|
دعوة لحكام المسلمين للاهتمام بموضوع
المبتعثين أرفع لحكام المسلمين ، و فقهم الله
للتمسك بالدين ، سلام الله و رحمته عليهم أجمعين. أما بعد : فإن الله سبحانه في كتابه المبين ، و على لسان نبيه
الصادق الأمين ، قد أوجب علينا بأن ننصح من ولاه الله أمرنا ، فإن الدين النصيحة
لله و لعباده و لأئمة المسلمين . و قد أوجب الله على المؤمنين بأن يكونوا قوامين
لله بالقسط أي بالعدل في أهلهم و عيالهم ، إذ العدل قوام الدنيا و الدين و صلاح
المخلوقين . و إن شباب المسلمين هم جيل المستقبل
بحيث يسعد الناس بصلاحهم ، و يشقون بفسادهم فمن الواجب على حكام المسلمين الذين
جعلهم الله رعاة على عباده المؤمنين ، بأن يحموهم عما يضرهم ، مما يعد في
استطاعتهم ، فإن الوقاية خير من العلاج . و إن أضر ما يصاب به الشاب هو إهماله و
إلقاء حبله على غاربه ، يتصرف كيف يشاء بدون وازع و لا مراقب و الله يزع بالسلطان
أعظم مما يزع بالقرآن ، و لو لا دفع الله الناس بعضهم ببعض لفسدت الأرض . إن مما ندرك على حكام المسلمين ما عسى
أن يكونوا غافلين عن مضرته و سوء عاقبته، و ذلك في فتحهم الأبواب لتسفير الطلاب
إلى الخارج من بلدان أوروبا و أميركا للتعلم كما زعموا. و لا أدري ما هذا العلم
الذي يبتغونه عند أساتذة النصارى أ هو من العلم الضروري الذي يتعذر الحصول عليه في
بلدان المسلمين ، كالعلم بوسائل الصعود إلى سطح القمر ، أم هو العلم الشهير في
سائر الجامعات و الكليات و المعاهد و المدارس في سائر البلدان الإسلامية . و إننا لا نعلم شيئا يبتغونه خارج
البلدان العربية سوى تعلم اللغة الأجنبية ، إذ هي غاية قصدهم و نهاية علمهم و
عملهم . و إن الحصول عليها سهل متيسر في بلدهم كسائر العلوم التعليم في
الخارج محفوف بالأخطار : و لا شك أن هذا أفضل من التعلم في
الخارج ، الذي هو محفوف بالأخطار و الأضرار، فهو خطر على العفاف و الشرف و على
العقيدة و الأخلاق لكثرة من يلقونه و يختلطون به ممن ليس على دينهم ، و قد تؤثر
فيهم مجالستهم و مؤانستهم مع صغر سنهم ، و كون قلوبهم قابلة لما يلقي فيها من
الخير و الشر . و يا ليت شعري ماذا يرجعون به و ماذا يستفيدونه من هؤلاء الأساتذة
. فإنهم بمجرد الاختبار و التجربة يرجع أحدهم إلى أهله وهو ساذج من العلم و
المعرفة مزيف مغشوش بشهادة النجاح الكاذبة التي لا حقيقة لها سوى الغش ، بمحاولة
تكثير سواد الطلاب عندهم و في بلدهم لما يكتسبونه على أثرهم من المادة . و قد استعاذ النبي صلى الله عليه وسلم
من علم لا ينفع ، و لا يستعيذ إلا من الشر ، إذ الغاذي شبيه بالمغتذي ، فمن العناء
العظيم استيلاد العقيم و الاستشفاء بالسقيم ، فما أبعد البرء من طبيب داؤه من
دوائه و علته من حميته . إنه من المعلوم أن الشباب يفضلون
السفر إلى الخارج للتعلم مهما كانت مضرته و سوء عاقبته ، لكونهم يفتخرون به و
يرونه سببا و وسيلة إلى رفع رتبهم و مرتباتهم ، فصاروا يفضلونه على التعلم في
