![]() |
|
|
دعوة العلماء و العقلاء إلى الاتحاد
على حسن الاعتقاد الحمد الله رب العالمين و صلى الله على نبينا محمد خاتم
النبيين و على آله و صحبه أجمعين . أما بعد : فيا معشر العلماء الأجلاء و يا معشر
العقلاء الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه . تعالوا بنا نجلس على بساط البحث و التحقيق في أحاديث
المهدي الذي وقع فيها الجدال فإن البحث نتيجته الفائدة ، و ملاقاة التجارب من الرجال
تلقيح لألبابها ، و العلم شجون يستدعي بعضه بعضا . و متى قلنا : إننا مسلمون سلفيون ، و عقيدتنا عقيدة أهل
السنة و الجماعة ، فإن هذا الاعتقاد يوجب علينا الاتحاد على كلمة الحق و قول الصدق
، فنتفق و لا نفترق . يقول الله من ذلك أحاديث المهدي و ما يقال في صحتها و صلاحيتها ، و
ما يجب اعتقاده منها، لكن قد يعرض لتحقيق ما قلنا قول بعضهم بأن شيخ الإسلام
ابن تيمية رحمه الله قال بصحة خروج المهدي ، و هو العالم المحقق المشهود له بصحيح
الرواية و صريح الدراية . و أقول : نعم و إنني رأيت لشيخ الإسلام قولا يثبت فيه
بأنه ورد في المهدي سبعة أحاديث رواها أبو داود . و كنت في بداية نشأتي أعتقد اعتقاد
شيخ الإسلام ، حيث تأثرت بقوله ، حتى بلغت سن الأربعين من العمر و بعد أن توسعت في
العلوم و الفنون ، و معرفة أحاديث المهدي و قد قيل : كم فات على العالم النحرير ما عسى أن ينسب
فيه إلى الخطأ و التقصير . و هو كسائر علماء البشر فلا يحيط بكل شيء علما ، فقد
يحفظ شيئا و ينسى أشياء ، إذ الكمال لله سبحانه الذي لا راد لحكمه و لا معقب
لكلماته. و قد شبهوا زلة العالم بغرق السفينة ، يغرق بغرقها الخلق الكثير ، و كم
غرق في كلمة شيخ الإسلام هذه كثير من العلماء و العوام حين اعتقدوا صحة خروج
المهدي ، فكان من لقيته من العلماء و العوام يحتج بكلام شيخ الإسلام رحمه الله . و لعل هذا القول خرج منه في بداية عمره قبل توسعه في
العلوم و الفنون و هو مجتهد فهذا الإمام الشافعي له أقوال قالها في العراق ، و تسمى
أقواله القديمة ثم صار له أقوال جديدة قالها في مصر ، و صار العمل على أقواله
الجديدة الأخيرة ، مثله الإمام أحمد
فإن له في المسألة الواحدة عدة روايات ، لكون الاجتهاد في عرفهم يتجدد . و هذا الدارقطني رد على البخاري في بضعة و ثمانين موضعا
في صحيحه ، و لا عيب على البخاري و لا على الدارقطني ، و حسبك تفرق المذاهب إلى
أربعة و كل يرى عنده دليلا ليس عند صاحبه و يترضى بعضهم على بعض . و في البخاري : أن موسى لما لقي الخضر في مجمع البحرين ،
و هاله ما رآه من تصرفه من قتله للغلام ، و بنائه للجدار الذي يريد أن ينقض ، و
خرقه لسفينة المساكين الذين يعملون فيها التكسب في البحر ، فضاق صدر موسى من تصرفه
، و عيل صبره ، فأراد أن يفارقه فقال له الخضر يا موسى إني على علم من علم الله
علمنيه لا تعلمه أنت ، و أنت على علم علمكم لا أعلمه . و قال له أيضا يا موسى ما
نقص علمي و علمك من علم الله إلا كنقرة هذا العصفور في البحر . و هكذا يقع تفاوت
العلماء فيما علموه ، و الاختلاف فيما فهموه ، كما قيل :
إنه يجب علينا بأن يكون تعليمنا و اعتقادنا قائما على
أنه لا مهدي بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم كما لا نبي بعده .
