![]() |
|
|
الميل إلى الميوعة و الرفاهية لا يليق
بالشباب المسلم الحمد لله
ثم الصلاة و السلام على محمد رسول الله . أما بعد :
فإن من واجب العالم أن يبين للناس ما نزل إليهم من ربهم من كل ما يتعلق بأمور
دينهم و دنياهم ، نصيحة لله و لأئمة المسلمين و عامتهم . لورود الوعيد الشديد في
وجوب البيان و تحريم الكتمان . يقول الله : ( إن الذين يكتمون ما أنزلنا من
البينات و الهدى من بعد ما بيناه للناس في الكتاب أولئك يلعنهم الله و يلعنهم
اللاعنون . إلا الذين تابوا و أصلحوا و بينوا فأولئك أتوب عليهم و أنا التواب
الرحيم ) . و إن دين
الإسلام الذي نعتقده و ندين الله به هو كفيل بحل مشاكل العالم ما وقع في هذا
الزمان و ما سيقع مستقبلا ، فمتى أخذ الدين على وجهه الصحيح فإنه دين السعادة و
دين السياسة و السيادة يهدي للتي هي أقوم . و قد أخطأ
من ادعى عزل الدين عن الدولة فإنه لا دنيا إلا بدين ، و إلا بقي الناس كالبهائم
الهائمة ، لكنه متى ادعى الدين من لا يحسن حمله و لا يخشى الله به و يجعل الدين
سلما إلى نيل مقاصده السيئة ، فإنه حينئذ تذهب نضارته ، و تسوء سمعته ، و يحتقب
الناس عداوة أهله ، حتى يصيروا فتنة لكل مفتون . و قد قيل إن محاسن الإسلام تختفي بين
الجاحدين و الجامدين . و ما
يشعرني أن أحد هؤلاء عندما يقرأ هذه الرسالة أنه يتناولني بالملامة ، ويقول ما
للشيخ ابن محمود و إدخاله الجندية في الدين و هي ليست منه ، حتى كأنها بظنه في
معزل عن الدين . و أقول
لمن لامني إليك عني ، فإنني إنما استخرجت القول فيها من مفهوم قول النبي صلى الله
عليه وسلم : » من يرد الله به خيرا يفقهه
في الدين «
. و ليس الفقه في الدين بمقصود على الفقه في أحكام الصلاة و الصيام و الحج ، بل هو
أعم و أشمل . فهذا القرآن مملوء بذكر القتال و لما جيء
بكنوز كسرى فوضعت بين يدي عمر بن الخطاب بكى ، فقيل له يا أمير المؤمنين ما يبكيك
في يوم أعز الله فيه الدين و أهله و أذل فيه الكفر و أهله ؟ فقال : نعم ، و لكني
سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : » إنها لن تفتح الدنيا على قوم إلا ألقى الله
بينهم العداوة و البغضاء ، فهذا الذي أبكاني « . فمتى كان
الأمر بهذه الصفة أ فليس من الحزم و فعل أولي العزم أن يؤخذ لهذا الإنذار
ثم إن
الله سبحانه أضاف تسمية الجنود إلى نفسه الكريمة إضافة تشريف و تكريم ، فقال
سبحانه : ( و إن جندنا لهم الغالبون ) سواء حملناه على الصحابة أو على الملائكة (
و ما يعلم جنود ربك إلا هو ) ، و كان الصحابة يسمون جنود الله و جنود الإسلام و
جنود المسلمين ، فلا أعلى من مزيتهم و لا أرفع من منزلتهم ، لكونهم حماة الدين و
الوطن . مما يدل على أن الجندية تسمية شريفة شرعية . و من صفة المسلم الصبر على
البأساء و الضراء و حين البأس . فالجندية و إن رأى الجبناء المترفون أن فيها تعرضا
للقتل و القتال لا يصبر عليه إلا الفقراء و الفاشلون في التعلم ، لكن المكارم
منوطة بالمكاره ، و السعادة لا يعبر إليها إلا على جسر المشقة و التعب ( قل لو
كنتم في بيوتكم لبرز الذين كتب عليهم القتل إلى مضاجعهم ) ، و طعم الموت في أمر
عظيم كطعم الموت في أمر حقير . فالدين
يجعل المسلم مطمئنا في سرائه و ضرائه ، إن أصابته سراء شكر فكان خيرا له،
يقول
حذيفة بن اليمان كان الناس يسألون رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الخير و كنت
أساله عن الشر مخافة أن أقع فيه . و لما قال رجل لبعض السلف لا أراك الله مكروها ،
فقال يا أخي إذا لم أعرف المكروه وقعت فيه . هذا و إن الحاجات هي أم الاختراعات .
