![]() |
|
|
في مبتوتة الطلاق اعلم أن مبتوتة الطلاق عند الفقهاء تطلق
على من وقع عليها الطلاق بالثلاث بلفظ واحد أو بألفاظ متعددة في طهر واحد ،
فالكلام في سكناها و في النفقة عليها وجوبا و منعا يتمشى على صفة الطلاق الذي
ذكرناه . فالذين يحكمون بلزوم هذا الطلاق و سقوط ما
يترتب عليه من النفقة و السكنى يعتمدون في حكمهم على الحديث الذي رواه مسلم و رواه
أحمد عن فاطمة بنت قيس عن النبي e في المطلقة ثلاثا قال
: » ليس لها سكنى و لا نفقة «
. و يسمونها
» المبتوتة «
و يحكمون بالثلاث بأنها بينونة كبرى ، و يحرمونها على زوجها حتى تنكح زوجا غيره .
و قد وهم الأئمة و أتباعهم في هذا الحديث بلفظ أنه طلقها ثلاثا و لهذا
قالت لمروان عند جداله لها بيني و بينكم كتاب الله ، إن الله يقول : ( لا تدري لعل
الله يحدث بعد ذلك أمرا ) . فماذا يحدث بعد الطلقات الثلاث ، و قد صرح الأئمة بأنه
لم يثبت شيء من السنة يخالف قول فاطمة ، و ما وقع في بعض الروايات عن عمر أنه قال
: ( سمعت رسول الله e يقول : » لها السكنى و النفقة «
) فقد قال الإمام أحمد لا يصح ذلك عن عمر و قال
العلامة ابن القيم : ( و نحن نشهد بالله شهادة نسأل عنها إذا لقيناه ، أن هذا كذب
على عمر و كذب على رسول الله ، و
ينبغي أن لا يحمل الإنسان فرط الانتصار للمذاهب و وقوع الخطأ دخل على العلماء من لفظة » طلقها ثلاثا «
تحمل على كونها مجتمعة في مجلس واحد و بلفظ واحد ، و على كونها مفرقة بين ثلاثة
أطهار أي زمن العدة . و بين الصيغتين من الفرق كما بين السماء و الأرض ، فإن
الطلاق الواقع على فاطمة بنت قيس هي ثلاث تطليقات مفرقة . و قد أرسل
زوجها إليها آخر الثلاث و هو باليمن ، و عرف و كلاؤه بأنه لا حق لها على زوجها أبي
حفص ، لكونها بائنة منه بينونة كبرى لا تحل له إلا بعد زوج ، و النفقة و السكنى
إنما فرضها رسول الله على من لزوجها عليها الرجعة . فغلط الأئمة و أتباعهم من أكثر الفقهاء و كل العامة و أكثر القضاة الذين
يجيزون إيقاع الطلاق بلفظ الثلاث ، و هو أول طلاق وقع من الزوج ، فيحرمونها عليه
من لدن وقوع الطلاق، و يحرمون عليه رجعتها . و من لوازم حكمهم بتحريم الرجعة هو
حكم منهم بنسخ الرجعة من دين الإسلام التي فرضها الله بقوله : ( و المطلقات يتربصن
بأنفسهن ثلاثة قروء ) إلى قوله: أما لو طلقها بالثلاث مفرقة ، فإنها تحرم عليه إلا بعد نكاح زوج غيره في
نكاح صحيح قال الصنعاني في سبل السلام : ( و اعلم أن ظاهر الأحاديث أنه لا فر أن يقول أنت طالق ثلاثا ، أو يكرر هذا
اللفظ ثلاثا فيقول : أنت طالق أنت طالق أنت طالق . و في كتب الفروع أقوال و خلاف في التفرقة بين الألفاظ لم تستند إلى دليل
واضح و عدم استفصال الرسول e لطلاق أبي ركانة هل
أوقع الثلاث في مجلس واحد ، لأنه كان الواقع في عهد رسول الله عدم إرسال الثلاث ،
و بالقياس فإنه إذا قال أنت طالق بالثلاث ، فإنه تقع عليها واحدة ، فإذا أعاد اللفظ لم يصادف محلا لقبول
الطلاق فكان لغوا ) . انتهى . ويدل على صحة رجوعه بالطلاق الواقع بالثلاث ما
رواه ابن عباس من حديث أبي ركانة أنه طلق امرأته ثلاثا في مجلس واحد فندم عليها ،
فسأل النبي e فقال إني طلقتها ثلاثا
في مجلس واحد ، فقال قد علمت ذلك فراجعها . رواه الإمام أحمد بسند صحيح ، و قال :