بلادهم . و كان بدء فتح هذا الباب للسفر للخارج في البلدان العربية حينما ابتدئ
بفتح المدارس فيها على اختلاف أنواعها و علومها ، و لم يكن لديهم في ذلك الوقت
كفاءة من المعلمين ، ففتحوا هذا الباب للطلاب ليتعلموا شتى العلوم و الفنون كي
يستغنوا بعلمهم فاستمر هذا الفتح إلى حد الآن يقتدي
الناس بعضهم ببعض فيه دون أن يفكروا في الاستغناء عنه . و إن من الرأي السديد و الأمر المفيد
وجوب غلق هذا الباب عن سائر الطلاب لحصول الكفاءة التامة بالمعلمين من داخل
البلدان العربية ، و الاستغناء بهم عن السفر للخارج بالكلية فيا ليت شعري من الذي
يفوز بالسبق إلى غلق هذا الباب الذي أحدث القلق و الاضطراب في عقائد الطلاب ، فإن
خير الناس من يكون مفتاحا للخير مغلاقا للشر . و إن الحكام متى اخترعوا أمرا و شرعوا مشروعا مما يتطلع
إليه الطلاب ، ويؤملون نجاحهم على أثره برفع راتبهم و مراتبهم و قبول دوائر
الأعمال لهم ، فإنه من المعلوم أن الناس يندفعون إليه بشغف و شدة بحيث يطأ بعضهم
أعقاب بعض في طلبه حتى و لو كان سيئ العاقبة في نفس الأمر . و الواقع إن فعل
الحكومة لهذا الشيء بهذه الصفة هو غاية في التشجيع
الحاكم بمثابة العقل المفكر و الرأي
المدبر لشؤون رعيته : إن الحاكم يجب أن يكون بمثابة العقل
المفكر و الرأي المدبر لشؤون أمر رعيته و بلده، فيفتح أبواب العلم و التعليم
لمختلف العلوم و الفنون على مصارعها ، و يجلب لهم ما يحتاجون إليه من صنائع و صناع
و أطباء و أساتذة لسائر العلوم و الفنون ، ثم يوعز للطلاب بأن يتعلموا ثم إن الحكومة تستفيد اختصار النفقات
العظيمة من المرتبات و أجور الطائرات كما تستفيد أيضا طرح شيء كثير من العناء و
الشغل في سبيل سفرهم و ذهابهم و إيابهم . و كما يستفيد أهل الطالب عدم الشغل بسفر
ولدهم و توفير ما كانوا يوافونه به من النفقات . فإن أكثر الطلاب لا يكفيه راتبه
الشهري على كثرته بل لا يزال يلاحق أهله في إرسال زيادة على مرتبه مع العلم أن مؤن
المعيشة و أجور المساكن تزداد غلاء كل يوم خاصة في تلك البلدان . فمتى عملت الحكومة عملها في سبيل
التعلم في بلادها و صرفت مرتبات الطلاب الشهرية لهم في بلدهم ، فإن الطالب يستفيد
منها أكثر كما أن أهله يستفيدون منها ، و كما تستفيد البلاد من انتشار هذه الرواتب
الكثيرة فيها و كما تستفيد الحكومة شيئا من الراحة عن العناء و الشغل في دائرة
أعمالها . لقد عرفنا من أخلاق حكامنا الأكرمين
رسوخ الحب و الحفاء في قلوبهم لرعاياهم ، و أنهم يحبون أن يوصلوا إليهم كل ما
ينفعهم و يدفعوا عنهم كل ما يضرهم بكل سبيل حسب غير أن مثل هذا الرأي قد لا يوافق
أذواق الكثير من الطلاب و تنابذه نزعاتهم ، و لا عجب فإن الحق لا يتمشى على رغبة
الناس ، و قد يكون الخير في ضمن
ما يكره الناس ، و ما أنا إلا صديقهم الحفي أخلص لهم نصحي حتى و لو كان مرا في
حلوقهم ، فإن الصديق المخلص هو من يجرع صديقه الدواء المر ليقيه من الوقوع في الضر
.
