فصل
قال محمد
رشيد رضا في تفسيره » المنار « عند تفسيره
سورة الأعراف ما نذكره ملخصا : أما التعارض في أحاديث المهدي فهو أقوى و أظهر و
الجمع بين الروايات أعسر،
و المنكرون لها أكثر ، و الشبهة فيها أظهر .
و لذلك لم يعتد الشيخان ــ البخاري و مسلم ــ شيئا من
رواياتها ، و قد كانت أحاديث المهدي أكبر مثارات للفساد و الفتن في الشعوب
الإسلامية ، إذ تصدى كثير من محبي و الملك
و السلطان ، و من أدعياء الولاية ، و أولياء الشيطان للدعوة المهدية في الشرق و
الغرب،
و تأييد دعواهم بالقتال و الحرب ، و بالبدع و الإفساد في الأرض ، حتى خرج ألوف
الألوف عن هداية السنة النبوية ، و مرق بعضهم من الإسلام مروق السهم من الرمية .
و قد كان من أسباب تصديق الجماهير من المتأخرين بخروج
مهدي يجدد الإسلام،
و ينشر العدل في جميع الأنام ، و أن يجعلهم على أهبة الاستعداد لظهوره ، و قد
جاءهم النذير
و هو ابن خلدون الشهير ، و صاح فيهم قائلا : إن لله تعالى سننا في الأمم و الدول و
العمران، مطردة في كل زمان و مكان كما ثبت في مصحف القرآن ، و صحف الأكوان ، و من
العلوم وقوع الاختلاف و الاضطراب في أحاديث المهدي .
و منها : أن أشهر الروايات في اسمه و اسم أبيه عند أهل
السنة محمد ابن عبد الله ، و في رواية : أحمد بن عبد الله . و الشيعة الإمامية
متفقون على أنه محمد بن الحسن العسكري ، و هما الحادي عشر من أئمتهم المعصومين ، و
يلقبونه بالحجة ، و القائم ، و المنتظر و يقولون : إنه دخل السرداب في دار أبيه في
مدينة سر من رأى ) التي تسمى الآن سامراء ، سنة 265هـ و له من العمر تسع سنين ، و
أنه لا يزال في السرداب حيا …
و منها : أن العابثين بالإسلام ، و محاولي إفساد
المسلمين ، وإزالة ملكهم من زنادقة اليهود ، و غيرهم من أهل الابتداع ، و أهل
المعصبيات العلوية و الأموية و العباسية ، قد وضعوا أحاديث كثيرة افتروها ، و
زادوا في بعض الآثار المروية دسائس دسوها ، و رواج كثير منها بإظهار رواتها للصلاح
و التقوى ، و لم تعرف بعض الأحاديث الموضوعة إلا باعتراف من تاب إلى الله من
واضعيها .
سؤال : إلى صاحب المنار محمد رشيد رضا .
إنه من المشهور بين الكافة من أهل الإسلام ، على ممر
الأعصار أنه لا بد من ظهور رجل يؤيد الدين ، ويظهر العدل ، ويتبعه المسلمون ، و
يسمى المهدي ، فرأيت أن أكتب لجنابكم لكي تتكرموا علينا بالإفادة و لكم الأجر .
الجواب :
وردت أحاديث في المهدي ، منها ما حكموا بقوة إسناده ، و
لكن ابن خلدون عنى بإعلالها و تضعيفها كلها .
و من استقصى ما ورد في المهدي المنتظر من الأخبار و
الآثار ، و عرف مواردها
و مصادرها ، يرى أنها كلها منقولة عن الشيعة ، و ذلك أنه لما استبد بنوا أمية بأمر
المسلمين،
و ظلموا و جاروا ، و خرجوا بالحكمة الإسلامية عن وضعها الذي يهدي إليه القرآن ، و
عليه استقام الخلفاء الراشدون ، و هو المشاورة في الأمر ، و فصل الأمور برأي أهل
الحل و العقد من الأمة ، حتى قال على المنبر من يعد من خيارهم ، و هو عبد الملك بن
مروان : من قال لي اتق الله ضربت عنقه ــ لما كان أشد الناس تألما له و غيرة على
المسلمين آل النبي عليه
و عليهم السلام ، فكانوا يرون أنهم أولى بالأمر ، و أحق بإقامة العدل فكان من تشيع
لهم يؤلفون لهم عصبية دينية يقنعونها بأن سيقوم منهم قائم مبشر به يقوم بالعدل ، و
يؤيد الدين، يزيل ما أحدث بنو مروان من الاستبداد و الظلم ، و عن هذا الاعتقاد
صدرت تلك الروايات،
و الناظر في مجموعها يظهر له أنهم ينتظرون ذلك في القرن الثاني ثم الثالث ، و
كانوا يعينون أشخاصا من خيار آل البيت يرجحون أن يكون كل منهم القائم المنتظر فلم
يكن ، و كان بعضهم يسأل من يعتقد أنه صاحب الأمر فيجيبه ذلك بأجوبة مبهمة ، و منهم
من كان يتنصل
و يقول :إن الموعد ما جاء و لكنه اقترب و منهم من كان يضرب له أجلا محدودا ، لكن
مرت السنون و القرون و لم يكن ما توقعوا أن سيكون .
و جرت هذه العقيدة على المسلمين شقاء طويلا ، إذ قام
فيهم كثيرون بهذه الدعوى،
و خرجوا على الحكام فسفكت بذلك دماء
غزيرة ، و كان شر فتنتها : فتنة البابية الذين أفسدوا عقائد كثير من المسلمين ، و
أخرجوهم من الإسلام ، و وضعوا لهم دينا جديدا ، و في الشيعة ظهرت هذه الفتنة و بهم
قامت ، ثم تعدى شرها إلى غيرهم ، و لا يزالون الباقون منهم و من سائر المسلمين
ينتظرون ظهور المهدي ، و نصر الإسلام به ، فهم مستعدون بهذا الاعتقاد لفتنة أخرى
نسأل الله أن يقيهم شرها .
و من الخذلان الذي ابتلي به المسلمون ، أن هذه العقيدة
مبنية عندهم على القوة الغيبية
و التأييد السماوي ، لذلك كانت سببا في ضعف استعدادهم العسكري فصاروا ، أضعف الأمم
بعد أن كانوا أقواها ، و أشد هم ضعفا أشدهم بهذه العقيدة تمسكا ، و هم مسلموا
الشيعة في إيران ، فإن المسألة عندهم اعتقادية ، أما سائر المسلمين فالأمر عندهم
أهون ، فإن منكر المهدي عندهم لا يعد منكرا لأصل من الدين ، و لو كانوا يعتقدون
أنه يقوم بالسنن الإلهية
و الأسباب الكونية ، لاستعدوا لظهوره بما استطاعوا من قوة ، و لكان هذا الاعتقاد
نافعا لهم .
و جملة القول : إننا لا نعتقد بهذا المنتظر ، و نقول بضر
الاعتقاد به ، و لو ظهر و نحن له منكرون لما ضره ذلك إذا كان مؤيدا بالخوارق كما
يقولون ، و قد بينا ذلك في
كتابنا : » المحكمة الشرعية « .