الموضوع التالي

الموضوع التالي

الـفـهـــــرس

الموضوع السابق

الموضوع السابق

تعدد أحداث من يدعي أنه المهدي

إن مدار الأعمال على العقائد صحة وفساداً لحديث : إنما الأعمال بالنيات . فمتى صح الاعتقاد صلح العمل ، أو فسد الاعتقاد ساء العمل وساءت النتيجة .

ودعوى المهدي في مبدئها ومنتهاها مبنية على الكذب الصريح ، والاعتقاد السيئ القبيح وهي في الأصل حديث خرافة ، يتلقفها واحد عن آخر ، وقد صيغت لها الأحاديث المكذوبة سياسة للإرهاب والتخويف ، حيث غزا بها قوم آخرين ، وإلا فمن المعلوم قطعاً أن الرسول الكريم (عزيز عليه ما عنتم حريص عليكم بالمؤمنين رؤوف رحيم) لذا فلن يفرض على أمته التصديق برجل من بني آدم ، مجهول في عالم الغيب ، ليس بملك مقرب، ولا نبي مرسل ولا يأتي بدين جديد من ربه مما يجب الإيمان به ، ثم يترك أمته يتقاتلون على التصديق والتكذيب به إلى يوم القيامة .

إن هذا من المحال أن تأتي الشريعة به ، إذ هو جرثومة فتنة دائمة ، ومشكلة لم تحل والرسول جاء بمحاربة الفتن ، وقال: أعوذ بالله من مضلات الفتن . وقال: لقد تركتكم على المحجة البيضاء ليلها كنهارها لا يزيغ عنها بعدي إلا هالك. وقال: لقد تركت فيكم ما لن تضلوا بعده إن اعتصمتم به ، كتاب الله . وقال: إياكم ومحدثات الأمور . والمهدي واعتقاده هو من محدثات الأمور .

إن أول من قال بالمهدي هو كيسان ، مولى على بن أبي طالب ، في ابنه محمد بن الحنفية. وجاء في كتاب " أسد الغابة " أنهم أطلقوا على علي " هادياً مهدياً " ، ثم أطلقوا الكلمة على الحسين بعد مقتله فقالوا: المهدي بن المهدي . ولما قتل الحسين ومات الحسن ، رأت طائفة أنه من الطبيعي أن يرث علياً ابنه محمد بن الحنفية ، كما رأي غيرهم أن الوارث لعلي هما الحسن والحسين فقط ، لأنهما وحدهما ابنا علي من فاطمة بنت الرسول صلى الله عليه وسلم أما ابن الحنفية فابن علي لكن لا من فاطمة بل من امرأة من بني حنيفة .

ونشأت فرقة تسمى الكيسانية ، نسبة إلى كيسان يتزعمها عبد الله بن سبأ ، ثم المختار بن أبي عبيد الثقفي الذي زعم هو وفرقته أن، محمد بن الحنفية هو الإمام ، وهو المهدي ، وأنه لم يمت ولكنه تغيب في جبل رضوي ، وهو في الحجاز على سبع مراحل من المدينة ، وأنه حي يرزق وعنده عينان نضاختان تجريان عسلا وماء ، وأنه سوف يرجع إلى الدنيا فيملؤها عدلاً، وأنه سيقود الجيوش فيرد الملك إلى أهل البيت ، وفيه يقول كثير عزة وهو سبئي:

يقود الجيش يقدمه اللواء

 

وسبط لا يذوق الموت حتى
 

برضوى عنده عسل وماس

 

تغيب لا يرى فيهم زمانا

ثم خرج السفياني زمن بني أمية فلقبوه : المهدي المنتظر.

ولما سمع المنصور العباسي بخبر المهدي ، وكثرة حديث الناس فيه ، أراد أن يقطع الطريق عن التسمي به فسمى ابنه المهدي.

فاستغل الخليفه المنصور أخو مؤسس الدولة العباسية ، شيوع كلمة المهدي فلقب ابنه بالمهدي ، ودعا إليه على أنه المهدي المنتظر ليحيط الخلافة بالسلطان الدنيوي ، والتقديس الديني وجعله ولي عهده وكان ذلك في بغداد .

وفي المغرب تضخمت كلمة المهدي على أيدي البرابرة ، وكانوا قد ضاقوا ذرعاً باستغلال الحكم العباسي لفكرة المهدي المنتظر ، ثم ظهر عبيد الله الملقب بالمهدي ، وأسس بلدة المهدية ، وكان من نسله المعز لدين الله الفاطمي الذي فتح مصر .

