الموضوع التالي

الموضوع التالي

الـفـهـــــرس

الموضوع السابق

الموضوع السابق

مقدمة البحث

الحمد لله …. و نستعين بالله …. و لا حول و لا قوة إلا بالله .

إننا في كتابتنا لهذه الرسالة نعتمد فيها و بالعمل بموجبها على الكتاب و السنة،
اللذين يجب اللجوء إليهما عند التنازع ، فهما الحكم القسط ….. و يقطعان عن الناس
النزاع …. و يعيدان خلافهم إلى مواقع الإجماع .

و لن نستغني عن سوق أقوال الراسخين في العلم و المعرفة ، كشيخ الإسلام ابن تيمية
والعلامة ابن القيم ، و الطحاوي ، و ابن عبد الهادي ، و الصنعاني …. و نحوهم ممن لهم رسوخ في العلم و المعرفة ، و التوسع في النصوص و الأصول ، و المعقول و المنقول ، فنسوق أقوالهم استئناسا لها و بها ، حذرا من دعوى الشذوذ بما قلنا . فقد سمعت من ألسنة بعض الناس قولهم إن شيخ الإسلام ابن تيمية و ابن القيم و أمثالهم أنهم مجتهدون يخطئون و يصيبون ، فلا يكون قولهم حجة على غيرهم ، و نقول نعم . إنهم بشر من البشر ليسوا بمعصومين ، و ليسوا بأرباب و لا أنبياء و لا ملائكة ، لكنهم مجتهدون ، لهم أجر على خطأهم و أجران على إصابتهم .

ثم إننا مأمورون من كتاب ربنا بأن نسأل أهل الذكر و هم العلماء فقال سبحانه : ( فاسألوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون بالبينات و الزبر ) .

و قال رسول الله e في الذي أصابته شجة فاغتسل فمات ، فقال : » قتلوه قتلهم الله . هلا سألوا إذا لم يعلموا ، فإنما شفاء العي السؤال  « .

و قد أمرنا الله أن نقول : » ربنا واجعلنا للمتقين إماما « . أي : يقتدي بنا في الخير
والانتهاء عن الشر .

و إن المشتغلين بالتأليف متى خاضوا المشاكل العويصة من شأنها أن تخفى على بعض العلماء فضلا عن العامة ، فإنهم يستعينون في خوضهم فيها بأقوال من سبقهم من العلماء إليها، استئناسا بأقوالهم . فهم يسوقون أقوالهم مساق الاعتضاد لا الاعتماد ، مع العلم أن المعترضين عليهم ، و الذين لا يعدون أقوالهم حجة ، لن يستغنوا عن أقوالهم وقت حاجتهم إليها . إذ هم أعلم منا و منهم بالنصوص و القصود ، و بالمشاكل الغامضة و الشبه الزائفة ( و لو ردوه إلى الرسول و إلى الأمر منهم لعلمه الذين يستنبطونه منهم ) . و الاستنباط هو الشيء الخفي الذي من شأنه أن يخفي على أكثر الناس ، مأخوذ من استنباط الماء أي استنباعه .

و من المعلوم أن الرجال تعرف بالحق ، لا الحق بالرجال ، إذ الحق كالنهار ليله كنهاره .

و النبي e  قال : » ليبلغ الشاهد الغائب فرب مبلغ أوعى له من سامع  « . و قال:
» نضر الله امرأ سمع مقالتي فوعاها و أداها كما سمعها ، فرب حامل فقه ليس بفقيه ، و رب حامل فقه إلى من هو أفقه منه « .

مما يدل على أن العلم و استنباطه ، و بيان حكمته و حل مشاكله ، ليس مخصوصا بالأولين دون الآخرين . فقد يظهر للمتأخرين من نصوص و التفقه في حكمته ، ما عسى أن يغفل عن المتقدمون . فكم ترك أول لآخر .

و لم ينل درة الحق غائص

 

من الناس إلا بالروية و الفكر

و في البخاري عن معاوية أن النبي e قال :

» من يرد الله به خيرا يفقهه في الدين « .

و لهذا فاق ابن عباس أكثر الصحابة في فهم النصوص و استنباطها ، و حل مشاكل الآيات و بيانها ، فكان من الطائفة الطيبة التي قبلت الماء فأنبتت الكلأ و العشب الكثير ، فالناس يتمتعون باستنباطاته و كشف مشكلاته إلى يوم القيامة ، ببركة دعوة النبي e له حيث قال : » اللهم فقهه في الدين و علمه التأويل  « .

و مثله شيخ الإسلام ابن تيمية الذي وصف بأنه الإمام المجتهد رأس مدرسة تحرير العقول من الخرافات و البدع ، و العالم الذي لا يشق له غبار . و لا يزال الناس يتمتعون بثمار علمه
وتعليمه حتى عند المعادين له من غير المسلمين ، و كذا أمثاله من سائر العلماء المجتهدين
وذلك فضل الله يؤتيه من يشاء و الله ذو الفضل العظيم .

و من المعلوم أن الحق كرها و له تكون العاقبة و العاقبة للتقوى …..

و قد علمنا أن الناس قد تربوا على إيقاع الطلاق البدعي الواقع بالثلاث جميعا و يحسب أكثرهم أ، هذا هو الطلاق الشرعي ، لكون أكثر العلماء في بعض البلدان يحكمون بصحته
و لزومه .

