![]() |
|
|
رأي الشيخ يوسف القرضاوي بشأن شتل الجنين ، والرد عليه الحمد لله رب العالمين وبه نستعين ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم
. أما بعد فقد عرض علي مقالة أصدرتها مجلة العربي بالكويت في عددها رقم
(232): ربيع الأول عام 1398هـ الموافق شهر مارس 1978م وهي صادرة من فضيلة الدكتور
الشيخ يوسف القرضاوي كرد منه على الدكتور حسنان حتحوت. تتضمن استفتاء علماء فقه الشريعة على عملية شتل الجنين وهو أن يجامع الرجل
الغريب امرأته التي هي غير صالحة للحمل ثم ينقل مائه منها إلى امرأة ذات زوج
بطريقة فينة فينموا إلى نهاية وضعه. ويكون الجنين ابناً لهذا الرجل الغريب الذي
لقح منيه وابناً لزوجته . أما الأم التي حملت به وولدته وكذا زوجها الذي ولد الجنين على فراشه فإنهما
يعتبران أجنبيين منه وتنقطع صلته بينهما فلا يرثهما ولا يرثانه ، وتكون أمه الحقيقية
هي التي أتت بالمني وزوجها أي صاحب المني هو أبوه الحقيقي ، ويطلب رأي الفقه
الشرعي في موضوعه . فأجاب الشيخ يوسف القرضاوي في رده وفي مقدمة مقالته ببطلان التلقيح الصناعي
وهو أن يؤخذ مني الرجل الغريب ويوضع في فرج المرأة ذات الزوج قائلاً: » إن هذا حرام بطريق اليقين
لكونه يلتقي مع الزنا في اتجاه واحد . حيث أنه يؤدي إلى اختلاط الأنساب «
ثم استطرق في كلامه عملية الشتل فأنحى عليها بالملام ، وتوجيه المذام ، وبين ما
ينجم عنها من المساوي والإجرام ، مما يقتضي إلحاقها بالأمر الحرام ، وكونه لا يرحب
بها شرع الإسلام بكلام استقصى فيه غاية الغرض والمرام ، مما يوافق أحكام شرع
الإسلام. فلو اقتصر على حده ولم يتجاوزه إلى ضده ، لقلنا : قرطس فأصاب ووفق للحكمة
وفصل الخطاب . قال: والذي أرى أن الفقه الإسلامي لا يرحب بهذا الأمر المبتدع ولا
يرضى عن فعله وآثاره . لكنه تصدى لهدم ما بناه ومحو محاسن ما كتبت يداه ، فعاد إلى إصدار حكم منه
في القضية يتضمن جواز هذا العملية لاعتبار أنه أحد فقهاء الشريعة الإسلامية الذي
وجه إليهم الخطاب فعقد للحكم فصلاً سماه : (ضوابط وأحكام) فعاد إلى القول بإباحته
بعد جزمه بتحريمه من كون الجنين متى نشأ من هذه النطفة فإنه يكون ابنا للرجل الذي
أخذ منه قطرة المنى وتكون زوجته التي لم تحمل ولم تلد هي أم الجنين الحقيقية ، أما
أمه التي حملت به وولدته فإنها ليست له بأم فلام يرثها ولا ترثه بزعمه وكذلك زوجها
الذي ولد الغلام على فراشه فإنه ليس أبا للجنين بزعمه وشرط لعميلة الشتل: أن يكون مع امرأة ذات زوج . وأن يكون بإذن زوجها ورضاه . وأن تستبريء حالة التلقيح أي تعتد عن زوجها للعلم ببراءة رحمها . ثم أخذ يخلط ويخبط في الأحكام ، وأمور الحلال والحرام ، بدون بينة ولا
برهان ، بل بكلام يعد من الفضول ، تمجد العقول ، ويناقض النصوص والأصول ، قد أبطل