و قد قيل :
لذا يجب
على جميع المسلمين بأن لا ينخدعوا بالراحة و الرفاهية و الترف ، و أن لا تسحرهم
لذائذ النعم و رخاء العيش على الاستعداد بعمل ما ينفعهم أو يدفع الضر عنهم . و إن أشد
م ابتلي به الشاب هو العطالة و البطالة اللتان ينشأ عنهما العجز ، ثم حديثه نفسه
بأنه لا يستطيع هذا العمل لمشقته ، أو لا يستطيع عمل هذه الصنعة لمشقتها ، أو لا
يستطيع الجهاد و التمرن على وسائل القتال لصعوبتها و خطر النفس فيها ، أو لا
يستطيع التجنيد لصعوبته ، و غير ذلك من حديث النفس الذي يقضي على الشخص بالمهانة و
الحرمان ، و كل هذا نتيجة العجز الذي استعاذ النبي صلى الله عليه وسلم من بقوله : »
اللهم إني أعوذبك من العجز و الكسل « . و هو لا
يستعيذ إلا من الشر و قد قيل :
و لقد
رأينا شعرا العرب يجعلون الميل إلى الراحة أنه زاوية و مذمة كما قيل :
و لما
أنشد الشاعر هذا البيت ، شكاه المقول فيه إلى عمر ، فقال عمر : يا حسان هل هذا
البيت مدح أو قدح ؟ فقال حسان : يا أمير المؤمنين ما ذمه و لكنه سلح على رأسه ،
فدعا به عمر فجلده الحد . و مثله
هجاء جرير لقوم حين يقول :
فالاشتغال
بتنويع الثياب و تعديلها و تبديلها هو شغل شاغل عن المكارم و لا ينافي هذا الحديث
: »
إن الله جميل يحب الجمال و لكن كل ما خرج عن حده فإنه يقع
في ضده و لما أحس
عمر بن الخطاب بانزلاق الناس في هذا النعيم و الترف ، و خشي عليهم بان تنحل عزائم
حزمهم و قوتهم ، كتب إلى عتبة بن فرقد يأمره بالرجوع إلى ما كانوا عليه أولا من
خشونة العيش ، و يأمره بأن يرموا و يتسابقوا و ينزوا على الخيل و يتمعددوا و يمشوا
حفاة و في مسلم
عن أبي عثمان النهدي : قال كتب
إلينا عمر رضي الله عنه يا عقبة بن فرقد إنه ليس من كدك و لا من كد أبيك و لا كد
أمك ، فاشبع المسلمين في رحالهم مما تشبع منه في رحلك ، و إياك و التنعم و زي أهل
الشرك و لبوس الحرير . و هو في
مسند أبي عوانة الاسفراييني و غيره بإسناد صحيح ، كما في الفروع : أما بعد :
فاتزروا و ارتدوا الخفاف و السراويلات و عليكم بلباس أبيكم إسماعيل ، و إياكم و
التنعم و زي الأعاجم . و عليكم بالشمس فإنها حمام العرب ، و تمعددوا و اخشوشنوا و بين أبو
عوانة في صحيحه من وجه آخر سبب قول عمر ذلك ، و أن عتبة بن فرقد قد بعث إلى عمر مع
غلام له بسلال فيها خبيص عليها اللبود ، فلما رآه عمر قال : أ يشبع المسلمون في
رحالهم من هذا ؟ قال لا . قال عمر : لا أريده . و كتب إلى
عتبة أنه ليس من كدك الحديث ….. . هذا و إن
الفرص تمر كمر السحاب ، و إن غالب هذه الأشياء التي نحث على فعلها و على التخلق
بها و القدرة عليها ، كلها منوطة بشرخ الشباب الذي يتمنى كل شيخ الرجوع إليه و
عوده إليه . ثم إن من
الحزم و فعل أولي العزم كون الرجل العاقل المفكر يقدر وقوع ما عسى أن لا يقع ، ثم
يمثل حاله فيه عند فرض وقوعه ، و ما عسى أن يصنع من الحول و القوة في سبيل دفاعه
عن أهله و وطنه ، إذ الحوادث تفاجئ الناس و هم في غفلة ساهون .
