الموضوع التالي

الموضوع التالي

الـفـهـــــرس

الموضوع السابق

الموضوع السابق

 

الحكم الشرعي في الطلاق السني و البدعي 

قال في المقنع في باب ( سنة الطلاق و بدعته ) ج 3 ص 137 .

( السنة في الطلاق أن يطلقها واحدة في طهر لم يصبها فيه ، ثم يدعها حتى تنقضي عدتها. و إن طلق المدخول بها في حيضها ، أو طهر أصابها فيه ، فهو طلاق بدعة محرم و يقع
و يستحب رجعتها ، و عند أنها واجبة ) . انتهى .

و الأصل في ذلك قوله سبحانه : ( يا أيها النبي إذا طلقتم النساء فطلقوهن لعدتهن
وأحصوا العدة ) أي إذا أردتم تطليق نسائكم فطلقوهن لعدتهن ، أي في طهر دون جماع و بدون حيض . كما يفسره حديث ابن عمر في الصحيحين أنه طلق امرأته و هي حائض ، فسأل عمر النبي
e عن ذلك ، فقال له رسول الله e : » مره فليراجعها ثم ليتركها حتى تطهر ، ثم تحيض  ثم تطهر ، فإن شاء أمسك و إن شاء طلق فتلك العدة التي أمر الله أن تطلق لها النساء  «.
و في رواية :
» فردها علي و لم يرها شيئا « . و قوله تعالى : ( و أحصوا العدة ) أي بحصر العدد لمدتها ، لوقوع الخطر في الجهالة بها ، فقد يراجعها بدعوى أنها باقية في عدتها فله الحق في مراجعتها ، ثم هي تدعي أنها خرجت من عدته فلا حق له في رجعتها ، فيجري الخلاف بينهما على حساب ذلك . لهذا ورد الأمر بحصر العدة و الإشهاد على الرجعة لزوال اللبس.
والأمر بوجوب الإشهاد على الطلاق و على الرجعة متأكد لقوله : ( و أشهدوا ذوي عدل منكم ). و الأمر يقتضي الوجوب و قد ذكر الفقهاء كون الرجعة تصح بالفعل و لو بدون إشهاد ، كأن يمسها أو يقبلها مما يدل على رغبته فيها ، لاعتبارها زوجية ، و لا شك أن الأفضل الإشهاد على الرجعة تأسيا بالقرآن و حذرا من النكران ، ثم قال : ( و اتقوا الله ربكم لا تخرجوهن من بيوتهن و لا يخرجن ) .

مما يدل بطريق الوضوح على أن لكل مطلقة عدة و أن للزوج الحق في ارتجاعها في مدة ( و لا يحل لهن أن يكتمن ما خلق الله في أرحامهن ) ثم قال : ( و بعولتهن أحق بردهن في عدتها ، لقوله سبحانه : ( و المطلقات يتربصن بأنفسهن ثلاثة قروء ) أي ثلاث حيض ، ذلك ) . أي في زمن العدة . و هذه الرجعة حق للزوج حيث جعلت امرأته بمثابة المحادة في بيته زمن عدتها رجاء مراجعتها ، فإبطال هذه الرجعة فيما يسمونه المبتوتة لا صحة له ، فلكل مطلقة الحق في النفقة و الكسوة و السكنى ، و كذا مراجعة الزوج لها مدة عدتها ، فكل هذه من الحقوق التي أوجبها الله سبحانه فلا حق لأحد في أن يحتال لإسقاطها أو يحكم ببطلانها فقضاء الله أحق
و حكمه ألزم .

و حتى الآيسات من العجائز أو البنات الصغيرات اللائي لم يحضن فقد أوجب الله عليهن العدة بثلاثة أشهر لقوله سبحانه : ( و اللائي يئسن من المحيض من نسائكم إن ارتبتم فعدتهن ثلاثة أشهر و اللائي لم يحضن ـــ كالبنات الصغيرات ـــ فعدتهن ثلاثة أشهر ــ أيضا ــ ) .

