الموضوع التالي

الموضوع التالي

الـفـهـــــرس

الموضوع السابق

الموضوع السابق

 

الاقتصاد في مؤن النكاح و مراعاة التسهيل و التيسير 

الحمد لله ثم الصلاة و السلام على محمد رسول الله .

أما بعد :

فإن الله سبحانه خلق آدم حين خلقه من تراب ثم قال له كن فكان ، فصار بشرا سويا فريدا وحيدا قبل أن يوجد في الدنيا أحد . فكان يهيم في الفلوات و يستوحش في الخلوات ، لا يقر له قرار و لا يأوي إلى أهل و لا دار . فبينما هو كذلك إذ نام نومة فاستيقظ ، فإذا حواء مخلوقة من ضلعه الأيسر  ، فسكن إليها و أنس بها ، و سمى إنسانا من أجل أنسه بغيره ، لأن الإنسان اجتماعي بطبعه .

يقول الله : ( و من آياته أن خلق لكم من أنفسكم أزواجا لتسكنوا إليها و جعل بينكم مودة
و رحمة إن في ذلك لآيات لقوم يتفكرون ) .

و قد دل الحديث الصحيح على ما دلت عليه الآية من قول النبي e : » إن المرأة خلقت من ضلع أعوج ، و إن أعوج ما في الضلع أعلاه . فإن استمتعت بها استمتعت و بها عوج ، فإن ذهبت تقيمها كسرتها ، و كسرها طلاقها « رواه مسلم ، هذا معنى قوله تعالى : ( و من آياته أن خلق لكم من أنفسكم أزواجا لتسكنوا إليها ) .

فالمرأة سكن للرجل و كرامة و نعمة له ، تجلب إليه الأنس و السرور و الغبطة و الحبور و تقاسمة الهموم و الغموم ، و يكون بوجودها بمثابة الملك الخدوم و السيد المحشوم ، فمسكين مسكين رجل بلا امرأة …. و العزاب هم أراذل الأحياء و شرار الأموات …… كما أن الزوج كرامة و نعمة للمرأة ، يرفع مستوى ضعفها ، و ينشر جناح وحدتها ، و يسعى عليها بكل ما تشتهي من الحاجات و النفقات ، و يجعلها سيدة بيت و سعيدة عشيرة و أم بنين و بنات . و لهذا قال : ( و جعل بينكم مودة و رحمة ) .

إن أصفى السرور هو اجتماع المودة و الرحمة بين الزوجين ، لأنها هي السعادة الزوجية، بحيث يحب أحدهما الآخر ، و يكرم أحدهما صاحبه ، و يعيشان عيشة هنيئة مرضية بأخلاق كريمة زكية . و هذا معنى قوله تعالى ….. ( و جعل بينكم مودة و رحمة ) .

لكن قد تجعل المودة في الشخص و لا تجعل فيه الرحمة ، كما يوجد من أخلاق بعض الأجلاف الجفاة ، يحب أحدهم زوجته و لكنه يعاملها كمعاملة المبغض من الضرب و السب
واللعن ، و شتم الآباء و الأمهات ، و ربما يكلفها الأعمال الشاقة ، و يضيق عليها في النفقة
والكسوة الواجبة ، حتى تلجئها الحاجة و سوء الحالة إلى الاستنفاق من أهلها .

و قد يتزوج أخرى عليها ، فيقطع صلته بها و نفقته عليها و على عياله منها ، حتى تكون عنده كالمعلقة ، لا هي ذات زوج ولا مطلقة . فهؤلاء يعتبرون من أراذل الناس و أشرارهم الذين ساءت طباعهم و فسدت أوضاعهم ، فلا أخلاق و لا إنفاق و لا كرم و لا وفاق .

و قد يجعل الله الرحمة و لا يجعل المودة ، كما يوجد من أخلاق بعض الفضلاء الكرماء يقع في نفس أحدهم عدم المودة الصافية منه لزوجته ، لكنه يعاملها معاملة المحب بالعطف
واللطف ، لأن الناس يتفاوتون في الأخلاق ، كما أنهم يتفاوتون في الأرزاق ، فما أعطي أحد عطاء أفضل من خلق حسن .

