![]() |
|
|
خطبة الكتاب الحمد الله و لا حول و لا قوة إلا بالله . أما بعد : فإن هذه الرسالة المسماة ( لا مهدي ينتظر بعد
الرسول محمد خير البشر ) اخترت لها هذه التسمية لتكون عقيدة حسنة ، تتدلل بها
الألسنة من كل مسلم و مسلمة ، لاعتقاد أنها حقيقة مسلمة . بدأتها بدعوة العلماء و الطلاب إلى الاتحاد على حسن
الاعتقاد من أنه لا مهدي ينتظر بعد الرسول خير البشر . لأنني و إن كنت أرى في نفسي أنني أصبت في الرسالة مفاصل
الإنصاف و العدل ، و لم أنزع فيها إلى ما ينفيه الشرع أو يأباه العقل ، لكنني فرد
من بني الإنسان الذي هو محل للخطأ و أن فكرة المهدي ليست في أصلها من عقائد أهل السنة
القدماء ، فلم يقع لها ذكر بين الصحابة في القرن الأول ، و لا بين التابعين ، و أن
أصل من تبني هذه الفكرة و العقيدة هم الشيعة الذين من عقائدهم الإيمان بالإمام
الغائب المنتظر ، يملأ الأرض عدلا كما ملئت جورا، ثم انتقلت بصورة عامة إلى المجتمع الإسلامي حين نادى بها
في الناس عبد الله بن سبأ، المعروف بصريح الإلحاد و العداء للإسلام و المسلمين ،
فأخذ هو و شيعته يعملون عملهم في صياغة الأحاديث ، و وضعها على لسان رسول الله بأسانيد منظمة عن أهل القبور ، و
أخذوا في نشرها في مجتمع الناس ، حتى لا يفقدوا الأمل الذي يرتجونه بزعمهم في
إرجاع الحكم إلى أهل البيت ، ليزيلوا عنهم الظلم و الاضطهاد الواقع بهم من قبل
خصومهم بني أمية ؛ فهي دعوة سياسية إرهابية ن كما أن بني أمية لما سمعوا بهذه
الأحاديث الموجهة لهم من العراق ، و التي ترجف بهم و تهددهم بالإيقاع بهم ، و
تنبهوا لهذا فأقاموا السفياني مقام المهدي ، و عمل أنصارهم عملهم في وضع الحديث عن
رسول الله في السفياني ، من ذلك ما روى الحاكم في صحيحه عن أبي هريرة قال : قال
رسول الله صلى الله عليه وسلم : يخرج رجل يقال له السفياني من دمشق ، و عامة من
يتعبه من كلب فيقتل حتى يبقر بطون النساء ، و يقتل الصبيان ، و ذكر بقيه الحديث ،
ثم قال الحاكم : هذا حديث صحيح على شرط الشيخين و لم يخرجاه، ثم ساق حديثا ثانيا
في السفياني ، هي بمثابة تصحيحه و تصحيح الترمذي لأحاديث المهدي على حد سواء، فالجواب : إن هذه الأحاديث الكثيرة التي تبلغ خمسين
حديثا في المهدي عند أهل السنة، بعضها يزعمونها صحاحا ، و بعضها من الحسان ، و
بعضها من الضعاف ، و قد بلغت ألفا فهذه الأحاديث هي التي أخذت بمجامع قلوب الأكثرين من علماء
أهل السنة على حد ما قيل و القوة للكاثر ، على أن الكمية لا تغني عن الكيفية شيئا
، و أكثر الناس مقلدة ، يقلد بعضهم بعضا ، و قليل منهم المحققون فإن المحققين من
العلماء و المتقدمين و المتأخرين ، قد أخضعوا هذه الأحاديث للتصحيح و التمحيص ، و
للجرح و التعديل ، فأدركوا فيها من الملاحظات ما يوجب عليهم ردها ، و عدم قبولها ،
لأمور منها : أن النبي صلى الله عليه وسلم بعث بدين و منها أن المهدي الذي يزعمون صحة خروجه ، أن اسمه محمد
بن عبد الله ، و أن صفته أجلى الجبهة ، أقنى الأنف ، و هذه التسمية بهذه الصفة
توجد بكثرة في الطوائف المنتسبين إلى الحسن و الحسين، فلا تعطي يقينا في التعيين ،
فمتى أتى من انطبعت فيه هذه الأوصاف، و قال: إنني أنا المهدي ، فعند ذلك يقع
المحذور من إثارة الفتنة بين مصدق به و مكذب ، و بين محب و منها : أنه من الأمر المحال أن يوجب النبي على أمته
التصديق برجل من بني آدم، مجهول في عالم الغيب ، و هو ليس بملك مقرب ، و لا نبي
مرسل ، و لا يأتوني بدين جديد من ربه مما يجب الإيمان به و العمل بموجبه ، ثم يترك
أمته يتقاتلون على حساب تصديقه و التكذيب به و فإن هذا من الأمر المنافي لسنته و
حكمة رسالته ، » عزيز عليه ما عنتم حريص عليكم
بالمؤمنين رؤوف رحيم « .و منها : أننا ليسنا بأول من رد
هذه الأحاديث ، فقد أنكرها بعض العلماء قبلنا ، فقد قال شيخ الإسلام ابن تيمية
رحمه الله في » المنهاج « بعد ذكره
لأحاديث المهدي : إن هذه الأحاديث في المهدي قد غلط فيها طوائف من العلماء
، فطائفة أنكروها مما يدل على أنها موضع خلاف من قديم بين العلماء ، كما هو الواقع
من اختلاف العلماء في هذا الزمان. و منها : أن هذه الأحاديث لم يأخذها البخاري و مسلم ، و