و هذه العدة جعلت في مصلحة الزوجين بحيث تكون المرأة المحادة في بيته مدة العدة أي ثلاثة أشهر رجاء مراجعته لها ، فتبقى في منزله و ينفق عليها من ماله لاعتبار أن الرجعية زوجية .

و فيها أنزل الله : ( أسكنوهن من حيث سكنتم من وجدكم و لا تضاروهن لتضيقوا عليهن ) فتبطلوا حق الله فيما حكم به لهن .

و قد حكم رسول الله ، و حكمه حق و عدل ، أن للزوجة النفقة و السكنى ما دام للزوج حق الرجعة عليها و إذا لم يكن له رجعة بأن خرجت من عدته فلا نفقة لها و لا سكنى . و حتى لو مات أحدهما في أثناء العدة فإنه يرثه الآخر .

قال في الفروج ج 5 ص 538 :

و إن مات زوج رجعية في عدة طلاق سقطت و ابتدأت عدة وفاة من حين موته ، لكونها وارثة ، ثم قال : و يلزم الحداد في العدة كل متوفي عنها في نكاح صحيح فقط . انتهى .

لكون الرجعية زوجية فتدخل في عموم قوله سبحانه : ( و الذين يتوفون منك و يذرون أزواجا يتربصن بأنفسهن أربعة أشهر و عشرا ) .  إلا الحامل فإن عدتها في الطلاق و في وفاة الزوج بوضع حملها ، سواء قصرت مدتها أو طالت . لقوله سبحانه : ( و أولات الأحمال أجلهن أن يضعن حملهن ) من سورة الطلاق و هي إنما نزلت بعد سورة البقرة .

و في الصحيح أن سبيعة الأسلمية نفست بعد وفاة زوجها بأربعين يوما فتجملت للخطاب . فقال لها أبو السنابل بن بعكك و الله ما أنت بناكحة حتى يمر عليك أطول الأجلين قال : فأخذت على ثيابي فأخبرت رسول الله e بقول أبي السنابل ، فقال : كذب أبو السنابل ، فقد حللت فانكحي من شئت . متفق عليه ، و لهذا كان ابن مسعود يقول : من شاء لاعنته من كون الحامل عدتها في الطلاق و في الوفاة بوضع حملها ، سواء قصر أو طال . فكيف تجعلون عليها التطويل و التثقيل و لا تجعلون لها الخفيف . و قد علمنا مما سبق قول الموفق أن من طلق زوجته في حيضها أو في طهر أصابها فيه فإنه بدعة ، و يقع ، ويستحب مراجعتها ، و في الرواية الثانية أنه يجب مراجعتها .

فقد عرفت من هذه الرواية للإمام أحمد أنه متى وقع الطلاق عن الطريق البدعي كالطلاق في الحيض أو في طهر جامعها فيه أو بالثلاث جميعا ÷، فإنه يجب رجعتها في إحدى الروايتين. و هذا هو الرأي الأخير من الإمام أحمد كما حكى شيخ الإسلام بن تيمية رحمه الله ــ أن الإمام أحمد أفتى في أول عمره بالإلزام بالثلاث ، ثم رجع عنه إلى القول بجعل الثلاث عن طلقة واحدة، و قال إني تدبرت الكتاب و السنة فلم أر فيهما إلا الطلاق الرجعي . و صدق في ذلك فإن الإلزام بالثلاث مع ما يترتب عليه من سقوط النفقة و السكنى و الرجعة أنه قول مبتدع ليس له دليل من الكتاب و السنة .

و بمعناه الطلاق بالثلاث جميعا بلفظ واحد أو في ألفاظ متعددة في طهر واحد فإنه طلاق بدعة أيضا ، لما روى النسائي عن محمد بن لبيد قال أخبر رسول الله e عن رجل طلق امرأته ثلاثا جميعا ، فقام رسول الله غضبان و قال : أيلعب بكتاب الله و أنا بين أظهركم ، حتى قال رجل أ فلا أضرب عنقه يا رسول الله من شدة غضب رسول الله . و هو لا يغضب إلا إذا انتهكت محارم الله .

