![]() |
|
|
مقدمة البحث الحمد لله …. و نستعين بالله …. و لا حول و لا قوة إلا
بالله . إننا في كتابتنا لهذه الرسالة نعتمد فيها و بالعمل
بموجبها على الكتاب و السنة، و لن نستغني عن سوق أقوال الراسخين في العلم و المعرفة ،
كشيخ الإسلام ابن تيمية ثم إننا مأمورون من كتاب ربنا بأن نسأل أهل الذكر
و هم العلماء فقال سبحانه : ( فاسألوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون بالبينات و
الزبر ) . و قال رسول الله e في الذي
أصابته شجة فاغتسل فمات ، فقال : » قتلوه قتلهم الله . هلا سألوا إذا لم يعلموا ، فإنما شفاء العي
السؤال « . و قد أمرنا الله أن نقول : » ربنا واجعلنا للمتقين إماما « . أي : يقتدي
بنا في الخير و إن المشتغلين بالتأليف متى خاضوا المشاكل العويصة من شأنها أن تخفى على
بعض العلماء فضلا عن العامة ، فإنهم يستعينون في خوضهم فيها بأقوال من سبقهم من
العلماء إليها، استئناسا بأقوالهم . فهم يسوقون أقوالهم مساق الاعتضاد لا الاعتماد
، مع العلم أن المعترضين عليهم ، و الذين لا يعدون أقوالهم حجة ، لن يستغنوا عن
أقوالهم وقت حاجتهم إليها . إذ هم أعلم منا و منهم بالنصوص و القصود ، و بالمشاكل
الغامضة و الشبه الزائفة ( و لو ردوه إلى الرسول و إلى الأمر منهم لعلمه الذين
يستنبطونه منهم ) . و الاستنباط هو الشيء الخفي الذي من شأنه أن يخفي على أكثر
الناس ، مأخوذ من استنباط الماء أي استنباعه . و من المعلوم أن الرجال تعرف بالحق ، لا الحق بالرجال ، إذ الحق كالنهار
ليله كنهاره . و النبي e قال : »
ليبلغ الشاهد الغائب فرب مبلغ أوعى له من سامع « . و قال: مما يدل على أن العلم و استنباطه ، و بيان حكمته و حل مشاكله ، ليس مخصوصا
بالأولين دون الآخرين . فقد يظهر للمتأخرين من نصوص و التفقه في حكمته ، ما عسى أن
يغفل عن المتقدمون . فكم ترك أول لآخر .
و في البخاري عن معاوية أن النبي e قال : » من يرد الله به خيرا يفقهه في الدين « . و لهذا فاق ابن عباس أكثر الصحابة في فهم النصوص و استنباطها ، و حل مشاكل
الآيات و بيانها ، فكان من الطائفة الطيبة التي قبلت الماء فأنبتت الكلأ و العشب
الكثير ، فالناس يتمتعون باستنباطاته و كشف مشكلاته إلى يوم القيامة ، ببركة دعوة
النبي e له حيث قال : » اللهم فقهه في الدين و
علمه التأويل « . و مثله شيخ الإسلام ابن تيمية الذي وصف بأنه الإمام المجتهد رأس مدرسة
تحرير العقول من الخرافات و البدع ، و العالم الذي لا يشق له غبار . و لا يزال
الناس يتمتعون بثمار علمه و من المعلوم أن الحق كرها و له تكون العاقبة و العاقبة للتقوى ….. و قد علمنا أن الناس قد تربوا على إيقاع الطلاق البدعي الواقع بالثلاث
جميعا و يحسب أكثرهم أ، هذا هو الطلاق الشرعي ، لكون أكثر العلماء في بعض البلدان
يحكمون بصحته و أن هذا الطلاق الواقع بالثلاث جميعا قد صار جدل بين العلماء من قديم
الزمان و حديثه بحيث تتناوبه فكرة
المقلدين لأئمة مذاهبهم ، كما تتناوبه فكرة المجتهدون المتمسكين بالكتاب فالمقلدون يرون أنه متى وقع الطلاق بالثلاث جميعا بلفظ واحد ، أو بألفاظ