كما نعتقد بأن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يخلف
وراءه علما و لا دينا يرتجي حصوله و وصوله على يد المهدي من بعده ، لأن الله
سبحانه قد أكمل لنا الدين ، و أتم به النعمة على المسلمين بإرسال هذا النبي الكريم
( عزيز عليه ما عنتم حريص عليكم بالمؤمنين رؤوف رحيم ) . و أنزل الله في كتابه المبين ( اليوم أكملت لكم دينكم و
أتممت عليكم نعمتي و رضيت لكم الإسلام دينا ) فما بعد الكمال إلا النقص ، و لا بعد
الإسلام إلا الكفر . و إننا بكتاب ربنا و سنة نبينا لفي غنى واسع عن دين
يأتينا به المهدي المنتظر إذا المهدي ليس بملك مقرب و لا نبي مرسل ، و ليس ديننا
الذي جاء به كتاب ربنا وسنة نبينا بناقص حتى يكمله المهدي ( و تمت كلمة ربك صدقا و
عدلا لا مبدل لكلماته و هو السميع العليم ) . إن رسول الله قال في موقف عرفة حين خطبهم تلك الخطبة
الطويلة فقال فيها : لعلم لا تلقوني بعد عامي هذا ، و قد تركت فيكم ما لن تضلوا
بعده إن اعتصمتم به : كتاب الله ، و في رواية أخرى : و سنتي ، و لم يقل : و تركت
من بعدي المهدي ، إذ أنه لم يثبت عن رسول الله صلى الله عليه و سلم في حديث صحيح
صريح أنه ذكر المهدي باسمه . إن من العلم ما يحسن كتمانه و يضر بيانه لبعض الناس ،
فقد كان النبي صلى الله عليه وسلم يخص ببعض العلم أفرادا من الناس ، و يوصيهم
بكتمانه خشية أن يفتن الناس ، كما خص معاذا بقوله صلى الله عليه وسلم : من مات لا
يشرك بالله شيئا دخل الجنة . فقلت : و إن زنا و إن سرق . فقال : و إن زنا و إن سرق
. فقلت : أ فلا أبشر بها الناس ؟ فقال : لا تبشرهم فيتكلوا. متفق عليه . فأمره
رسول الله بكتمان هذه البشرى خشية أن يتهاون الناس في فعل المعاصي ومثله إخباره حذيفة بأسماء ثلاثين من المنافقين و أمره
بكتمانه ، فكان الصحابة لا يصلون إلا على من صلى عليه حذيفة ، و يسمونه صاحب السر
المكتوم . و قد ترجم له البخاري في صحيحه فقال : ( باب من خص
بالعلم قوما دون قوم كراهية أن يفهموا ) و ساق عن علي : حدثوا الناس بما يعرفون ،
أتحبون أن يكذب الله و رسوله ! و قالوا: إنك لن تحدث الناس بحديث لم تبلغه عقولهم
إلا كان عليهم فتنة . فمتى كان الأمر بهذه الصفة ، فإن السياسة الشرعية توجب
على العالم بأن يذكرهم بما ينفعهم ، و ما يزيد في إيمانهم و تقواهم ، و أن يجتنب
التذكير بما يفتنهم و يزعزع إيمانهم، من ذلك : تذكير الناس بأن المهدي حق ، و أنه سيخرج على
الناس لا محالة و أنه يملأ الأرض عدلا ، فإن هذا لا يزيد في الإيمان ، و لا في
صالح الأعمال و يوقع في الناس الافتنان بين مصدق و مكذب . مع العلم أن أحاديث
المهدي ليست بصحيحة ، و لا صريحة ، و لا متواترة بل هي كلها مجروحة و ضعيفة ، و
الجرح مقدم على التعديل ، و قد رجح أكثر العلماء المتأخرين من خاصة أهل الأمصار
بأنها كلها مكذوبة على رسول الله صلى الله عليه وسلم، صنعها غلاة الزنادقة لما زال
الملك عن أهل البيت ، فأخذوا يرهبون بها بني أمية و يوعدونهم بأنه سيخرج المهدي ،
و قد حان خروجه فنزع الملك من بني أمية ثم يرده إلى أهل بيت رسول الله إذ أنهم أحق
به و أهله . و كان لعبد الله بن سبأ اليد العاملة في صياغة الحديث ،
و التلاعب بعقول الناس ، وكان يقول : إن المهدي هو محمد بن الحنفية بن علي بن أبي
طالب ، و إنه بعث بعد موته و سكن بجبل رضوى في الحجاز بين مكة و المدينة ، و إن
عنده عين عسل و عين ماء ، و سيقود الجموع لقتال بني أمية ، و سموا بالسبئة و فيه
يقول كثير عزة و هو سبيء.
و على كل حال فإنه متى ساء الاعتقاد ساء العمل ، و ساءت
النتيجة . و لقد عاش الخلفاء الراشدون و الصحابة و التابعون ، ثم
عاش من بعدهم العلماء و السلف الصالحون ممن كانوا في القرون الثلاثة المفضلة ، ثم
عاش من بعدهم جميع العلماء و الحكام و إننا الآن في العام التمام للقرن الرابع عشر من السنين
، و ما يشعرني أنه سيأتي من الزمان أكثر مما مضى حتى تقوم الساعة دون أن يخرج
المهدي ، و الله أعلم .
|