لم يدخلاها في كتبهما ، مع رواجها في زمنها ، و ما ذاك إلا لعدم ثباتها عندهما ،
كما أنه ليس للمهدي ذكر في القرآن ، مما يقلل الاحتفال بها . و منها : تناقض هذه الأحاديث و تعارضها في موضوعها ،
فمهدي اسمه اسم الرسول، اسم أبيه اسم أبيه ، و مهدي اسمه أبو عبد الله ، و مهدي
يشبه الرسول في الخلق ، و لا يشبهه في الخلق ، و مهدي يصلحه الله في ليلة ، و رجل
يخرج هاربا من المدينة إلى مكة ، فيبايع له بين الركن و المقام و رجل اسمه بن حران
، يوطئ أو يمكن لآل محمد ، و رجل يخرج من وراء النهر ، و رجل يبايع له بعد وقوع
فتنة عند موت خليفة ، و رجل أخواله كلب ، و تأتيه الرايات السود من قبل العراق ، و
أبدال الشام ، و مهدي يصلي عيسى بن مريم خلفه ، و مهدي يقال له بحضرة نبي الله
عيسى : صل أيها الأمير ، فيقول : كل إنسان أمير نفسه ، تكرمة الله لهذه الأمة. فهذه و ما هو أكثر منها ، مما جعلت المحققين من العلماء
يوقنون بأنها موضوعة على لسان رسول الله ، و أنها لم تخرج من مشكاة نبوته ، وليست
من كلامه ، فلا يجوز النظر فيها، فضلا عن تصديقها . فهذه الأحاديث التي رواها أبو داود ، و الترمذي ، و ابن
ماجه هي التي حملت بعض علماء السنة لكثرتها على التصديق بها ،فقبلوها قاعدة مسلمة
، و عقيدة محترمة ، سامعين مطيعين لها بدون تفكر و لا تدبر ، كالشيخ صديق و
الشوكاني ، و السفاريني ، و الشيخ مرعي، و العبادي ، وسائر العلماء من المتأخرين .
فلو أن هؤلاء حققوا النظر بإمعان و تفكر في أحاديث المهدي التي رواها أبو داود ، و
ابن ماجه ، و الترمذي ، فقابلوا بعضها ببعض ، لعرفوا من مجموعها حقيقة التعارض و
الاختلاف ، و لظهر لهم منها ما يوجب عليهم الرجوع عن التصديق بها ، و كون أكثرها
قضايا أحداث وقعت مع أشخاص ، و لا ذكر للمهدي فيها . و كل حديث يذكر فيه المهدي فإنه ضعيف ، كحديث علي مرفوع
: لو لم يبق من الدنيا إلا يوم لبعث الله رجلا منا يملؤها عدلا كما ملئت جورا و
مثله عن علي رضي الله مرفوعا : المهدي منا أهل البيت . و كذا عن علي رضي الله : و
نظر إلى ابنه الحسن فقال : إن ابني هذا سيد كما سماه رسول الله ، و سيخرج من صلبه
رجل يسمى باسم نبيكم ، يشبهه في الخلق و لا يشبهه في الخلق ، و مثله : حديث أم
سلمة مرفوعا : المهدي من عترتي و من ولد فاطمة . رواها كلها أبو داود في سننه و
غيره . و قد أعرض أكثر المحدثين عن إثبات أحاديث كثيرة في كتبهم
عن أهل البيت ، لتسلط الغلاة على إدخال الشيء الكثير من الكذب في فضائلهم كما
تحاشى عنها البخاري و مسلم، ثم إن عادة العلماء المحدثين و الفقهاء المتقدمين ، أن
بعضهم ينقل عن بعض الحديث أحدها : أنه المسيح ابن مريم ، و هو المهدي على الحقيقة
. الثاني : أنه المهدي بن المنصور ، الذي ولي من بني
العباس ، و قد انتهى زمانه . الثالث : أنه رجل من أهل بيت النبي صلى الله عليه وسلم ،
من ولد الحسن بن علي، يخرج في آخر الزمان . و أكثر الأحاديث على هذا . الرابع : قول الإمامية ، و أنه محمد بن الحسن العسكري . فهذه الأقوال على اختلافها ، تدل على أن القضية هو موضع
نزاع و خلاف في قديم الزمان و حديثه
، و ليست بموضع اتفاق . و من لوازم قوله أن ما يزعمونه من خروج المهدي المجهول
في عالم الغيب ، أنه لا حقيقة له لكن المتعصبين لخروجه لما كل عليهم الأمد ، و مضى
من الزمان أربعة عشر قرنا. و كلام العلماء من المتأخرين كثير ، و أعدل من رأيته
أصاب الهدف في قضية المهدي هو : أبو الأعلى المودودي ، حيث قال في رسالة اسمها » البيانات « عن المهدي : إن الأحاديث في هذه المسألة على نوعين ، أحاديث فيها
الصراحة بكلمة المهدي، و قال : لا يمكن بتأويل مستبعد أن في الإسلام منصبا
دينيا يعرف بالمهدوية يجب على كل مسلم أن يؤمن به ، و يترتب على عدم الإيمان به
طائفة من النتائج الاعتقادية ، و الاجتماعية في الدنيا و الآخرة . و قال : مما يناسب ذكره بهذا الصدد ، أنه ليس من عقائد
الإسلام عقيدة المهدي ، و لم يذكرها كتاب من كتب أهل السنة للعقائد ، انتهى . و الحاصل الذي نعتقده ، و ندين الله به ، أنه لا مهدي
ينتظر بعد الرسول محمد خير
|