به صريح حكمه بعد إحكامه وعاد إلى نقضه بعد إبرامه فكان (كالتي نقضت غزلها من بعد
قوة أنكاثا) . وبما أن الباطل شجون يستدعي بعضه بعضاً وحيث فتح الشيخ باب هذه الفتنة فإنه
سيأتي من يبني على حكمه فيقول بجواز عملية التلقيح مع الأبكار العذارى ومع الثيبات
الخليات من الأزواج لكون الحكم في الجميع واحداً فيتسع الخرق على الراقع. وإنني بمقتضى الرد عليه أتكلم في بطلان التلقيح بنوعيه: نوع التلقيح بمنى الرجل الغريب بلا واسطة . ونوع الشتل. فكلا الأمرين في البطلان سيان ، إذ الأمر فيهما يدور على نقل مني رجل غريب
في رحم امرأة غريبة منه ليست بزوجته و التي من واجبها أن تصون نفسها عن اختلاط ماء
الغير بها ، إذ هو نظير الزنا و نفس التلقيح الصناعي بلا فرق . فلو بقي الأمر فيها مستورا غير منشور لآثرنا غلق بابه علي خبيئة خطئه و
اضطرابه، لهذا وجب علينا حتما أن نبين للناس ما نزل إليهم من ربهم و ما شرعه لهم
نبيهم في موضوع هذه القضية نفسها فإن شريعة الإسلام كفيلة بحل المشاكل كلها ، و
الله سبحانه قد أوجب على العلماء البيان و حرم عليهم الكتمان . قال الشيخ يوسف في تفصيل ما حكم به مع فرض وقوعه فقال : ( ضوابط و أحكام )
إن من الشروط أن تكون الحاضنة أي التي يوضع فيها التلقيح : أولا : ذات زوج . ثانيا : أن يكون هذا الفعل برضى الزوج . ثالثا : يجب أن تستوفي المرأة الحاضنة العدة من زوجها خشية أن يكون قد علق
برحمها بويضة ملقحة ، فلا بد أن تضمن براءة رحمها منعا لاختلاط الأنساب . رابعا : نفقة المرأة الحاضنة و علاجها و رعايتها طوال مدة الحمل و النفاس
على أب الطفل ، أي الملقح للبويضة ، أو على وليه من بعده ، لأنها غذت الجنين من
دمها ، فلا بد أن تعوض عما فقدته ثم استدل بقوله : ( و إن كن أولات حمل فأنفقوا
عليهن حتى يضعن حملهن ) . خامسا : جميع أحكام الرضاعة و آثارها تثبت من هنا من باب قياس الأولى أي
للمرآة الأجنبية صاحبة المني . أما زوج المرأة الحاضنة ، أي زوج التي حملت و ولدت فليس له أي علاقة
بالجنين. انتهى كلام الشيخ يوسف . و أقول : إن هذا التقرير الصادر منه هو صريح في الحكم منه لصحة عملية الشتل
مع العلم أنه عالم يقتدي به و ينتهي أكثر الناس إلى رأيه ، و في هذا الرأي من
التغرير المخالف لتقريره السابق ما لا يخفى على أحد . وحكمه بهذا هو حكم باطل في نفس الأمر والواقع. لا وافق الحكم المحل ولا هو استوفى الشروط فكان
ذا بطلان . إن الأصل الفاسد لا يقاس عليه ، إذ القياس على
الفاسد فاسد ، وهذا الحكم إنما نشأ عن عدم تفكير وحسن تدبير فهو خطرات من وساوس
فكرته ليس له أصل يستند إليه ولا نظير يقاس عليه وهو مخالف للحق والحقيقة والنبي ـ
صلى الله عليه وسلم ـ يقول: » من عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو رد « وحاصله: أنه