و إننا متى قابلنا المتخرجين في بلدان
أوروبا و بين المتخرجين في الجامعات و الكليات أما المتخرج من الجامعات و المعاهد
الإسلامية و كليات الشريعة فإننا نجد عند أحدهم ما يشفي و يكفي من العلوم و الفنون
سواء في التفسير أو الحديث أو السيرة أو التاريخ أو اللغة فتجد عنده ثمرة من
العلوم النافعة كل على حسبه و على قدر موهبته من ربه و خاصة القدامى الذين تخرجوا
من مقدار ثلاثين أو عشرين سنة فإنهم أرقى في العلوم و المعرفة من المتخرجين في هذه
السنين لكونه قد تغير أسلوب التعلم و التعليم في البلدان العربية كغيرها و صاروا
يسلخون الخطر و الضرر
الذي يتعرض له المبتعث من الفتن و هو صغير السن: و إن مما يؤكد الخطر و يوقعهم في
الضرر على الأخلاق و العقائد كون أكثر هؤلاء الطلاب يسافرون إلى الخارج و هم صغار
أسنان ، لم ترسخ في قلوبهم تعاليم
دين الإسلام، و مما لا شك فيه أن إرسال أولادنا و
بناتنا للتعلم في بلدان أوروبا و البلدان الشيوعية له مخاطره في تكوين عقولهم و له
آثاره في بناء شخصيتهم . فالطالب يجد نفسه يتلقى فلسفة الغرب
المادية و العلمانية و عقيدته السيئة الخاصة به و هناك فرق بين نوعين من العلوم التي
يتوجه أبناؤنا لتحصيلها . فالعلوم الإنسانية مثل الأدب و التاريخ و الفلسفة و
الاجتماع و الاقتصاد و العلوم السياسة و القانون . فهذه العلوم لا حاجة لأبنائنا
في تحصيلها من علماء لا عقيدة لهم و لا أخلاق إن يتأثرون بأفكارهم و ميولهم أما العلوم التطبيقة و العلمية البحتة
كالطب و الهندسة فإن سعيهم لاستكمالها يغدو و فق شروط معينة ضرورة ملحة . و لسنا نقول ذلك و نطالب به إلا
انطلاقا من حرصنا على مستقبل شبابنا رجال المستقبل الذين يؤتمنون على تربية رجاله
المقبلة . فالعائد من الخارج يأخذ مركزه القيادي
و التربوي و لا تقصر الدولة في إعطائه مكانته في قيادة البلاد و العباد سواء في
مجال التعليم أو التصنيع أو العمل الإداري
. فإذا عاد إلينا بعقيدة ممسوخة و
بأفكار تغاير مبادئنا و أخلاقنا و ديننا فإنه لا محالة سيؤثر في نفوس الكثير و يقودهم
إلى المهالك ……. و نحن نعلم أن مؤسسات الاستعمار و
مراكز توجيهه تتلقى الطلاب و الطالبات و تحوطهم بكل وسائل الإغراء و الفتنة من كل
لون : الفكري و الجنسي و النفسي ، و قليلون من ينجون من شرهم . و الصهيونية بألاعيبها و حيلها توقع
كثيرا منهم في حبالها تحت بريق العلم و الخداع، غير ذلك من النوادي الليلية التي
يديرونها لجر أرجل هؤلاء الطلاب و صرفهم عن تلقي العلم المبتعث من أجله . و البلدان الشيوعية الماركسية تحرص كل
الحرص على تلقين المبتعثين من بلادنا أفكارهم و آرائهم و فلسفتهم المادية ، فيعود
المبتعث و هو ناقم على دينه و عادات أهله و تقاليدهم …. فيخرب و يهدم ….. و ذلك من
جراء إرسالنا لأولادنا و تركهم في أحضانهم ، و ناهيك عن وسائل التدمير في هذه
المجتمعات التي أصبح شرب الخمر و المخدرات كتناول الخبز و الماء، و من يمارس هذا الحرام يسهل قياده و
يعد مفقود الإحساس بالكرامة ، و يفرط في كل شيء في سبيل شهوته و نزواته ، إذ إن
إدمان رؤية المنكرات تقوم مقام ارتكابها في سلب القلوب نور التمييز و الإنكار ،
لأن المنكرات متى كثر على القلب ورودها ، و تكرر في العين شهودها، ذهبت عظمتها شيئا
فشيئا إلى أن يراها الإنسان فلا يحس أنها منكرات ، و لا يمر بفكره أنها معاص ، و
ذلك بسبب سلب القلوب نور التميز و الإنكار على حد ما قيل إذ كثر الإمساس قل
الإحساس . و لا حجة لمن يقول إن الطالب أو
الطالبة لا يتغير ما دام متحصنا بالثقافة الإسلامية في بلده . لأنه مهما تحصن و
