![]() |
|
|
عقيدة المسلم مع المهدي لقد علق بعقائد العامة و عقولهم : و بعض العلماء ، و جود
مهدي في عالم الغيب لا يعملون مكانه و لا زمانه . فمنهم : من يؤمن به ، و يصدق
بظهوره ، و ينكر على من أنكره. و لم تزل المناظرة و المجادلة واقعة قائمة بين الفريقين
، لأجله لا يزال يخرج في كل زمان ، و في بعض البلدان من يدعي أنه المهدي ، و على
أثر هذه الدعوى تثور الفتن و تسيل الدماء . و الحق الذي نعتقده ، و ندعو الناس إلى العلم به و العلم
بموجبه ، هو أنه لا مهدي بعد رسول الله كما أنه لا نبي بعده .
و المهدي متى قلنا بتصديق الأحاديث الواردة فيه ، ليس
بملك معصوم ، و لا نبي مرسل، ما هو غلا رجل عادي ، كأحد أفراد الناس إلا أنه عادل ،
يملأ الأرض عدلا كما ملئت جورا، مقام المسلم من المهدي و مقام المسلم منه : أولا : أنه لا يجب الإيمان الجازم بخروجه لقوة الخلاف في
الأحاديث ، فلا ينكر على من أنكره ، و إنما يتوجه الإنكار على ما قال بصحة خروجه .
ثانيا : ليس من عقيدة الإسلام و المسلمين الإيمان به ،
كالإيمان بوجود الرب ، و الإيمان بالملائكة ، و الإيمان بالبعث بعد الموت ، و
الإيمان بالجنة و النار إذ هذه من أمور الآخرة التي يجب اعتقادها و وقوعها جلية
للعيان في دار الآخرة ، و قد أثبتها القرآن و صحيح السنة ، و ليس منها الإيمان
بالمهدي ، و قد غلط السفاريني حيث أدخل الإيمان به في عقيدته فقال :
فقد أخطأ حيث جعل المهدي هو الخاتم ، و إن حملناه على
جعله خاتم الأئمة الإثني عشر خليفة الذين يستقيم بهم أمر الدين ، فهذا هو نفس
عقيدة الشيعة حيث جعلوا الإمام الحادي عشر هو الحسن العسكري ، و بعد موته انتقلت
الإمامة إلى ابنه محمد بن الحسن العسكري الذي دخل سرداب سامراء ، فدعوى المهدي في
مبدئها للشيعة ، فهم الذين آمنوا بها و صدقوها ، و أكثروا من ذكر هذا المهدي
المنتظر ، فاقتبس بعض أهل السنة هذا الاعتقاد ، ثم سار في طريقه و تلقينه إلى حالة
انتشار هذه الفكرة عند المتأخرين حتى جعلوها طريقة و عقيدة ، و متى غيرت قيل: غيرت
السنة ، و هكذا حال البدعة ، فبسبب مجاورتهم للشيعة و اختلاطهم به اقتبوسها منهم، فعدم ذكرهم لها يدل على أنها ليست من عقائد الإسلام و
المسلمين ، و المهدي في مبدأ دعوته هو واحد و ليس باثنين ، فلم يقل أحد : إنهما
مهديان ، و إنما هو مهدي واحد ، تنازعه أفكار الشيعة و أفكار بعض أهل السنة ، فكل
لوم أو ذم ينحى به على الشيعة لإيمانهم بإمامهم محمد بن الحسن الذي هو في سرداب ،
فإنه ينطبق بطريق و الموافقة على أهل السنة الذين يصدقون بالمهدي المجهول في عالم
الغيب ، فهما في فساد الاعتقاد به سيان . فبيت الشعر للسفاريني على الحالتين غير صواب و لا صحيح ،
و السفاريني رحمه الله هو أقوى من ثبت دعائم عقيدة المهدي في قلوب المسلمين . ثالثا : إن المهدي لم يذكر في القرآن ، و لا في صحيح
البخاري و مسلم فقد نزها كتبهما عن ذكره ، و عن الحديث عنه مع رواج الخبر عنه في
زمانها ، فلا نرى ذلك إلا لضعف عندهما. رابعا : إن رسول الله صلى الله عليه وسلم بعث بجوامع
الكلم ، فكان يختصر الحكم الكثيرة في الكلمات اليسيرة ، تقول عائشة : لقد كان رسول
الله يتكلم بكلمات لوعدها العاد لأحصاها. خامسا : لم يكن من هدي رسول الله و لا من شرعه ، أن يحيل
أمته على التصديق برجل في عالم الغيب و هو من أهل الدنيا ، و من بني آدم فيخبر عنه
أنه يفعل كذا و كذا ، مما يوجب الاختلاف و الاضطراب بين الأمة . سادسا : بما أن المهدي بصفة ما يزعمون ، و أن اسمه كاسم
