![]() |
|
|
تعدد أحداث من يدعي أنه المهدي إن مدار الأعمال على العقائد صحة وفساداً لحديث : إنما
الأعمال بالنيات . فمتى صح الاعتقاد صلح العمل ، أو فسد الاعتقاد ساء العمل وساءت
النتيجة . ودعوى المهدي في مبدئها ومنتهاها مبنية على الكذب الصريح
، والاعتقاد السيئ القبيح وهي في الأصل حديث خرافة ، يتلقفها واحد عن آخر ، وقد
صيغت لها الأحاديث المكذوبة سياسة للإرهاب والتخويف ، حيث غزا بها قوم آخرين ،
وإلا فمن المعلوم قطعاً أن الرسول الكريم (عزيز عليه ما عنتم حريص عليكم بالمؤمنين
رؤوف رحيم) لذا فلن يفرض على أمته التصديق برجل من بني آدم ، مجهول في عالم الغيب
، ليس بملك مقرب، ولا نبي مرسل ولا يأتي بدين جديد من ربه مما يجب الإيمان به ، ثم
يترك أمته يتقاتلون على التصديق والتكذيب به إلى يوم القيامة . إن هذا من المحال أن تأتي الشريعة به ، إذ هو جرثومة
فتنة دائمة ، ومشكلة لم تحل والرسول جاء بمحاربة الفتن ، وقال: أعوذ بالله من
مضلات الفتن . وقال: لقد تركتكم على المحجة البيضاء ليلها كنهارها لا يزيغ عنها
بعدي إلا هالك. وقال: لقد تركت فيكم ما لن تضلوا بعده إن اعتصمتم به ، كتاب الله .
وقال: إياكم ومحدثات الأمور . والمهدي واعتقاده هو من محدثات الأمور . إن أول من قال بالمهدي هو كيسان ، مولى على بن أبي طالب
، في ابنه محمد بن الحنفية. وجاء في كتاب " أسد الغابة " أنهم أطلقوا
على علي " هادياً مهدياً " ، ثم أطلقوا الكلمة على الحسين بعد مقتله
فقالوا: المهدي بن المهدي . ولما قتل الحسين ومات الحسن ، رأت طائفة أنه من
الطبيعي أن يرث علياً ابنه محمد بن الحنفية ، كما رأي غيرهم أن الوارث لعلي هما
الحسن والحسين فقط ، لأنهما وحدهما ابنا علي من فاطمة بنت الرسول صلى الله عليه
وسلم أما ابن الحنفية فابن علي لكن لا من فاطمة بل من امرأة من بني حنيفة . ونشأت فرقة تسمى الكيسانية ، نسبة إلى كيسان يتزعمها عبد
الله بن سبأ ، ثم المختار بن أبي عبيد الثقفي الذي زعم هو وفرقته أن، محمد بن
الحنفية هو الإمام ، وهو المهدي ، وأنه لم يمت ولكنه تغيب في جبل رضوي ، وهو في
الحجاز على سبع مراحل من المدينة ، وأنه حي يرزق وعنده عينان نضاختان تجريان عسلا
وماء ، وأنه سوف يرجع إلى الدنيا فيملؤها عدلاً، وأنه سيقود الجيوش فيرد الملك إلى
أهل البيت ، وفيه يقول كثير عزة وهو سبئي:
ثم خرج السفياني زمن بني أمية فلقبوه : المهدي المنتظر. ولما سمع المنصور العباسي بخبر المهدي ، وكثرة حديث
الناس فيه ، أراد أن يقطع الطريق عن التسمي به فسمى ابنه المهدي. فاستغل الخليفه المنصور أخو مؤسس الدولة العباسية ، شيوع
كلمة المهدي فلقب ابنه بالمهدي ، ودعا إليه على أنه المهدي المنتظر ليحيط الخلافة
بالسلطان الدنيوي ، والتقديس الديني وجعله ولي عهده وكان ذلك في بغداد . وفي المغرب تضخمت كلمة المهدي على أيدي البرابرة ،
وكانوا قد ضاقوا ذرعاً باستغلال الحكم العباسي لفكرة المهدي المنتظر ، ثم ظهر عبيد
الله الملقب بالمهدي ، وأسس بلدة المهدية ، وكان من نسله المعز لدين الله الفاطمي