هذا و إن
من المعلوم أن كل دولة لديها جنود يحمون حدودها و حقوقها و يقومون بحفظ دماء الناس
و أموالهم و أعراضهم ، بحيث يلجأ الناس إليهم عند أدنى حادث يهمهم ، فهم رحمة
للعباد و البلاد ( و لو لا دفع الله الناس بعضهم ببعض لفسدت الأرض ) و بعض الناس
يرتضيها له عملا و مكسبا ، فيقيم فيها عشر سنين و عشرين عاما بحيث يشتهر بالتسمي
بها ، فلا كلام في هؤلاء ، و إنما نتكلم في الشباب المجانين لها من أهل البلد ، و
أن الأفضل دخولهم فيها و لو سنتين أو ثلاث ، ليتفقهوا و يفقهوا أحكام الجندية و ما
تشمل عليه من وسائل السلاح و أدوات القتال ، كما ارتفع عن الناس اسم الأمية لما
احتاجوا بداعي الضرورة إلى الكتابة ، فأصبح أكثرهم الآن عارفا بالكتابة لأن العلم
بالتعلم ، و من يرد الله به خيرا يفقهه في الدين . إن
المكارم منوطة بالمكاره . و إن السعادة لا يعبر إليها إلا على جسر المشقة و التعب
. يقول الله تعالى : ( أم
حسبتم أن تدخلوا الجنة و لما يعلم الله الذين جاهدوا منكم و يعلم الصابرين ) . و قال : (
أم حسبتم أن تدخلوا الجنة و لما يأتكم مثل الذين خلوا من قبلكم مستهم البأساء و النبي
صلى الله عليه وسلم قال : » رأس الأمر الإسلام و عموده
الصلاة و ذروة سنامه الجهاد في سبيل الله « . و ذروة
السنام هو أعلاه . و الجهاد مأخوذ من بذل الجهد و الطاقة في كل ما ينفع الناس من
أمور الدنيا و الدين ، و هو فرض عين عليهم إذا دهمهم العدو في بلادهم،
و الجهاد
هو قولي و فعلي يكون بالسيف و السنان ، ولا يتم الجهاد عن خاصة الدين و إن من
واجب المسلمين في كل بلد أن يتمرن شبابهم و ذووا القوة منهم على معرفة ملاعبة
السلاح بأنواعه و أدوات القتال بأنواعها من طائرات حربية و دبابات و مدافع و سلاح
على اختلاف أنواعه ، إذ التعلم لهذه الأشياء واجب على العموم ، لا نقول على كل فرد
و إنما نقول على سبيل العموم . كما قال سبحانه و تعالى : ( و آخرون
يضربون في الأرض يبتغون من فضل الله و آخرون يقاتلون في سبيل الله ) . و قال : (
فلو لا نفر من كل فرقة منهم طائفة ليتفقهوا في الدين و لينذروا قومهم إذا رجعوا
إليهم لعلهم يحذرون ) . يقول
العلماء المحققون إن كل ما يأمر الله به في كتابه و على لسان نبيه ، مما يتعلق
بالقتال أو الصناعة و خاصة صناعة
الأسلحة على اختلاف أنواعها و كذا الزراعة ، فإنه من أمر الذي يجب تعلمه و تعليمه
و إلا أثم الناس بتركه ، و خسروا حياتهم و عزهم بإهماله ، إذ هو مما يحتاج إليه
الناس بداعي الضرورة و اختلاف الأحوال و إثارة الفتنة . و لكم في كتاب الله أسوة
حسنة . يقول الله
تعالى : ( و أعدوا لهم ما استطعتم من قوة و من رباط الخيل ترهبون به عدو الله و
عدوكم ) . و هذا أمر
من الله يقتضي الوجوب . و القوة شاملة لكل ما يتقوى به الناس على عدوهم، من طائرات
و دبابات و مدافع و أنواع السلاح و السفن البحرية و المراكب البرية . لكون القوة
تختلف باختلاف الزمان و المكان ، و مدار القوة على العلم بالصنائع و المخترعات و
على المال الذي يستجلب به الصانع و المصنوع كما قيل :
و النبي
صلى الله عليه وسلم : » ألا إن القوة الرمي « ففسر القوة بالرمي ، و لم يبين كيفية
المرمى به لتنوعه بتجدد الزمان . لقد أثبت