الرسول محمد بن عبد الله ، و أنه أجلى الجبهة ، و أقنى الأنف و من قريش ، فإن هذه
الصفة توجد في كثير من الأشراف . و بما أنني من هؤلاء الأشراف ، من ذرية الحسن بن علي ،
فإنه لو خرج رجل من الأشراف اسمه محمد بن عبد الله ، و هو أجلى الجبهة أقنى الأنف
، ويدعى أنه المهدي ، فإنني أول من
يقاتله أنه كذاب يريد أن يفسد الدين ، و يشق عصا المسلمين ، و النبي صلى الله عليه
وسلم قال : » من أتاكم و أمركم جميع يريد أن
يفرق جماعتكم فاقتلوه « . سابعا : إن من صفة المهدي الذين يدعون خروجه ، و أن
مقامه في الدنيا سبع سنين أو تسع سنين في الحديث الآخر ، و هل هو يؤيد بالخوارق و
المعجزات أو بالأحلام و المنامات ؟ و مع هذا كله لم يتمكن من بسط العدل إلا في جزيرة العرب
، و هي نقطة صغيرة بالنسبة إلى سعة الدنيا . أ فيكون المهدي المنتظر أعز على الله من محمد رسول الله
؟ ! ثامنا : إن جميع المسلمين في مشارق الأرض و مغاربها ،
علماءهم و عامتهم ، متفقون على قتال من يدعي أنه المهدي كما مضى ذلك في كل زمان و
مكان ، مع كثرة من يدعي أنه المهدي ، لاعتقادهم أنها دعوى باطلة لا صحة لها . و لا يزالون يقاتلون من يدعي أنه المهدي حتى تقوم الساعة
، فأين و الحالة هذه ؟ و صار المهدي كالموجود في الأذهان دون الأعيان . تاسعا : اتفق العلماء على أن الصحابة كلهم عدول ، فلا
ينسب إليهم شيء من تعمد و على أثر هذه الفتن انتشرت الأهواء في الناس إلى حالة
أنهم يتقاذفون بالسب و الشتم على المنابر ، فأصحاب علي رضي الله عنه و أنصاره
يسبون معاوية و بني أمية ، و بنو أمية عاشرا : إن الدين كامل بوجود رسول الله و نزول كتاب الله
، و لم يخلف رسول الله شيئا منه لا في السماء و لا في الأرض يقول تعالى : ( اليوم
أكملت لكم دينكم و أتممت عليكم نعمتي لهذا صرنا في غنى و سعة عن دين و عدل يأتي به المهدي ،
فلا مهدي بعد رسول الله كما لا نبي بعده . حادي عشر : إن العلماء كأبي داود في سننه ، و ابن كثير
في نهايته ، و السفاريني في لوامع أنواره و غيرهم ، قد أدخلوا أحاديث المهدي في
جملة أشراط الساعة مع أحاديث الدجال و في القرن التاسع لما كثر المدعون للمهدي ، ثارت الفتن
بسببه كما ذكرها المسعودي في تاريخه ، فعند ذلك اضطر بعض المحققين من العلماء أن
ينقدوا أحاديث المهدي ليعرفوا قويها من ضعيفها ، و صحيحها من سقيمها ، لكون
الحوادث في الحياة هي أم الاختراعات ، فتصدى ابن خلدون في مقدمته لتدقيق التحقيق
فيها فنخلها ثم نثرها حديثا حديثا ، و بين عللها كلها ، و أن من رواتها الكذوب ، و
منهم المتهم بالتشيع و الغلو ، و منهم من يرفع الحديث إلى رسول الله بدون أن يتكلم
به الرسول ، و منهم من لا يحتج به . و خلاصته أنه حكم على أحاديث المهدي بالضعف . لكن رأينا بعض العلماء في هذا الزمان يعترض على تصحيحات
ابن خلدون قائلا : إنه مؤرخ ، و ليس بصاحب حديث ، و هذا الاعتراض لا موقع له من
الصحة ، فإن ابن خلدون عالم جليل ، و لا يقول أحد فيه إلا الخير و كونه مؤرخا لا
يمنع من كونه محققا لعشرة أحاديث أو و قد رأينا من يؤيد قول ابن خلدون من العلماء المتقدمين
، و الراقين في العلم و المعرفة، و الاعتصام بالكتاب و السنة ، و منهم : العلامة
ابن القيم فقد ذكر في كتابه » المنار المنيف « عن أحاديث
المهدي و ضعفها كما سنورد كلامه بطوله في التحقيق المعتبر عن أحاديث المهدي
المنتظر من كتابنا هذا فلتراجع . و منهم الإمام الشاطبي في كتابه » الاعتصام « فقد جعل
