الموضوع التالي

الموضوع التالي

الـفـهـــــرس

الموضوع السابق

الموضوع السابق

الميل إلى الميوعة و الرفاهية لا يليق بالشباب المسلم

الحمد لله ثم الصلاة و السلام على محمد رسول الله .

أما بعد : فإن من واجب العالم أن يبين للناس ما نزل إليهم من ربهم من كل ما يتعلق بأمور دينهم و دنياهم ، نصيحة لله و لأئمة المسلمين و عامتهم . لورود الوعيد الشديد في وجوب البيان و تحريم الكتمان . يقول الله : ( إن الذين يكتمون ما أنزلنا من البينات و الهدى من بعد ما بيناه للناس في الكتاب أولئك يلعنهم الله و يلعنهم اللاعنون . إلا الذين تابوا و أصلحوا و بينوا فأولئك أتوب عليهم و أنا التواب الرحيم ) .

و إن دين الإسلام الذي نعتقده و ندين الله به هو كفيل بحل مشاكل العالم ما وقع في هذا الزمان و ما سيقع مستقبلا ، فمتى أخذ الدين على وجهه الصحيح فإنه دين السعادة و دين السياسة و السيادة يهدي للتي هي أقوم .

و قد أخطأ من ادعى عزل الدين عن الدولة فإنه لا دنيا إلا بدين ، و إلا بقي الناس كالبهائم الهائمة ، لكنه متى ادعى الدين من لا يحسن حمله و لا يخشى الله به و يجعل الدين سلما إلى نيل مقاصده السيئة ، فإنه حينئذ تذهب نضارته ، و تسوء سمعته ، و يحتقب الناس عداوة أهله ، حتى يصيروا فتنة لكل مفتون . و قد قيل إن محاسن الإسلام تختفي بين الجاحدين و الجامدين .

و ما يشعرني أن أحد هؤلاء عندما يقرأ هذه الرسالة أنه يتناولني بالملامة ، ويقول ما للشيخ ابن محمود و إدخاله الجندية في الدين و هي ليست منه ، حتى كأنها بظنه في معزل عن الدين .

و أقول لمن لامني إليك عني ، فإنني إنما استخرجت القول فيها من مفهوم قول النبي صلى الله عليه وسلم : » من يرد الله به خيرا يفقهه في الدين « . و ليس الفقه في الدين بمقصود على الفقه في أحكام الصلاة و الصيام و الحج ، بل هو أعم و أشمل . فهذا القرآن مملوء بذكر القتال
و الجهاد و الاستعداد بأخذ القوة له و أخذ الحذر . و النبي صلى الله عليه وسلم قد حذر و أنذر من الفتن التي ستثور و تكثر في آخر الزمان ، مما يصدقها الواقع المحسوس بالعيان . فقد روى مسلم في صحيحه عن عبد الله بن عمر :
» قال : كنا مع النبي صلى الله عليه وسلم في سفر ، فمنا من يصلح خباءه ، و منا من يصلح جشره ، و منا من ينتضل ، إذ نادى منادي رسول الله : الصلاة جامعة . فاجتمعنا فقال : إنه ما من نبي إلا كان حقا عليه أن يدل أمته على خير ما يعلمه لهم،
و ينذرهم شر ما يعلمه لهم ، و إن هذه الأمة قد جعل عافيتها في أولها و سيصيب آخرها بلاء
و أمور تنكرونها ، تجيء الفتن يرقق بعضها بعضا
« . و معنى الحديث : » يرقق بعضها بعضا« . يعني أن الآخرة شر من الأولى ، و يكون نتيجتها القتل و القتال حتى يقل الرجال
و يكون لخمسين امرأة قيم واحد ، و هو كلام من لا ينطق عن الهوى حتى كأن الأوامر يزداد جلاء و ظهورا على سبيل التدريج .

و لما جيء بكنوز كسرى فوضعت بين يدي عمر بن الخطاب بكى ، فقيل له يا أمير المؤمنين ما يبكيك في يوم أعز الله فيه الدين و أهله و أذل فيه الكفر و أهله ؟ فقال : نعم ، و لكني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : » إنها لن تفتح الدنيا على قوم إلا ألقى الله بينهم العداوة و البغضاء ، فهذا الذي أبكاني « .