التاريخ في حروب الأمم السابقة مع أنبيائهم ، أن قتالهم كان بمجرد الحصى، يترامون
به بطريق المقلاع و بالأيدي ، و قد قالوا في تفسير قوله سبحانه : ( و قتل داود
جالوت و آتاه الله الملك و الحكمة و علمه مما يشاء ) . داود قتله بحجر في مقلاع
حتى أصابه في رأسه فقتله . و قد قال الشاعر :
و قد قيل
: البس لكل زمان ما يلائمه فإنما يرمي الجندل بالجندل و الحديد بالحديد . ثم تطورت
الأحوال حتى توصلوا إلى النبال ، و قد حاربوا به زمن النبي صلى الله عليه و سلم، و إن كل
عاقل سيدرك معي عظمة الفرق بين قتال المتقدمين و سلاحهم و بين المتأخرين، و إن
صناع هذا العصر قد اختلقوا سلاحا فتاكا على اختلاف أنواعه ، لا يبقي و لا يذر ، و
هو غلق صعب لا يعرفه إلا من اعتاد التمرن على مزاولته ، لأن كثرة المزاولات تعطي
الملكات، و إن من
المعلوم اليقيني أن الدول الكبرى لشعوب هذه الحضارة أشد جناية عليهم و على
الإنسانية من جناية عدوهم عليهم ، إذ أن توسعهم في العلوم و الفنون و اختراع
الأسلحة الثقيلة التي يستعدون بها للحروب الكبيرة التي يدمرون بها في الأيام
القليلة صروح العمران و مشيد البنيان من كل ما شيدته العصور الطويلة ، و ناهيك
باختراع القنبلة الذرية التي تقضي بفناء الملايين من الآدميين المسالمين غير
المحاربين من بين النساء و الحوامل و الشيوخ و الأطفال ( و لا
يزال الذين كفروا تصيبهم بما صنعوا قارعة أو تحل قريبا من دارهم ) . لكون هذا
السلاح موضوعا للبيع و يتسرب أكثره إلى البلدان العربية . و إنه من
الواجب على عموم الناس و لا نقول بوجوبه على كل فرد ، و إنما يجب على العموم ، بأن
يوجد منهم من يتفرغ من شبابهم لسياسة هذا السلاح و ثقافة العلم به بمهارة ، بحيث
يعلم بعضهم بعضا ، و إذا تركوا هذا التعلم أثموا و خسروا شبابهم و عزهم ، لأن كل
ما أمر الله به فإنه من ديننا الذي يجب أن نتعلمه و أن نعلم الناس به . إن أكثر
بلدان العرب المسلمين تغص من كثرة الأجانب الغرباء متفرقين في سائر الأعمال و
المعامل ، و كثير منهم يدخلون في الجندية لكنهم عندما يحسون برائحة الحرب في البلد
فإنهم يفرون إلى أهلهم و بلادهم ، و يتركون نار الحرب تغلي أكباد أهل البلد ، فهم
الذين يضحون بأنفسهم في سبيل حماية بلدهم و حياة أهلهم و أولادهم و يقولون :
و متى
أمسك هذا السلاح الغلق الصعب من لا يحسن سياسته فإنه يبقى كعصا في يده لكون صناعه
عملوا على حساب أن لا يفهمه أكثر الناس . إن الناس يستبشعون سماع الجندية و على كل
حال فإن من التحق بها و أصلح نيته و عمله فيها فإنه يستوحش الثناء و المدح و لا
يلام و لا يذم لكونها من أشرف الأعمال . يبقى
الكلام في الحكومة مع الرعايا إذا استعصت عليها و امتنعت عن الالتحاق بها ، فهل
يسوغ للحكومة أن تجبر الشباب الصالح للدخول فيها أم لا ؟ فالجواب :
أنه متى حصل الدخول بالاختيار أو بطريق الترغيب بزيادة الأجر فإنه أفضل. إذ ما
يعطونه في سبيل ذلك فإنه نافع و عائد بالنفع إلى أهلهم و عيالهم و أولادهم ،
فينبغي للحكومة أن تقدر قدرهم و أن ترفع شأنهم برفع مرتباتهم ، لكونهم يفنون أعمارهم
في سبيل حراسة الوطن و أهله ، و من العادة أن الجندي يشدد عليه من قبل رئيسه بحيث