إنه ما من أحد من الناس إلا و فيه شيء من النقص ، فقد يوجد في المرأة شيء من النقص أو التقصير ، إما في الجمال أو في الحال ، أو عدم التدبير ، لكون الكمال التام متعذرا من كل رجل و امرأة . غير أن الكرماء يتعاشرون بالشرف ، كما في الحديث أن النبي e قال:
» لا يفرك مؤمن مؤمنة « أي لا يبغض مؤمن مؤمنة . » إن كره منها خلقا رضي منها آخر « رواه مسلم .

فالرجل الكريم و صاحب الخلق القويم يغض عن الشيء اليسير ، فما استقصى كريم قط
فكم من رجل كره امرأة فصارت ناصيتها ميمونة عليه و على عياله و أهل بيته فأنجبت له أولادا كرماء قاموا بنفعه و نشروا فخر ذكره . ( فعسى أن تكرهوا شيئا و يجعل الله فيه خيرا كثيرا ) .

و كم من رجل فتن بمحبة امرأة بجمالها فأفسدت عليه دينه و دنيا و خلقه و عياله
( وعسى أن تحبوا شيئا و هو شر لكم ) .

إنه متى تيسر قران الشخص بامرأة صالحة ذات حسب و دين ، فليعلم أنه قد تحصل على سعادة عاجلة و كرامة وافرة …… ففي الحديث أن النبي e قال : » الدنيا متاع و خير المتاع الزوجة الصالحة ، التي إذا نظر إليها سرته ، و إن أمرها أطاعته ، و إن غاب عنها حفظته في نفسها و ماله « .

فمن واجب شكر هذه النعمة معاشرة هذه الزوجة بكرم الأخلاق و جميل الوفاق . ففي الحديث أن النبي e قال : » أكمل المؤمنين إيمانا أحسنهم خلقا ، و خياركم خياركم لنسائهم . قال : و أنا خيركم لأهلي « ….. رواه الترمذي و ابن حبان في صحيحه ، لا سيما المرأة ذات الخلق الحسن و الدين ، فإنها من خير ما يحظى به الإنسان في حياته و في بيته ، لكونها تربي بناتها و أهل بيتها على الخلق الحسن و الدين ، و في البخاري : » أن النبي e قال تنكح المرأة لأربع : لمالها ، و لجمالها ، و لحسبها ، و لدينها ، فاظفر بذات الدين تربت يداك  « .

إنه متى كان النكاح الشرعي من سنن المرسلين و من ضرورية بقاء نوع الآدميين ، فإن من الواجب على العقلاء فتح أبوابه و تسهيل طرقه و أسبابه ، و ذلك بالقضاء على المتطلبات المرهقة و التكاليف الشاقة ، التي هي بمثابة العقبة الكؤود في طريق المعوزين و المتوسطين من أبناء المسلمين ، بحيث تحول بينهم و بين الاتصال بمن يرغبون نكاحه من بنات عمهم و أهل بلدهم ، فيجب أن يعقدوا الجمعيات على أثر الجمعيات في تبادل الآراء النافعة في سبيل ما يختصر لهم الطريق ، و يزيل عن شبابهم الحرج و الضيق ، و ذلك بتخفيض مؤن تكاليف النكاح  الذي يذهب أكثرها في سبيل الإسراف و التبذير و التوسع في العطايا و الهدايا و سوء التدبير
فيكون خسارة على الزوج و على أهل الزوجة . و المرأة ليست بسلعة توضع للمزايدة بل هي حرة و إنما تقاطع الناس بالتكلف .