و أن هذا الطلاق الواقع بالثلاث جميعا قد صار جدل بين العلماء من قديم الزمان و حديثه  بحيث تتناوبه فكرة المقلدين لأئمة مذاهبهم ، كما تتناوبه فكرة المجتهدون المتمسكين بالكتاب
والسنة .

فالمقلدون يرون أنه متى وقع الطلاق بالثلاث جميعا بلفظ واحد ، أو بألفاظ متعددة ، في طهر واحد ، إنهم يحكمون بصحة هذا الطلاق و لزومه ، و كونه طلاقا بائنا لا رجعة فيه
ولا تحل المرأة لزوجها إلا بعد نكاح زوج غيره .

ثم هم يحكمون بسقوط نفقتها و سكناها على الزوج ، لاعتبار أنها مبتوتة ، فلا سكنى لها
ولا نفقة . و يستدلون لذلك بما روى مسلم من حديث فاطمة بنت قيس أن زوجها أبا حفص طلقها ثلاثا فلم يجعل لها رسول الله نفقة و لا سكنى . و الحديث صحيح ، لكن مطابقته للمبتوتة غير صريح و لا صحيح كما سيأتي بيانه . فهم يسرحون هذه المبتوتة إلى أهلها بخفي حنين
ويجمعون لها بين الحشف و سوء الكيل و التسريح بالإساءة ، فلا نفقة و لا سكنى و لا رجعة .

أما المجتهدون فإنهم يقولون نحن متبعون للكتاب و السنة و لسنا بمبتدعين ، و لم نجد في كتاب الله لا في سنة رسول الله طلاق المبتوتة بهذه الصفة ، فمتى طلق أحد امرأته بالثلاث بلفظ واحد أو بألفاظ متعددة ، لكنه في طهر واحد . فإننا نحكم في هذا الطلاق بجعله عن طلقة واحدة، تأسيا بحكم رسول الله e في طلاق أبي ركانة حيث طلق امرأته ثلاثا جميعا في مجلس واحد، فحزن عليها ، فقال له رسول الله إنها واحدة ، راجع امرأتك ، فراجعها . فهذا حكم رسول الله
وقد أحسن من انتهى إلى ما سمع .

ثم إن هذه المرأة يحكم لها بالبقاء في بيت زوجها ، ولا بأس أن ينظر إلى وجهها أو أن تتجمل له رجاء مراجعتها ، لقوله سبحانه و تعالى :

( و اتقوا الله ربكم لا تخرجوهن من بيوتهن و لا يخرجن ) .

فإن دام على طلاقه هذا حتى خرجت من عدتها ، و هي ثلاث حيض ممن تحيض ، أو ثلاثة أشهر في حق الآيسات ، أو وضع حملها إن كانت حاملا ، فإنها تطلق من زوجها بينونة صغرى ، بحيث لو ندم فيما بعد فإنه يجوز له أن يتزوجها بعقد جديد ، و هذا من بركة الطلاق الشرعي ، لأن الله سبحانه جعل لكل مطلقة عدة . يقول الله سبحانه :

( و المطلقات يتربصن بأنفسهن ثلاثة قروء إلى قوله : و بعولتهن أحق بردهن في ذلك ) .

ففرض الله هذه العدة لمصلحة الزوجين رجاء مراجعتها ، و لم يكن للعلم ببراءة رحمها، فإن هذا يعرف من حيضة واحدة ، كما في قضية المسلمات المهاجرات و المسببات و هن بعصم الكوافر .

ثم إن هذه المرأة ما دامت في العدة فإن لها حكم الزوجة من النفقة و السكنى و الكسوة و لو مات الزوج في أثناء العدة ورثته ، كما أنها لو ماتت لورثها . أما رأيت كيف فرض الله سبحانه على المطلقة الآيسة من الحمل ثلاثة أشهر . لقوله سبحانه :

( و اللائي يئسن من المحيض من نسائكم إن ارتبتم فعدتهن ثلاثة أشهر ) .

و كله لحكمة التروي و التفكر رجاء مراجعتها في عدتها ، لا تدري لعل الله يحدث بعد ذلك أمرا . و أما . و أما استدلالهم بسقوط النفقة عن المبتوتة بحديث فاطمة بنت قيس ، فإن زوجها قد طلقها آخر تطليقات ، و قد قضت عدتها في بيته ، فلم يبق لها عليه نفقة و لا سكنى كما أنه لم يبق له رجعة عليها . و قد أطلنا الكلام في هذه المسألة على طلاق المبتوتة من رسالتنا هذه لكثرة ما يلتبس فيها الأمر على أكثر العلماء و كل العامة .

و إنني في محل قضائي و حكمي أحكم لخاصة أهل البلد ، متى طلق أحدهم امرأته ثلاثا جميعا ، بلفظ واحد ، أو بألفاظ متعددة ، في طهر واحد ، فإنني أجعل هذا الطلاق عن طلقة واحدة إذا لم يسبقه طلاق غيره ، و آمره بمراجعة زوجته متى رغب في ذلك ، و أشهد على رجعتها، فتبقى عنده زوجة له كحالتها السابقة . فإن طلقها مرة ثانية بالثلاث ، فتجعل عن طلقة ثانية ، إلى أن يطلقها الثالثة ، فتبين منه بينونة كبرى ، فلا تحل له حتى تنكح زوجا غيره .

هذا الذي أدى إليه علمنا
 

 

و به ندين الله كل زمان

                                       و الله أعلم .