تحصل له من ثقافة إسلامية فإن ظروف الغربة و الضغوط و التأثيرات و الإغراء في
مجتمع متحلل لا بد و أن يؤثر فيه أو يشوه عقليته . و ما حاجتنا إلى أن نلقى بفلذات
أكبادنا في هذه المجتمعات التي غاية في مهالك الأخلاق، و نحن قادرون على تلقيهم
العلوم في بلدهم و جلب القدرات العلمية إلى بلادنا بشروط توافق عقيدتنا و تقاليدنا
و يكونون تحت بصرنا …… فنسلم من شرهم و نأمن عواقب أفكارهم . سفر البنات
الطالبات إلى الخارج أشد ضررا: …. أما
سفر البنات الطالبات إلى الخارج فإنه أشد ضررا و أكبر نكرا . لأننا و إن قلنا إن
النساء في حاجة إلى العلم و الأدب و الإصلاح و تعلم سائر العلوم و الفنون كالرجال
، فهذا صحيح و العلم النافع مطلوب و مرغوب فيه حق الرجل و النساء . غير أن هذا العلم من الممكن تحصيلها له
في بلدها بمراجعة الكتب و الفنون و سائر المؤلفات ، و بسؤال العلماء عن المشكلات
فإن هذا هو طريقة حصول العلم للرجال و النساء . فالراسخون
في العلم و المتوسعون فيه إنما توصلوا إلى ما تحصلوا عليه بهذه الطريقة. فلماذا
تترك المرأة هذه ثم تحرص و يحرص أهلها على سفرها وحدها الذي حرمه الشارع بقوله… » لا يحل لامرأة تؤمن بالله
و اليوم الآخر أن تسافر يوما و ليلة إلا مع ذي محرم «…. رواه البخاري و مسلم . خصوصا مثل السفر البعيد
الذي تتعرض فيه إلى الأخطار و الأضرار، ثم إلى فتنتها و الافتنان بها الناشئ عن
وحدتها و الخلوة بها ، و عن اختلاطها بالرجال في الملاهي و المجتمعات و سائر
الأحوال و الأوقات تقليدا بما يسمونه تحرير المرأة عن رق أهلها و زوجها و هن
ناقصات عقل و دين و المشبهة عقولهن بالقوارير في سرعة تكسرهن و ميولهن، و ليس من
شأنها أن تطلب علما يوصلها إلى سطح القمر بحيث لا تجده إلا في الخارج و ما عداه
فإنه موجود في بلدها بدون سفر . لهذا يحرم على حكام المسلمين تمكين النساء من
السفر إلى الخارج ، كما يحرم إعانتهم لهن في سبيل هذا السفر لاعتبار أنه سفر معصية
بلا شك .. و بالله قل لي ماذا ينفع العائلة الحسيبة المسلمة من سفر ابنتهم إلى
المدارس النصرانية تتربى بأخلاقهم إن أكبر
ما تستفيده في اللغة الأجنبية التي يمكن أن تخاطب بها أمها و لا أباها و أخواتها،
و إذا رجعت من سفرها إلى أهلها رجعت إليهم بغير الأخلاق و الآداب التي يعرفونها
عنها، فترى أهلها كأنهم عالم غير العالم الذي نشأت فيه ، و تحمل في نفسها الكبر و
الازدراء لأهلها فتعيب عليهم كل ما يزاولونه من معيشتهم و أخلاقهم و آدابهم و
عوائدهم ، ثم تقع العداوة و إننا باعتبار أننا مسلمون على الحقيقة
فإنه يجب علينا امتثال مأمورات دين الإسلام
إنه لا
ينبغي لنا أن نحسن الظن بها و الحالة هذه بل يجب أن نحسن العمل برعاية حمايتهن عن
مراتع الفتن فإن من وقع في الشبهات و قع في الحرام .
و كذا
يقال في الأئمة الذين جعلهم الله رعاة على عباده بأنه يجب عليهم أن يغرسوا في نفوس
رعاياهم التخلق بمحبة الفرائض و الفضائل ، و حمايتهم عن منكرات الأخلاق و الرذائل
باستعمال الأسباب و الوسائل فإن الوقاية خير من العلاج ، و الدفع أيسر من الرفع .
أو لم يكن الأوفق و الأليق لهذه البنت و لأهلها أن تتعلم مبادئ العلوم و الشريعة
عند أهلها و في مدارس بلدها لتستعين بالبيئة و المجتمع على تهذيبها و صيانتها وحسن تربيتها و حسن الظن بها، إن تحويل
النساء المسلمات عن أخلاقهن الإسلامية يقع بتأثير أخلاق أرواح أجنبية غايتها تحويل
المسلمات عن دينهن و جميل أخلاقهن إلى أتباع الأوروبيات و تقليدهن في عاداتهن، فهذه
نصيحتي لكم و الله خليفتي عليكم و استودع الله دينكم و أمانتكم و السلام عليكم |