و النبي e قال : » خير الصداق أيسره  « ، ويقول أمير المؤمنين عمر بن الخطاب
» لا تغالوا في صدقات النساء ، فإنها لو كانت مكرمة في الدنيا أو تقوى عند الله لكان أولاكم بها رسول الله، فإنه ما أصدق أحدا من نسائه، و لا أصدقت أحد من بناته أكثر من خمسمائة درهم  « و هو قدر يقل عن مائة ريال . لأن الفضلاء من الكرماء لا يرون كثرة الصداق في نفوسهم شيئا  و إنما جل قصدهم اتصال حبل الخاطب الكفء بالمخطوبة في حالة راحة و رفاهية ، فهم يحاربون الإسراف الضار بالزوج و أهل الزوجة .

و لا يستنكفون عن خطبة الرجل الكفء لبنت أحدهم و موليته ، كما عرض عمر بن الخطاب ابنته حفصة على عثمان بن عفان فاعتذر لعدم رغبته في النكاح ، ثم عرضها على أبي بكر الصديق فسكت و لم يجب بنفي و لا إثبات ، ثم خطبها رسول الله فتزوجها .

إن المتطلبات المرهقة و التكاليف الشاقة قد تركت البنات الأبكار العذارى عوانس و أيامى في بيوت آبائهن ، يأكلن شبابهن و تنطوي أعمارهن سنة بعد سنة ، و الجريمة هي جريمة التكاليف الشاقة ، يخطب الخاطب فيقولون هذا ليس بتاجر ، و يخطب الآخر فيقولون هذا مرتبه ليس بكثير ، و يخطب الآخر فيقولون هذا لا يدفع لنا إلا قليلا . فتذهب نضارة البنت في سبيل هذا الترديد ، كأنه يضع ابنته للمزايدة ، و لو ترك لها الخيار لقبلت الخاطب الكفء على ما تيسر
و قالت رزقي و رزقه على الله .

و الله يقول : ( و أنكحوا الأيامى منكم و الصالحين من عبادكم و إمائكم إن يكونوا فقراء يغنهم الله من فضله ) .

و الأيامى هم كل من لا زوج له من رجل و امرأة ، يأمر الله عباده بأن يسهلوا و يساعدوا على تزويج الأيامى . و معنى الآية ….. أنه لا ينبغي لكم أن تمنعوا عن إجابة الخاطب الكفء بما تحسونه من قلة ماله و ضعف حاله ، فإن الزواج من أسباب الغنى ،  و لأن الفقر وصف عارض يقع فيزول ، و كم من فقير عاد بعد الزواج غنيا .

 و النبي e قال : » إذا خطب إليكم من ترضون دينه و خلقه فزوجوه إن لا تفعلوا تكن فتنة في الأرض و فساد كبير « . إن بعض الناس يعدون بناتهم بمثابة المتاجر ، فمتى خطب أحد منهم ابنته أو أخته و أجاب خطبته أخذ يسن له السكين ليفصل ما بين لحمه و عظمه بحيث يفضي إلى زوجته و هو عظم لا لحم و جسم بلا روح ، كله من أجل التكاليف الشاقة التي تلجئه إلى تحمل الديون التي من لوازمها الهموم و الغموم ، و لم يشعروا أن راحة الزوج و رحمته هي من راحة ابنتهم و رحمتها .

فمن رأي الحزم و فعل أولي العزم تكاتف العقلاء على مراعاة التسهيل و التيسير و عدم التعسير ، فإن التيسير يمن و بركة ، فيسروا و لا تعسروا ، و الله إنه ليبلغني عن الرجل الكريم
وصاحب الخلق القويم معاملة صهره بالتسامح و التسهيل ، حيث يأخذه باليد التي لا توجعه ، ثم يسلم إليه زوجته في حالة راحة و عدم كلفة ، فيرتفع في نفوسنا قدره ، و ينتشر بين الناس شرفه و فخره ، لأن هذا هو النكاح الجدير باليمن و البركة .