الذي فتح مصر . ومن الدول التي تأسست على فكرة المهدي في المغرب : دولة
الموحدين وزعيمهم محمد بن تومرت ، وهو شيعي أيضاً ، وعندما ذهب الموحدون
والمرابطون وانتصر الاسبانيون على المسلمين ، كان ملوك بني الأحمر يتطلعون إلى
مهدي منتظر يقويهم على الاسبان ويطردهم منها. وقد قامت الكثير من الثورات على أساس فكرة المهدي من
ذلك: ثورة الزنج في العراق وثورة القرامطة التي ظهر على رأسها رجل يدعى حمدان قرمط
، وكلمة قرمط تعني (المعلم السري) وكان أساس الدعوة : الإيمان بالمهدي المنتظر ، ومن
الفرق التي أسست على التشيع والاعتقاد بالمهدية : فرقة الحشاشين ، ويسمون أحيانا
بالاسماعيلية ، وزعيمهم الحسن ابن الصباح المشهور ، وهناك ثورة البساسيري ، وهو
رجل تركي ، قدم بغداد في زمن الخليفه القائم بأمر الله العباسي ، فبشر في بداية
ثورته بالمهدي. وفي العصور الحديثة لعبت فكرة المهدي دوراً خطيراً لا
يقل شأنه عن العصور القديمة . ففي نهاية القرن الثاني عشر الهجري ، خرج شيعي من مواليد
الإحساء اسمه الشيخ أحمد الإحسائي سنة ست وستين ومائة وألف هجري ، واشتهر بتبشيره
بظهور المهدي ، وله آراء باطنية وفلسفية تحوم حول تغيير نظام دين الإسلام وشريعته
، ويدعى أن لديه علماً لدنياً تلقاه عن آل البيت ، وينشر دعوة سرية وينظم حركتها
ثم اقتفى أثره خليفته من بعده على نشر دعوته، وهو: كاظم الرشتي ، ولم يزل متنقلا
داعيا إلى أن توفى بجدة من أرض الحجاز سنة 1242هـ. فهو أول من أسس نحلة البهائية ،
ثم قام » علي محمد « بعد وفاة الرشتي سنة 1260 هـ
مدعيا أنه نائب عن الإمام المنتظر ، و أنه بابه الذي يفتح به ظهور الإمام ، فسموا
البابية من أجله، ثم أظهر أنه الإمام المنتظر » المهدي « ، فقام بثورة و
أخذ يظهر للناس فنونا من الكفر، و أن شريعته تنسخ شريعة القرآن ، و أنها قد أنهت
دور الشريعة المحمدية ، فلا صلاة و لا صيام ، و يعمد إلى النصوص القرآنية فيتأولها
تأويلات الباطنية ، فيقلب حقائقها ، و يصرفها عن المعنى المراد منها ، و أنكر عليه
فلماء فارس ما ادعاه و حاكموه ، فحكمت عليه محكمة تبريز بقتله على ردته هو و
أعوانه . ثم ظهرت بدعة المهدي في الهند على يد رجل يدعى » ميرزا غلام أحمد
القادياني « من سكنة قاديان بالهند ، و نسبت
طائفة القاديانية إليها ، و تفرعت عنها الأحمدية . و قد زعم مؤسسها ميرزا غلام بأنه المسيح المنتظر ، فقام
في وجهه علماء الشريعة بالهند ، فأنكروا عليه أشد الإنكار و كادوا يقتلونه ، لكنه
كان يتقي بالنصارى ، فهم يحمونه و يحاربون دونه . و انتقل غلام أحمد إلى دهلي ، يدعو إلى نحلته ، و يدعي
الوحي و النبوة و الرسالة و في الحقيقة أن كلتا الطائفين : البهائية و القاديانية
قد ابتعدتا عن الإسلام تمام الابتعاد . نسأل الله سبحانه أن يسلك في قلوب عباده المؤمنين نور
اليقين و الثبات على الدين ، و أن يحفظهم من فتنة الضالين بما يحفظ به عباده
الصالحين . و إني أرجو بعد دراستهم لهذه الرسالة أن ينتبهوا و
يتناصحوا ، فيغسلوا قلوبهم من اعتقاد هذه الخرافة التي ستضرهم و تضر أبنائهم و
مجتمعهم من بعدهم ، و الله خليفتي عليكم، |