لا يزول و لا يحول عن عمله و مكانه فهو بذلك يستحق أن يكرم . كما يجب
على رؤساء القبائل أن يخضعوا لهذا العمل الشريف ، و أن يعملوا عملهم في التحاق
أولادهم فيه و ما هي إلا ساعة ثم تنقضي . فمتى طلبت الحكومة أعيانا تنتقيهم من
أولاد القبائل فإن من واجب الجميع السمع و الطاعة فيما يحبون و فيما يكرهون في
العسر و اليسر، لكون هذا من مصلحة الشباب ، و لأن ما لا يتم الواجب إلا به فهو
واجب ، إذ لا يتم الواجب إلا به فهو واجب ، إذ لا يتم الاستعداد بالقتال دون حماية
الدين و الوطن إلا بمعرفة و سائله و أسبابه ثم الدخول فيه من بابه ، و في هذا من
مصلحة الشباب أنفسهم و من مصلحة جميع الناس ما لا يخفى ، فما يضر التاجر أو الأمير
أو القاضي متى التحق ولده أو أولاده بالجندية سنتين أو ثلاثا يتدرب فيها و يتعلم
مواد القتال و سياسة الرمي بفنون السلاح الغلق مما يجعله أن يكون شجاعا فارسا
حاذقا . و قد جعل
النبي صلى الله عليه وسلم من الصدقة أن تصنع لأخرق ، و الأخرق هو الساذج غير
الحاذق . إذ الفرق واسع بين المثقف العارف بسياسة الرمي و القتال و وسائله و بين
الأخرق الساذج عديم المعرفة . و في سبيل
الترغيب في صناعة السلاح لموجبه أخبر النبي صلى الله عليه و سلم : أن الله يدخل
بالسهم الواحد ثلاثة نفر الجنة : صانعه الذي يحتسب في صنعته الخير ، و الذي يجهز
به سبيل الله ، و الذي يرمي به في سبيل الله . يبقى مراعاة الجند لواجباتهم
الدينية في ما بينهم و بين ربهم و التي هي رأس سعادتهم في دينهم و دنياهم . حاجة الجنود إلى التدين الصحيح: إن حاجة
الجنود إلى التدين الصحيح هي حاجة ضرورية ، فإنه لا يصلح آخر هذه الأمة إلا بما
صلح به أولها ؛ لأن الدين الصحيح يجعل للمؤمنين من كل هم فرجا ، و من كل ضيق مخرجا
، و من كل بلوى عافية ، فمتى صلح العمل بالدين صار آلة رقى و نشاط . فجميع
التواريخ المشهورة تشهد للإسلام لما كان يعمل به على التمام بأنه لا طاقة لأحد
بمصارعته ، و لا محيص لأحد عن التزام طاعته ، سواء قلنا بحمل الجمع على الجمع أو
بحمل الأفراد على الأفراد . و قد أوجب الله على المسلمين بأن لا يفر المائة منهم
من مائتين ، و لا الألف من ألفين ، لقوله سبحانه : ( الآن خفف الله عنكم و علم أن
فيكم ضعفا فإن يكن منكم مائة صابرة يغلبوا مائتين و إن يكن منكم ألف يغلبوا ألفين
بإذن الله و الله مع الصابرين ) . و لم يزل
هذا النصر في ازدياد و نشاط زمن النبي صلى الله عليه و سلم و زمن خلفائه الراشدين
إلى ثلاثة قرون أو أربعة قرون ، لما كان قتالهم للدين و في سبيل الدعوة إليه
بالحكمة و قد أنجز
الله لهم ما وعدهم به بقوله : ( و كان
حقا علينا نصر المؤمنين ) . و بقوله : ( إنا لننصر رسلنا و الذين آمنوا في الحياة
الدنيا ) . و قال : ( يا أيها الذين آمنوا إن تنصروا الله ينصركم و يثبت أقدامكم )
. و نصر
الله هو أن يقصد بالحرب الدعوة إلى الدين و حمايته ، و إعلاء كلمته ابتغاء مرضاة
الله و مثوبة ، فالإيمان بالله وحده هو من أعظم الأسباب و الوسائل المقتضية للنصر،
و القوة
تختلف باختلاف الزمان و المكان ، و لكل زمان دولة و رجال ، ذلك بأن المؤمن إذا آمن
بالله و توكل عليه و لم يستعد للأمر بأخذ أهبة الحرب حسب سنة الله في الأسباب