و قد رد رسول الله e طلاق أبي ركانة الواقع منه بالثلاث في مجلس واحد فحزن عليها فقال رسول الله e : » إنها واحدة راجع امرأتك « .

و نص الحديث عن ابن عباس رضي الله عنه قال طلق أبو ركانة أم ركانة فقال له رسول الله e راجع امرأتك ، فقال إني طلقتها ثلاثا قال قد علمت راجعها . رواه أبو داود و في لفظ لأحمد : طلق أبو ركانة امرأته في مجلس واحد ثلاثا فحزن عليها فقال له رسول الله e : » فإنها واحدة « . و روى أبو داود من وجه آخر أن أبا ركانة طلق امرأته سهيمة البتة ، فقال و الله ما أردت بها إلا واحدة ، فردها إليه النبي e ….. و قد أسلفنا الكلام على طلاق أبي ركانة و قضية المبتوبة من رسالتنا هذه فليراجع .

لكن قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله : إن الإمام أحمد و البخاري و أبا عبيدة ضعفوا حديث البتة ، و قالوا إنه ليس بشيء و رواته مجاهيل فسقط الاستدلال به . و قد قيل إن أهل المدينة يسمون الثلاث البتة ، فدل الحديثان الأولان أن الطلاق بالثلاث جميعا أنها ترد إلى واحدة.

و قال في المغني في الرواية الثانية : (» إن جمع الثلاث طلاق بدعة محرم « اختارها أبو بكر و أبو حفص و روى ذلك عن عمر و علي و ابن مسعود و ابن عباس و ابن عمر و هو قول مالك و أبي حنيفة . قال علي رضي الله عنه لا يطلق أحد للسنة فيندم ، و في رواية قال : يطلقها واحدة ثم يدعها ما بينا و بين أن تحيض ثلاث حيض فمتى شاء راجعها ، و عن عمر أنه كان إذا أتي برجل طلق ثلاثا أوجعه ضربا ….. ) انتهى .

و تطليقة واحدة في طهر لم يجامعها فيه و ليست بحائض هي السنة بالإجماع امتثالا لأمر الله سبحانه ، و موافقة لقول السلف ، و أمنا من الندم ، فإنه متى ندم راجعها ، فإن فاته ذلك بانقضاء عدتها فله نكاحها بعقد جديد . قال مجمد بين سيرين إن عليا كرم الله وجهه قال لو أن الناس أخذوا بما أمر الله من الطلاق ، ما يتبع رجل نفسه امرأة أبدا ، يطلقها تطليقة ثم يدعها ما بينها و بين أن تحيض ثلاثا فمتى شاء راجعها .

و إذا قال أنت طالق للسنة فيطهر لم يجامعها فيه و لم تكن حائضة فإنها تطلق واحدة
ومثله الوكيل في الطلاق فإنه يلزم الطلاق بواحدة لكون الوكيل لا يملك إلا واحدة و هي طلاق السنة .

و إن كل من تأمل نصوص الفقهاء في الطلاق و في غير الطلاق ، وجد بعضهم ينقل عن بعض القول على علاته ، كما استدلوا على جواز الطلاق بالثلاث جميعا بلفظ واحد أو بألفاظ في طهر واحد و كونه طلاقا بائنا لا تحل لزوجها إلا بعد نكاح زوج غيره . مع اعترافهم بأنه طلاق بدعة و حرام ، و كون الحكم بينونتها يخالف حكم الله و رسوله في قوله : ( فطلقوهن لعدتهن )
و في قوله : ( لا تخرجوهن من بيوتهن ولا يخرجن ) . و في قوله في الآيسات : ( أسكنوهن من حيث سكنتم من وجدكم ) .

و في حكم النبي e على طلاق أبي ركانة الواقع منه بالثلاث جميعا فقال له النبي e راجع امرأتك و في قول النبي e : » من عمل عملا ليس عليه أمرنا فهو رد « .