فمتى كان الأمر بهذه الصفة أ فليس من الحزم و فعل أولي العزم أن يؤخذ لهذا الإنذار
و التحذير عدته ، بما يستطاع من الحيلة و الحول و القوة و غير ذلك من كل ما يقي الناس
و يقويهم و يرقيهم ، لكون الأمور في النجاح بعد الله منوطة بالأسباب و الوسائل ؟ كما قيل :

ما أنت بالسبب الضعيف
 

 

و إنما نجح الأمور بقوة الأسباب

ثم إن الله سبحانه أضاف تسمية الجنود إلى نفسه الكريمة إضافة تشريف و تكريم ، فقال سبحانه : ( و إن جندنا لهم الغالبون ) سواء حملناه على الصحابة أو على الملائكة ( و ما يعلم جنود ربك إلا هو ) ، و كان الصحابة يسمون جنود الله و جنود الإسلام و جنود المسلمين ، فلا أعلى من مزيتهم و لا أرفع من منزلتهم ، لكونهم حماة الدين و الوطن . مما يدل على أن الجندية تسمية شريفة شرعية . و من صفة المسلم الصبر على البأساء و الضراء و حين البأس . فالجندية و إن رأى الجبناء المترفون أن فيها تعرضا للقتل و القتال لا يصبر عليه إلا الفقراء و الفاشلون في التعلم ، لكن المكارم منوطة بالمكاره ، و السعادة لا يعبر إليها إلا على جسر المشقة و التعب ( قل لو كنتم في بيوتكم لبرز الذين كتب عليهم القتل إلى مضاجعهم ) ، و طعم الموت في أمر عظيم كطعم الموت في أمر حقير .

فالدين يجعل المسلم مطمئنا في سرائه و ضرائه ، إن أصابته سراء شكر فكان خيرا له،
و إن أصابته ضراء صبر . و ليس ذلك إلا للمؤمن ، و الأنبياء هم أشد الناس بلاء في الدنيا ثم الأمثل فالأمثل ، و الناس في الدنيا بين حارث و همام كما في الحديث :
» أصدق الأسماء حارث و همام « . فالهمام هو الذي يهم بقلبه سأفعل كذا و كذا ، و الحارث هو الذي يسعى بيديه و رجليه إلى ما يوجهه إليه قصده و رغبته ، من علو همته أو دنوها . و من المشاهد بالتجربة و الاعتبار أن الغرق في الترف و الميل إلى الميوعة في النعيم و الراحة و الرفاهية أنها غاية في إفساد بنية الجسم و عدم صحته ، فجنايته على نفسه هي أعظم من جناية عدوه عليه . كما قيل :

إن الشباب و الفراغ و الجدة

 

مفسدة للمرء أي مفسدة

يقول حذيفة بن اليمان كان الناس يسألون رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الخير و كنت أساله عن الشر مخافة أن أقع فيه . و لما قال رجل لبعض السلف لا أراك الله مكروها ، فقال يا أخي إذا لم أعرف المكروه وقعت فيه . هذا و إن الحاجات هي أم الاختراعات . و قد قيل :

و لله در الضرورة إنها

 

صدى الجبان و صيقل الأحرار

لذا يجب على جميع المسلمين بأن لا ينخدعوا بالراحة و الرفاهية و الترف ، و أن لا تسحرهم لذائذ النعم و رخاء العيش على الاستعداد بعمل ما ينفعهم أو يدفع الضر عنهم .

و إن أشد م ابتلي به الشاب هو العطالة و البطالة اللتان ينشأ عنهما العجز ، ثم حديثه نفسه بأنه لا يستطيع هذا العمل لمشقته ، أو لا يستطيع عمل هذه الصنعة لمشقتها ، أو لا يستطيع الجهاد و التمرن على وسائل القتال لصعوبتها و خطر النفس فيها ، أو لا يستطيع التجنيد لصعوبته ، و غير ذلك من حديث النفس الذي يقضي على الشخص بالمهانة و الحرمان ، و كل هذا نتيجة العجز الذي استعاذ النبي صلى الله عليه وسلم من بقوله : » اللهم إني أعوذبك من العجز و الكسل « . و هو لا يستعيذ إلا من الشر و قد قيل :

العجز ضر و ما بالحزم من ضرر

 

و أحزم الحزم سوء الظن بالناس

لا تترك الحزم في أمر تحاوله

 

فإن أمنت فما بالحزم من بأس

و لقد رأينا شعرا العرب يجعلون الميل إلى الراحة أنه زاوية و مذمة كما قيل :

دع المكارم لا ترحل لبغيتها

 

و اقعد فإنك أنت الطاعم الكاسي
 

و لما أنشد الشاعر هذا البيت ، شكاه المقول فيه إلى عمر ، فقال عمر : يا حسان هل هذا البيت مدح أو قدح ؟ فقال حسان : يا أمير المؤمنين ما ذمه و لكنه سلح على رأسه ، فدعا به عمر فجلده الحد .