المسببات فإنه يخفق سعيه ، و يخيب ظنه و يكون ملاما شرعا و عقلا على تفريطه و
إلقائه بيده إلى التهلكة ، و لا ينفعه و الحالة هذه إيمانه و لا توكله :
و لهذا
يقول العلماء إن التوكل على الله لا يكون صحيحا إلا بعد اتخاذ الأسباب و الوسائل
التي تؤهله من الوصول إلى مقصوده ، و إلا كان توكله عجزا . و لما أخلى الرماة من
الصحابة مراكزهم في فم الشعب الذي أمرهم رسول الله بحراسته يوم أحد ، فدخلت الخيل
من جهته فقتلوا سبعين من الصحابة و شجوا رأس رسول الله صلى الله عليه وسلم و كسروا
رباعيته و دلوه في حفرة ظنوه ميتا ، لهذا وقع التفكير من الصحابة في سبب هذه
المصيبة و الهزيمة ، و هم أصحاب رسول اله صلى الله عليه وسلم و يقاتلون في سبيل
الله و يظنون أنهم لن يغلبوا فأنزل و قد أوجب
الله إقامة فريضة الصلاة حال التحام القتال وتقابل الصفين فقال سبحانه : ( و إذا
كنت فيهم فأقمت لهم فلتقم طائفة منهم معك وليأخذوا أسلحتهم فإذا سجدوا فليكونوا من
ورائكم ) الآية . لكون الصلاة نعم العون على ما يزاوله الإنسان من أمور الحياة ، و
لأنها صلة بين العبد و بين ربه ، لهذا يجب على الجنود متى بعثوا فرقة إلى مكان بأن
يؤمروا عليهم أحدهم و أن يأمروا بأداء فريضة الصلاة عند دخول وقتها . كتب عمر
بن الخطاب إلى سعد بن أبي وقاص فقال : ( أما بعد
: فإني آمرك و من معك من الأجناد بتقوى الله على كل حال فإن تقوى الله أفضل العدة
على العدو ، و أقوى المكيدة في الحروب ، و آمرك و من معك أن تكونوا أشد احتراسا من
المعاصي منكم من عدوكم ، فإن ذنوب الجيش أخوف عليهم من عدوهم ، و إنما ينصر
المسلمون بمعصية عدوهم لله ، و لو لا ذلك لم تكن لنا قوة بهم ، لأن عددنا ليس
كعددهم ، و لا عدتنا كعدتهم ، فإذا استوينا في المعصية كان لهم الفضل علينا في
القوة ، و إن لم ننصر عليهم بفضلنا لم نغلبهم بقوتنا . و اعلموا أن عليكم في سيركم
حفظة من الله يعلمون ما تفعلون ، فاستحيوا منهم و لا تعملوا بمعاصي الله و أنتم في
سبيل الله ، و لا تقولوا إن عدونا شر منا فلن يسلط علينا، فرب قوم قد سلط عليهم شر
منهم كما سلط على بني إسرائيل لما علموا بمعاصي الله كفرة المجوس فجاسوا خلال
الديار و كان وعدا مفعولا . و اسألوا الله العون على أنفسكم كما تسألون على عدوكم
) . فما أشد
حاجة الجنود و رعاية الشباب و أهل المدارس و سائر الدوائر الحكومية إلى التدين
الصحيح الذي تنجم عنه آثاره ، و على القائمين عليهم أن يمرنوهم على أداء الواجبات
الدينية من الفرائض و الصلوات في أوقاتها ، فإنها نعم العون على ما يزاولونه من
أمر دينهم رد شبهة النصارى على المسلمين في عقيدة القضاء و القدر : يقول
النصارى في تحاملهم على المسلمين إنما ضعفوا و تأخروا و ساءت حالهم كلها من عدم
تعلمهم للصنائع و المخترعات في هذا العصر اتكالا منهم على عقيدة القضاء و القدر . و نقول :
إن المسلمين لا يحتجون بالقضاء و القدر في كل ما يحاولونه من أعمالهم ، فهم يلومون
يذمون كل من يحتج بالقدر في ترك الأمر و ارتكاب النهي ، و إنه لا حجة في ذلك بل
حجته داحضة عند ربه . و قد أمر
رسول الله أمته بأنه يأخذوا بالكيس و الحزم و فعل أولي العزم في جميع أعمالهم من
أمور دينهم و دنياهم ، و أن يأخذوا حذرهم و يستعدوا بالقوة لعدوهم و بما استطاعوا