و كل الأحاديث التي استدلوا بها جواز الطلاق بالثلاث كلها تدور بين صحيح ليس بصريح و بين صريح ليس بصحيح ، كاستدلالهم بطلاق الملاعن عويمر العجلاني ، و قد وقعت الفرقة الأبدية بمجرد اللعان ، فوافق طلاقة لغوا . و مثله استدلالهم بطلاق أبي ركانة البتة.
وقد حقق أئمة الحديث كالإمام أحمد و البخاري و أبي عبيد بان حديث البتة ليس بشيء و رواته مجاهيل فسقط الاستدلال به . و كحديث فاطمة بنت قيس فإن زوجه أبا حفص طلقها ثلاثا تدريجيا مفرقة ، حتى أرسل لها و هو باليمن آخر ثلاث تطليقات ، و قد قضت عدتها في بيته و استوفى مطلقها غاية ما سن له ، فلم يجعل لها رسول الله نفقة و لا سكنى . و هذا واضح جلي لا مجال للشك فيه ، فليس من باب المبتوتة و إنما هو من باب الطلاق الشرعي ، و لم يثبت عن النبي
e أنه أجاز الطلاق بالثلاث .

و من عجيب شدة التعصب للمذهب مع العلم بضعفه ما ذكره الكاتب عن الإمام ابن العربي رحمه الله في قوله :

( و قد اتفق علماء الإسلام و أرباب الحل و العقد في الأحكام على أن الطلاق الثلاث في كلمة و إن كان حراما في قول بعضهم و بدعة في قول الآخرين فإنه طلاق لازم ) انتهى .

فالجواب : أن نقول إننا لا نعلم في شريعة الإسلام حكما من الأحكام يقول فيه علماء الإسلام بأنه بدعة و حرام ، ثم يحكم فيه القضاة بالصحة و الإلزام ، إلا هذا الطلاق البدعي الواقع بالثلاث جميعا ، مع ما فيه من الحرج و المشقة ، بدلا من الطلاق الشرعي الذي فهي الراحة
و الرحمة و السعة، فكانوا فيه كما قيل في المثل:
» اعط صاحبك تمرة فإن لم يقبلها فأعطه
 جمرة
« .

أراد الله تيسيرا و أنتم

 

من التعسر عندكم ضروب

و إنه ما من أحد من كبار العلماء إلا وقد عرف حقيقة الطلاق الشرعي و الطلاق البدعي.

لكن بعضهم يختار الحكم بالطلاق البدعي لأن فيه شدة و غلظة على العوام ، مما يحبون عدم التسرع إليه و التوسع فيه ، فصار العمل بهذا عقيدة لهم و طريقة ، و هي نفس ما فعله عمر رضي الله عنه من إلزام الناس بالثلاث جميعا .

لكن هنا أمر ينبغي أن يفطن له ، و هو أن الصحابة كلهم و التابعين و أئمة المذاهب
و العلماء المتقدمين و المتأخرين ، فكل هؤلاء ليسوا بمعصومين ، فقد يقع الخطأ من بعضهم في قول مرجوح قاله ، أو رأي انتحله على سبيل الاجتهاد الخطأ ، و له على خطأه أجر . لكن لا يكون المنتصر لخطئه أو المقلد له في رأيه بمثابته في حصول الأجر ، و حتى الوزر ، بل فرضه الاجتهاد و النظر و البحث و التفتيش عن الحق في مظانه حتى يقف على عينه ، فيأخذ به ويحكم بموجبه ، لأنه لو اغتفر التقليد في حق العوام فلن يغتفر في حق العلماء الأعلام ، الذين أوقفوا نفوسهم في الاشتغال بالعلم بكتاب ربهم و سنة نبيهم ، لكون العلم هو معرفة الحق بدليله مع بيان صحيحه من عليله ، فمن علم بشيء منه فليقل به و من لم يعلم فليقل الله أعلم فما عالم بدينه كمقلده.

و قد اتفق جميع علماء الإسلام و أرباب الحل و العقد للأحكام على إن من استبان له سنة رسول الله لم يكن له أن يدعها لقول أحد كائنا من كان .