و من نصيحتي للمرأة ذات الخلق و الدين ، بأن تكون عونا لزوجها على نوائب الدهر بما تستطيعه ، فقد قيل : » امرأة الصعلوك إحدى يديه « و لا ينبغي أن تطالبه بما يعجزه و يشق عليه من نفقة زائدة على الحاجة ، كساعة ثمينة أو صيغة ذهب أو غير ذلك من الكماليات التي
قد يعجز عنها الموظف الصغير ذو الدخل القليل ، و حرام عليها أن تقلق راحة زوجها ، أو تهجر فراش زوجها ، أو تخرج من بيته في سبيل مطالبته بما يعجز عنه و يشق عليه . و النبي
e قال: » أنظروا إلى من هو أسفل منكم ، و لا تنظروا إلى من هو فوقكم ، فهو أجدر بأن لا تزدروا نعمة الله عليكم « .

فزوجة الموظف الصغير لا ينبغي لها أن تنظر إلى زوجة التاجر أو الملوك ، فإن جود الرجل من موجوده ، و كل إناء ينضح بما فيه ، و عادم الشيء لا يعطيه . فمن واجبها الصبر على حالته و قلته ، و عسى الله أن يجعل له بعد عسر يسرا .

و مما ينبغي أن ننصح به مراعاة الاقتصاد و الاقتصار في وليمة العرس ، التي وصفها رسول الله e بأنها شر الطعام يدعي إليها من يأباها و يمنعها من يأتيها ، فيتجنبوا التوسع فيها،  ويقتصروا على قد الكفاية ، عملا بالسنة حيث قال النبي e : » أولم و لو بشاة « . رواه الشيخان ، و لو قيل للتكثير ، و قيل للتقليل .

و قد أولم النبي e على بعض نسائه و هي صفية بنت حيي بمدين من شعير و هو سيد الخلق أجمعين . فما يفعله بعض الناس من كون أحدهم يذبح في وليمة العرس خمسين ذبيحة أو أربعين ذبيحة أو أقل أو أكثر ، و ربما ذبح معها بكرا من الإبل ، و يتبعها الأرز و الفواكه
وغالب الناس يعتذرون عن الحضور إليها خصوصا الفضلاء ، فتبقى اللحوم و الطعام بحالها
بحيث تحمل ويقذف بها في مواضع القمام وبطون الأنعام و نفوس الكثير من الفقراء تحن إلى القدر . و لا شك أن هذا مال ضائع على الزوج و على أهل الزوجة كما قيل .

و لم يحفظ مضاع المجد شيء

 

من الأشياء كالمال المضاع

إن هذه التكاليف قد أفضت بالكثير من شباب المسلمين إلى التزوج بالوثنيات من الهنديات أو بالنساء الكافرات اللاتي لا دين لهن و لا خلق ، و اللاتي يتظاهرن بترك الصلاة و الصيام
وسائر شرائع الإسلام ، يجهرن بعدم وجوب ذلك عليهن .

و من المعلوم أن نكاح مثلهن حرام على المسلم ، لا هن حل لهم ، و لا هم يحلون لهن .

و لا تمسكوا بعصم الكوافر .

كما أنه يحرم على المسلم أن يزوج ابنته أو موليته لرجل ملحد ، يعرف أنه لا يصلي
ولا يصوم ، أو يعرف عنه أنه يستحل فعل المنكرات و شرب المسكرات ، لأن تزويج مثل هذا خطر على المرأة في دينها و عقيدتها و نسلها و نفسها ، فقد قيل من زوج موليته بفاجر فقد قطع رحمه منها . و تزويج المسلمة بمن يستبيح ترك الصلاة و الصيام لا ينعقد بذلك النكاح بل تبقى معه كشبه الزانية . و الله يقول : ( الخبيثات للخبيثين و الخبيثون للخبيثات و الطيبات للطيبين
والطيبون للطيبات …. ) .

فانتبهوا من غفلتكم ، و توبوا من زللكم ، تمسكوا بدينكم ، و حافظوا على فرائض ربكم
وأطيعوا الله و رسوله إن كنتم مؤمنين .