رأي منه، وليس برواية ، والرأي يخطئ ويصيب. إن الشيخ يوسف أشار في مقدمة مقالته أن الدكتور حسان حتحوت تساهل في إباحة
الشتل نظرة منه إلى رحمة المرأة الفاقدة للأولاد ، وقد وقع الشيخ يوسف في نفس ما
عاب به حسان حتحوت من القول بإباحة هذا الفعل ، الذي جزم سابقاً بتحريمه ، وكأنه
خرج منه مخرج المسانعة والمصانعة لهذه المرأة ، وللقوم الذين يحبون أن تشيع مثل
هذه الفاحشة بين الناس ، فأحب أن يتقدم بالقول بإباحتها تنشيطاً لهم على الإتيان
بما هو أكبر وأنكر منها ، وأظن أنه لم يسبق إلى القول بإباحتها أحد . وما أسرع ما نسي هذا الإنسان ، وأين قوله: (إذ كان الإسلام قد حرم التبني ، و انتساب الإنسان إلى غير أبيه فأجدر به
أن يحرم التلقيح المذكور لأنه يلتقي مع الزنا في اتجاه واحد ويفضي إلى اختلاط
الأنساب) . فهذا الذي نطق به هو الحجة لنا عليه ، ولا نقبل نقضه بما يخالفه ، ومتى كان
هذا قوله في التلقيح الصناعي وأنه حرام بيقين فإن الشتل مثله إذ التلقيح الصناعي
هو نقل منى الرجل الغريب إلى المرأة ذات الزوج بلا واسطة . أما الشتل فإنه ينقل إليها بواسطة مروره على المرأة الفاقدة للأولاد ولن
يتغير هذا المني عن حالته بمروره عليها ، وما ذكروه من تلقيح البويضة فإنه سيكون
من رحمن المرأة المنقول المني إليها فينتهي ويستقر برحمها ، ومني الرجل هو الأصل
في إيجاد الجنين يقول الله: (ألم يك نطفة من مني يمنى ، ثم كان علقة فخلق فسوى) ،
ومثله كل فحل فقد ثبت بمقتضى التجربة في البهائم وخاصة البقر فإنها تحمل بمجرد نقل
منى الثور إلى فرجها ، بدون مروره على شيء آخر. فمتى علم ذلك فإن التلقيح بالشتل يثبت له من العلل و المساوئ ما ثبت للتلقيح
الصناعي إذ حقيقته نقل مني رجل غريب إلى رحم امرأة ليست له زوجة ، والتي من واجبها
صيانة رحمها عن مشاركة الأغيار ، فيترتب عليه اختلاط نسب أجنبي بنسب أهلي إذا هذا
المقصود الأكبر في تحريم الزنا ، وانتساب الرجل إلى غير أبيه وأمه ، وهو واقع في
التلقيح بنوعيه. وكنا نسمع بهذا الشيء قبل اليوم ، ولكن الناس متى بعدوا عن الدين فإنهم
يتعوسعون في البدع والزور وأعمال الشرور والفجور ومن يرد الله فتنته فلن تملك له
من الله شيئاً . ومتى كان هذا التلقيح زنا فكيف يطلب فيه إذن الزوج به ورضاه عنه ،
فإنه متى رضي به وأذن فيه فإنه يدوث ، يقر السوء على أهله ، وتعتبر امرأته زانية ،
لأنه متى ذكر العلماء في حكمة تحريم الزنا أنه منع لاختلاط الأنساب هو نقل مني رجل
غريب إلى رحم امرأة ليست له بزوجة بأي طريقة أو بأي صفة يصل فيها المني إلى غايته
من رحم هذه المرأة فيتخلق منه إنسان يلتحق بنسب المرأة الأجنبية ونسب زوجها وهو
رجل أجنبي عنهما ، فيترتب عليه اختلاط نسب أجنبي نسب أهلي ، إذ هذا المقصود الأكبر
في تحريم الزنا ، وهو حقيقة التلقيح بنوعيه في إيصال مني الرجل الغريب إلى امرأة
ذات زوج . إن هذا لشيء عجاب . |