إن هذا الحديث أصح من حديث البتة لأن حديث ألبتة رواته مجاهيل . فهذا حكم رسول الله في طلاق المبتوتة و كونه يجوز
رجعتها ، و الرجعية زوجية . فمتى طلق زوجته واحدة أو ثلاثا في مجلس واحد ،
فإنه يحكم فيها بطلقة واحدة ، و تبقى عنده رجعية ، و الرجعية لا يلحقها الطلاق في
الطهر الذي طلقها فيه ، لكون المحل و الزمن و الشرع غير قابل لزيادة على الطلقة
الواحدة في الطهر الواحد ، كما في الصحيحين من حديث ابن عمر أنه طلق امرأته ثلاثا
و هي حائض فسأل النبي عن ذلك ثم قال مره فليراجعها ثم ليتركها حتى تطهر ن ثم تحيض
، ثم تطهر ، ثم ليطلقها قبل أن يمسها فتلط العدة التي أمر الله أن تطلق لها النساء
. و لهذا يقول شيخ الإسلام ابن تسمية رحمه الله :
إن الطلاق الشرعي هو الرجعي . و قال ابن جرير في التفسير على قوله : ( الطلاق
مرتان ) و تأويل الآية : ( عدد الطلاق الذي لكم أيها الناس فيه على أزواجكم الرجعة
إذا كن مدخولا بهن تطليقتان ، ثم الواجب على من راجع منكم عبد التطليقتين إمساك
بمعروف أو تسريح بإحسان لأنه لا رجعة له بعد أن طلقها الثالثة . و قال : سنة الطلاق التي سننتها لكم و أبحتها لكم
إن أردتم طلاق نسائكم ، أن تطلقوهن ثنتين في كل طهر واحدة ، ثم الواجب بعد ذلك
عليكم إما أن تمسكوهن بمعروف أو تسرحوهن بإحسان . و عن مجاهد : يطلق الرجل امرأته طاهرا من غير
جماع ، فإذا حاضت ثم طهرت فقد تم القرء ، ثم يطلق الثانية كما يطلق الأولى ، إن
أحب أن يفعل . فإذا طلق الثانية ثم حاضت الحيضة الثانية فهما تطليقتان و قرءان ثم
قال الله تعالى ذكره . و الثالثة » إمساك بمعروف أو تسريح بإحسان « فيطلقها في ذلك
القرء كله إن شاء حين تجمع ثيابها ) . قال الشيخ أبو زهرة رحمه الله في الطلاق الرجعي و البائن في كتابه » الأحوال الشخصية«
. ما نصه : كل طلاق رجعيا إلا المكمل للثلاث و الطلاق قبل الدخول ، و الطلاق على مال و إذا انتهت العدة في الطلاق الرجعي زالت الزوجية ، و لكن يبقى الجل فله أن
يعقد عليها في أي وقت شاء . وفي أثناء العدة لا يمنع التوارث إذا مات أحدهما في العدة ، فإذا مات الزوج
في أثناء العدة ورثته الزوجة إذا ماتت الزوجة ، ورثها الزوج ما دامت العدة كانت
قائمة وقت الوفاة . و لا يحل بالطلاق الرجعي مؤجل المهر إذا كان مؤجلا لأقرب
الأجلين الطلاق أو الوفاة . و الطلاق يكون بائنا في أربع أحوال : 1ــ إذا كان قبل الدخول . لأن الطلاق قبل الدخول يكون لغير عدة لقوله تعالى
: ( يا أيها الذين آمنوا إذا نكحتم المؤمنات ثم طلقتموهن من قبل أن تمسوهن فما لكم
عليهن من عدة 2ــ إذا كان الطلاق على مال ـــ الخلع ــ لأن الطلاق على مال هو لافتداء
نفسها بما تقدمه من مال لقوله تعالى : ( فإن خفتم ألا يقيما حدود الله فلا جناح
عليهما فيما افتدت به ) . و لا يمكن أن يتحقق افتداء مع ثبوت حق المراجعة في العدة
، إذا يهدم هو بمراجعته فيها معنى الافتداء . 3 ــ إذا كان الطلاق هو المكمل للثلاث فإذا طلقها واحدة و راجعها ثم طلقها
أخرى فكانت الطلقة الثالثة هي نهاية ما سن له في الطلاق فلا تحل له حتى تنكح
زوجا غيره نكاح رغبة لا نكاح تحليل . 4ــ الطلاق للعيب ، و الطلاق للسجن ، و الطلاق للتضرر بسبب الغيبة ، و
الطلاق للضرر بسبب الإيذاء بالقول أو الفعل بما لا يليق بأمثالها . و هذا الطلاق
بائن بصورة الفسخ من قبل القاضي . |