من الكيد و القوة ، و نهى عن الكسل و العجز و أخبر أن الله يلوم عليه ، كما أرشدهم
و دلهم على الدواء عند الحاجة إليه ، و قال : ( إن الله لم ينزل من داء إلا و أنزل
له دواء ) . و قال : ( تداووا و نهى أشد
النهي عن أن يتكلوا على القضاء و القدر في شيء من أعمالهم ، بل أما عقيدة
الجبر كالذين يحيلون جميع تصرفاتهم في ترك واجباتهم و ارتكاب محرماتهم إلى القضاء
و القدر . فهذا الاعتقاد قد انقرض أهله من سنين طويلة . غير أنه
في هذا الزمان نشأت طائفة من الناس المارد و المارقين عن الدين ، يحتجون بالقدر في
ترك الواجبات و ارتكاب المنكرات و شرب المسكرات ، و متى عذلته أو نهيته عن سوء
عمله قال هذا أمر كتبه الله علي ، فيجعلون عجزهم توكلا و كفرهم و فجورهم قضاء إن اعتقاد
القضاء و القدر الصحيح تنجم عنه الأفعال الصحيحة و تتبعه الصفات الحميدة، من بسط
اليد في النفقة و الصدقة و الجرأة و الإقدام و خلق الشجاعة على اقتحام الممالك في
سبيل الحق و حماية الدين و الوطن ، و يلهج أهله بقولهم : ( قل لن
يصيبنا إلا ما كتب الله لنا هو مولانا و على الله فليتوكل المؤمنون ) . إن هذا
الاعتقاد يطبع في النفوس الثبات على المكارم و تحمل المكاره و مقارعة الأهوال
الشديدة بجأش ثابت ، و يحلي الأنفس بحلية الجود و السخاء لاعتقاده أنه ما أنفقه
فإن الله سيخلفه، كما يحمله على التضحية بالروح في سبيل الحق عن الدنيا و زينتها .
فالمسلم
الذي يعتقد هذا الاعتقاد و أن نواصي الخلق بيد رب العباد يتصرف فيها كيف يشاء ، و
أن لله ما أخذ و لله ما أعطى ، و أن الدنيا دار متاع يتمتع بها صاحبها برهة من
الزمن ثم يزول عنها ، و أن الآخرة هي دار القرار ، و أن كل امرئ مجازي بعمله إن
خيرا فخير و إن شرا فشر . فهذا الاعتقاد متى رسخ في قلب المؤمن فإنه لا يرهب الموت
أبدا ، و لا يجزع منه إذا نزل به ، لاعتقاده أن له دارا هي أبقى و أرقى من دار
الدنيا ، و عيشا و نعيما هو أرغد ثم إن هذا
الموت ليس بفناء أبدا لكنه انتقال من دار إلى دار أخرى ، ليجزي فيها الذين أساؤوا
بما عملوا ، و يجزي الذين أحسنوا بالحسنى ، فلا يجزع من الموت إلا الذي لم يقدم
لآخرته خيرا ، و يقول ما هي غلا حياتنا الدنيا نموت و نحيا ، فهذا يجتمع عليه عند
فراقه للدنيا سكرة الموت و حسرة الفوت و هول المطلع ، فيندم حيث لا ينفعه الندم و
يقول يا ليتني قدمت لحياتي . لقد اندفع
المسلمون بصحة عقيدتهم في أوائل نشاطهم في القرن الأول و الثاني و الثالث بشجاعة
باسلة و قلوب ثابتة و إيمان راسخ ، فاندفعوا إلى الممالك البعيدة في مشارق الأرض فما كان
خوضهم لهذه المعارك التي هي غاية في اقتحام المهالك إلا من أجل إيمانهم بالقضاء و
القدر على الوجه الصحيح ، و أنها لن تموت نفس حتى تستكمل رزقها ، فهذا الاعتقاد هو
الذي ثبت أقدام المسلمين مع قلتهم و ضعفهم أما جيوش أعدائهم التي يغص بها الفضاء و
تعج من كثافتها الأرض و السماء ، فكشفوهم بقوة الإيمان ، ثم نشروا التوحيد و
الصلاح و السعادة في سائر البلدان ، و كانوا ممن قال الله فيهم : ( الذين إن
مكناهم في الأرض أقاموا الصلاة و آتوا الزكاة و أمروا بالمعروف و نهوا عن المنكر و
لله عاقبة الأمور ) .
|