متعددة ، في طهر واحد ، إنهم يحكمون بصحة هذا الطلاق و لزومه ، و كونه طلاقا بائنا
لا رجعة فيه ثم هم يحكمون بسقوط نفقتها و سكناها على الزوج ، لاعتبار أنها مبتوتة ، فلا
سكنى لها أما المجتهدون فإنهم يقولون نحن متبعون للكتاب و السنة و لسنا بمبتدعين ، و
لم نجد في كتاب الله لا في سنة رسول الله طلاق المبتوتة بهذه الصفة ، فمتى طلق أحد
امرأته بالثلاث بلفظ واحد أو بألفاظ متعددة ، لكنه في طهر واحد . فإننا نحكم في
هذا الطلاق بجعله عن طلقة واحدة، تأسيا بحكم رسول الله e في طلاق أبي ركانة حيث
طلق امرأته ثلاثا جميعا في مجلس واحد، فحزن عليها ، فقال له رسول الله إنها واحدة
، راجع امرأتك ، فراجعها . فهذا حكم رسول الله ثم إن هذه المرأة يحكم لها بالبقاء في بيت زوجها
، ولا بأس أن ينظر إلى وجهها أو أن تتجمل له رجاء مراجعتها ، لقوله سبحانه و تعالى
: ( و اتقوا الله ربكم لا تخرجوهن من بيوتهن و لا
يخرجن ) . فإن دام على طلاقه هذا حتى خرجت من عدتها ، و هي
ثلاث حيض ممن تحيض ، أو ثلاثة أشهر في حق الآيسات ، أو وضع حملها إن كانت حاملا ،
فإنها تطلق من زوجها بينونة صغرى ، بحيث لو ندم فيما بعد فإنه يجوز له أن يتزوجها
بعقد جديد ، و هذا من بركة الطلاق الشرعي ، لأن الله سبحانه جعل لكل مطلقة عدة .
يقول الله سبحانه : ( و المطلقات يتربصن بأنفسهن ثلاثة قروء إلى قوله
: و بعولتهن أحق بردهن في ذلك ) . ففرض الله هذه العدة لمصلحة الزوجين رجاء مراجعتها
، و لم يكن للعلم ببراءة رحمها، فإن هذا يعرف من حيضة واحدة ، كما في قضية
المسلمات المهاجرات و المسببات و هن بعصم الكوافر . ثم إن هذه المرأة ما دامت في العدة فإن لها حكم
الزوجة من النفقة و السكنى و الكسوة و لو مات الزوج في أثناء العدة ورثته ، كما
أنها لو ماتت لورثها . أما رأيت كيف فرض الله سبحانه على المطلقة الآيسة من الحمل
ثلاثة أشهر . لقوله سبحانه : ( و اللائي يئسن من المحيض من نسائكم إن ارتبتم
فعدتهن ثلاثة أشهر ) . و كله لحكمة التروي و التفكر رجاء مراجعتها في
عدتها ، لا تدري لعل الله يحدث بعد ذلك أمرا . و أما . و أما استدلالهم بسقوط
النفقة عن المبتوتة بحديث فاطمة بنت قيس ، فإن زوجها قد طلقها آخر تطليقات ، و قد
قضت عدتها في بيته ، فلم يبق لها عليه نفقة و لا سكنى كما أنه لم يبق له رجعة
عليها . و قد أطلنا الكلام في هذه المسألة على طلاق المبتوتة من رسالتنا هذه لكثرة
ما يلتبس فيها الأمر على أكثر العلماء و كل العامة . و إنني في محل قضائي و حكمي أحكم لخاصة أهل البلد
، متى طلق أحدهم امرأته ثلاثا جميعا ، بلفظ واحد ، أو بألفاظ متعددة ، في طهر واحد
، فإنني أجعل هذا الطلاق عن طلقة واحدة إذا لم يسبقه طلاق غيره ، و آمره بمراجعة
زوجته متى رغب في ذلك ، و أشهد على رجعتها، فتبقى عنده زوجة له كحالتها السابقة .
فإن طلقها مرة ثانية بالثلاث ، فتجعل عن طلقة ثانية ، إلى أن يطلقها الثالثة ،
فتبين منه بينونة كبرى ، فلا تحل له حتى تنكح زوجا غيره .
و الله أعلم . |