ، و حلول الفشل. 

و لضعف الدين عوامل عديدة ، تساعد على ضعف الناس ، منها : قول عمر ابن
الخطاب: إنه يفسد الإسلام ثلاثة أشياء : أئمة مضلون، و زلة العالم ، و جدال المنافق بالقرآن .

و روى مسلم عن ثوبان أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : » إنما أخاف على
أمتي : الأئمة المضلين
« .

و الخطر المخوف من زلة العالم هو : الاغترار به فيها ، و متابعته عليها إذ لو لا
التقليد و الأتباع على الإسلام و أهله من زلته ، و كان ابن عباس يقول : ويل للأتباع من عثرات العالم . و قد شبهوا زلته بغرق السفينة و يغرق بغرقها الخلق الكثير ، كما أن الأئمة المضلين
هم : أمراء الناس الذين تنكبوا الطريق المستقيم ، و تركوا شريعة القرآن الحكيم ، و سنة رسول الله عليه أفضل الصلاة و التسليم ، و استبدلوا بها شريعة القوانين ، فتبعهم الناس على
ضلالهم ، و وافقوهم على فسادهم ، استبدادهم .

و الناس غالبا على طرائق ملوكهم في الخير و الشر ، و متى فسد الراعي فسدت الرعية .

و منها : دنيا تقطع أعناق الناس ، حتى تجعلهم كالميتين عن مصالحهم الدينية ، و عن ما يوجب قوتهم ، و استقامتهم و الاستعداد للجهاد في سبيل الله ، لأن شغفهم بلذاتها المادية ، قد شغلهم عن الأمور الدينية ، فلأجل حبها صارت هي الجيش الغازي لبلاد الإسلام في هذا
العصر ، و كأنها الكافلة لأعداء الإسلام بالفتح و النصر بغير جموع و لا جنود ، و بغير
دفاع و امتناع ؛ طبق ما روى الإمام أحمد في مسنده ، و أبو داود في سننه ، عن ثوبان أن النبي صلى الله عليه و سلم قال :
» يوشك أن تداعى عليكم الأمم كما تداعت الأكلة على قصعتها
قالوا : أمن قلة يومئذ ؟ قال : لا ، و لكنكم غثاء كغثاء السيل ، ينزع الله مهابة عدوكم
منكم و يسكنكم مهابتهم ، و يلقي الله في قلوبكم الوهن. قالوا : و ما الوهن يا رسول
الله ؟ قال : حب الدنيا و كراهة الموت  
« .

كل ما كان أصلا للفساد فإنه يكون سببا لدخول الضعف منه على العباد .

و كل كسر فإن الدين يجبره

 

و ما لكسر قناة الدين جبران

فهذا الضعف الحاصل بالمسلمين ليس من الدين ، و إنما حصل بسبب ما ضيعوه من تعاليم الدين .

ثم إن هذا الضعف و الغربة في الدين لا يلزم أن تدوم ، بل قد تقع ، ثم تزول ، إذ هي وصف عارض ، كالأمراض الطبيعية ، و ربما صحت الأبدان بالعلل .

قد ينعم الله بالبلوى و إن عظمت

 

و يبتلي الله بعض القوم بالنعم

فقد يعود الإسلام إلى قوته ، و يفيء من غربته ، كما اشتد ضعفه و غربته زمن وفاة النبي صلى الله عليه و سلم ، حتى ارتدت العرب عنه ، و لم يبق مسجد يصلي فيه مسجد مكة و مسجد المدينة ، و مسجد عبد القيس بجواثى أي الإحساء ، و لهذا يقول شاعرهم :

و المسجد الثالث الشرقي كان لنا

 

و المنبران و فصل القول و الخطب
 

أيام لا منبر للناس نعرفه

 

إلا بطيبة و المحجوج ذي الحجب

و على أثر هذا الضعف ، و هذه الغربة ، جاهد الصحابة في الله حق جهاده حتى استعادوا قوة الدين و نشاطه .

فقول النبي صلى الله عليه وسلم : » بدأ الإسلام غريبا ،  و سيعود غريبا كما بدأ ، فطوبى للغرباء « رواه مسلم من حديث أبي هريرة ، و رواه الإمام أحمد ، و ابن ماجه من حديث ابن مسعود و فيه قالوا : يا رسول الله من الغرباء ؟ قال : النزاع من القبائل  « . و في رواية
قال : الذين يصلحون إذا فسد الناس
«  و في رواية قال : » هم الذين يصلحون ما أفسد الناس من
سنتي
« .

و قد اتخذ الناس هذا الحديث بمثابة التخدير للهمم ، و التخذيل للأمم بحيث يتخذونه بمثابة العذر لهم عن القيام بما أوجب الله عليهم من الجهاد في سبيله ، و الأمر بالمعروف ، و النهي عن المنكر ، و النصيحة لله ، و لأئمة المسلمين و عامتهم ، حتى كأن الرسول بزعمهم قصد بهذا الحديث الاستسلام لهذا الضعف المفاجئ للمسلمين ، و لهذه الغربة في الدين .

و إن هذه الغربة تقع في مكان دون مكان ، و في زمان دون زمان ، فمثل الرسول في الإخبار كمثل خريت الأسفار ،  ويخبر قومه بمفاوز الأقطار و مواضع الأخطار ، و ليتأهبوا بالحزم ، و فعل أولي العزم من وسائل التعويق و يحترسوا بالدفع لقطاع الطريق ، كما في صحيح مسلم من حديث ابن عمر قال : » كنا مع النبي صلى الله عليه وسلم في سفر فنزلنا
منزلا ، فمنا من يصلح خباءه ، و منا من يصلح جشره ، و منا من ينتضل ، إذ نادى منادي رسول الله : الصلاة جامعة . قال فاجتمعنا . فقال النبي صلى الله عليه وسلم : إنه ما من نبي إلا كان حقا عليه أن يدل أمته على خير ما يعلمه لهم ، و ينذرهم عن شر ما يعلمه لهم ، و إن هذه الأمة جعل عافيتها في أولها ، و سيصيب آخرها بلاء و أمور تنكرونها ، تجيء الفتن يرقق بعضها بعضا
«، يعني الآخرة شر من الأولى .

فالعاقل لا يستوحش طرق الهدى من قلة السالكين ، و لا يغتر بكثرة الهالكين التاركين للدين ، فإن الله يقول : ( و ما أكثر الناس و لو حرصت بمؤمنين ) .

و سبحان ربك رب العزة عما يصفون و سلام على المرسلين و الحمد لله رب العالمين .