ومن الدول التي تأسست على فكرة المهدي في المغرب : دولة الموحدين وزعيمهم محمد بن تومرت ، وهو شيعي أيضاً ، وعندما ذهب الموحدون والمرابطون وانتصر الاسبانيون على المسلمين ، كان ملوك بني الأحمر يتطلعون إلى مهدي منتظر يقويهم على الاسبان ويطردهم منها.

وقد قامت الكثير من الثورات على أساس فكرة المهدي من ذلك: ثورة الزنج في العراق وثورة القرامطة التي ظهر على رأسها رجل يدعى حمدان قرمط ، وكلمة قرمط تعني (المعلم السري) وكان أساس الدعوة : الإيمان بالمهدي المنتظر ، ومن الفرق التي أسست على التشيع والاعتقاد بالمهدية : فرقة الحشاشين ، ويسمون أحيانا بالاسماعيلية ، وزعيمهم الحسن ابن الصباح المشهور ، وهناك ثورة البساسيري ، وهو رجل تركي ، قدم بغداد في زمن الخليفه القائم بأمر الله العباسي ، فبشر في بداية ثورته بالمهدي.

وفي العصور الحديثة لعبت فكرة المهدي دوراً خطيراً لا يقل شأنه عن العصور القديمة .

ففي نهاية القرن الثاني عشر الهجري ، خرج شيعي من مواليد الإحساء اسمه الشيخ أحمد الإحسائي سنة ست وستين ومائة وألف هجري ، واشتهر بتبشيره بظهور المهدي ، وله آراء باطنية وفلسفية تحوم حول تغيير نظام دين الإسلام وشريعته ، ويدعى أن لديه علماً لدنياً تلقاه عن آل البيت ، وينشر دعوة سرية وينظم حركتها ثم اقتفى أثره خليفته من بعده على نشر دعوته، وهو: كاظم الرشتي ، ولم يزل متنقلا داعيا إلى أن توفى بجدة من أرض الحجاز سنة 1242هـ. فهو أول من أسس نحلة البهائية ، ثم قام » علي محمد « بعد وفاة الرشتي سنة 1260 هـ مدعيا أنه نائب عن الإمام المنتظر ، و أنه بابه الذي يفتح به ظهور الإمام ، فسموا البابية من أجله،
و هم فرع من البهائية .

ثم أظهر أنه الإمام المنتظر » المهدي  « ، فقام بثورة و أخذ يظهر للناس فنونا من الكفر، و أن شريعته تنسخ شريعة القرآن ، و أنها قد أنهت دور الشريعة المحمدية ، فلا صلاة و لا صيام ، و يعمد إلى النصوص القرآنية فيتأولها تأويلات الباطنية ، فيقلب حقائقها ، و يصرفها عن المعنى المراد منها ، و أنكر عليه فلماء فارس ما ادعاه و حاكموه ، فحكمت عليه محكمة تبريز بقتله على ردته هو و أعوانه .

ثم ظهرت بدعة المهدي في الهند على يد رجل يدعى » ميرزا غلام أحمد القادياني « من سكنة قاديان بالهند ، و نسبت طائفة القاديانية إليها ، و تفرعت عنها الأحمدية .

و قد زعم مؤسسها ميرزا غلام بأنه المسيح المنتظر ، فقام في وجهه علماء الشريعة بالهند ، فأنكروا عليه أشد الإنكار و كادوا يقتلونه ، لكنه كان يتقي بالنصارى ، فهم يحمونه و يحاربون دونه .

و انتقل غلام أحمد إلى دهلي ، يدعو إلى نحلته ، و يدعي الوحي و النبوة و الرسالة
و يقول : إن كل من لم يصدق بنبوتي فهو كافر ، و يقول ،: إن سائر الأمم من اليهود و النصارى و المجوس الذي كانوا كذبوا نبوة محمد سيؤمنون برسالتي .

و في الحقيقة أن كلتا الطائفين : البهائية و القاديانية قد ابتعدتا عن الإسلام تمام الابتعاد .

نسأل الله سبحانه أن يسلك في قلوب عباده المؤمنين نور اليقين و الثبات على الدين ، و أن يحفظهم من فتنة الضالين بما يحفظ به عباده الصالحين .

و إني أرجو بعد دراستهم لهذه الرسالة أن ينتبهوا و يتناصحوا ، فيغسلوا قلوبهم من اعتقاد هذه الخرافة التي ستضرهم و تضر أبنائهم و مجتمعهم من بعدهم ، و الله خليفتي عليكم،
 و استودع الله دينكم و أماناتكم ، و ستذكرون ما أقول لكم … و أفوض أمري إلى الله ، إن الله بصير بالعباد .