المهديين و الإمامية من أهل البدع ، و يعني بالمهديين : الذين يصدقون بخروج المهدي
، و دونك كلامه بلفظه إثباتا للحجة ( و كذلك من اتبع المهدي المغربي المنسوب إليه كثير من
بدع المغرب فهو في الإثم و قال : ( و لقد زل بسبب الإعراض عن الدليل ، و الاعتماد
على الرجل أقوام خرجوا بسبب ذلك عن جادة الصحابة و التابعين ، و اتبعوا أهواءهم
بغير علم فضلوا عن سواء السبيل ). و قال : ( مذهب الفرقة المهدوية التي جعلت أفعال مهديهم
حجة ، وافقت حكم الشريعة أو خالفت ، بل جعلوا أكثر ذلك انفحة في عقد إيمانهم ، من
خالفها كفروه وجعلوا حكمه حكم الكافر الأصلي ) . و بذلك تنقطع حجة من ادعى أنه لم يسبق الإمام ابن خلدون
أحد من العلماء في تضعيف أحاديث المهدي ، و قد كاد أن ينعقد الإجماع من العلماء
المتأخرين من أهل الأمصار في تضعيف أحاديث المهدي ، و كونها مصنوعة و موضوع على لسان
رسول الله صلى الله عليه وسلم، بدليل التعارض و التناقض ، و المخالفات و الإشكال ،
مما يجعل الأمر جليا للعيان ، و لا يخفى إلا على ضعفة الأفهام ، و الله يهدي إلى
الحق و إلى طريق مستقيم . ثاني عشر : هو أن النبي صلى الله عليه وسلم جاء بجلب
المصالح و تكثيرها ، و درء المفاسد و المضار و تقليلها ، و أن التصديق بالمهدي و
الدعوة إلى الإيمان به يترتب عليها فنون من المضار و المفاسد الكبار ، و الفتن
المتواصلة التي تكون الآخرة منها شر من الأولى ، مما ينزه الرسول عن الإتيان
بمثلها ، فهي من فتنة الحياة التي كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يستعيذ منها
في أدبار الصلوات ، و قد لازم الناس الخوف و الوجل من الابتلاء بفتنة المدعي أنه
المهدي و بشيعته و أعوانه من الشباب الطائش الذين هم الغوغاء و الهمج السذج أتباع
كل ناعق، و يميلون مع كل صايح ، و الغوغاء هم عون الظالم و يد الغاشم في كل زمان و
مكان ، فيترتب على التصديق به فتنة في الأرض و فساد كبير ، و ما يقع في قلوب الناس
من اعتقاده هو أكبر فإن الله سبحانه في كتابه و على لسان نبيه لا يوجب
الإيمان برجل مجهول في عالم فوجدوا هذا أضر على الناس من عدمه ، مع أنه من المحال
بأن يكون على صفة ما ذكروا. أما اعتقاد بطلانه ، و عدم التصديق به فإنه يعطي القلوب
الراحة و الفرح و الأمان إن فكرة المهدي هذه لها أسباب سياسة و اجتماعية و دينية
، و كلها نبعت من عقائد الشيعة، و كانوا هم البادئين باختراعها ، و ذلك بعد خروج
الخلافة من آل البيت . و استغلت الشيعة أفكار الجمهور الساذجة ، و تحمسهم للدين
و الدعوة الإسلامية فآتوهم من هذه الناحية الطيبة الطاهرة ، و وضعوا الأحاديث
يروونها عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في ذلك ، و أحكموا أسانيدها ، و أذاعوها
من طرق مختلفة فصدقها الجمهور الطيب لبساطته ، وسكت رجال الشيعة لأنها في مصلحتهم
. و كانت بذلك مؤامرة شنيعة أفسدت بها عقول الناس ، و
امتلأت بأحاديث تروى و قصص تقص ، نسبوا بعضها إلى النبي صلى الله عليه و سلم ، و
بعضها إلى أئمة أهل البيت ، و بعضها إلى كعب الأحبار . و كان لكل ذلك أثر سيئ في
تضليل عقول الناس ، و خضوعهم للأوهام كما كان من أثر ذلك الثورات و الحركات
المتتالية في تاريخ المسلمين ، ففي كل عصر يخرج داع أو دعاة يزعم أنه المهدي
المنتظر ، و يلتف حوله طائفة من الناس ، و يتسببون في إثارة الكثير من الفتن ، و
هذا كله من جراء نظرية خرافية هي » نظرية « المهدي و هي
نظرية لا تتفق مع سنة الله في خلقه و لا تتفق مع العقل الصحيح السليم . |