و مثله هجاء جرير لقوم حين يقول :

أ ليس من المكارم حسبكم

 

أن تلبسوا خز الثياب و تشبعوا

فالاشتغال بتنويع الثياب و تعديلها و تبديلها هو شغل شاغل عن المكارم و لا ينافي هذا الحديث : » إن الله جميل يحب الجمال و لكن كل ما خرج عن حده فإنه يقع في ضده

و لما أحس عمر بن الخطاب بانزلاق الناس في هذا النعيم و الترف ، و خشي عليهم بان تنحل عزائم حزمهم و قوتهم ، كتب إلى عتبة بن فرقد يأمره بالرجوع إلى ما كانوا عليه أولا من خشونة العيش ، و يأمره بأن يرموا و يتسابقوا و ينزوا على الخيل و يتمعددوا و يمشوا حفاة
و منتعلين . حرصا منه على بقاء خشونة الرجولة و عدم ما يضادها من الميل إلى الميوعة فيها التي من لوازمها استرخاء الأعضاء بعد صلابتها .

و في مسلم عن أبي عثمان النهدي :

قال كتب إلينا عمر رضي الله عنه يا عقبة بن فرقد إنه ليس من كدك و لا من كد أبيك و لا كد أمك ، فاشبع المسلمين في رحالهم مما تشبع منه في رحلك ، و إياك و التنعم و زي أهل الشرك و لبوس الحرير .

و هو في مسند أبي عوانة الاسفراييني و غيره بإسناد صحيح ، كما في الفروع :

أما بعد : فاتزروا و ارتدوا الخفاف و السراويلات و عليكم بلباس أبيكم إسماعيل ، و إياكم و التنعم و زي الأعاجم . و عليكم بالشمس فإنها حمام العرب ، و تمعددوا و اخشوشنوا
و اخلولقوا و اقطعوا الركب و انزوا و ارموا الأغراض .

و بين أبو عوانة في صحيحه من وجه آخر سبب قول عمر ذلك ، و أن عتبة بن فرقد قد بعث إلى عمر مع غلام له بسلال فيها خبيص عليها اللبود ، فلما رآه عمر قال : أ يشبع المسلمون في رحالهم من هذا ؟ قال لا . قال عمر : لا أريده .

و كتب إلى عتبة أنه ليس من كدك الحديث ….. .

هذا و إن الفرص تمر كمر السحاب ، و إن غالب هذه الأشياء التي نحث على فعلها و على التخلق بها و القدرة عليها ، كلها منوطة بشرخ الشباب الذي يتمنى كل شيخ الرجوع إليه و عوده إليه .

ثم إن من الحزم و فعل أولي العزم كون الرجل العاقل المفكر يقدر وقوع ما عسى أن لا يقع ، ثم يمثل حاله فيه عند فرض وقوعه ، و ما عسى أن يصنع من الحول و القوة في سبيل دفاعه عن أهله و وطنه ، إذ الحوادث تفاجئ الناس و هم في غفلة ساهون .

تأتي المصائب حين تأتي جملة

 

و أرى السرور يجئ في الفلتات

هذا و إن من المعلوم أن كل دولة لديها جنود يحمون حدودها و حقوقها و يقومون بحفظ دماء الناس و أموالهم و أعراضهم ، بحيث يلجأ الناس إليهم عند أدنى حادث يهمهم ، فهم رحمة للعباد و البلاد ( و لو لا دفع الله الناس بعضهم ببعض لفسدت الأرض ) و بعض الناس يرتضيها له عملا و مكسبا ، فيقيم فيها عشر سنين و عشرين عاما بحيث يشتهر بالتسمي بها ، فلا كلام في هؤلاء ، و إنما نتكلم في الشباب المجانين لها من أهل البلد ، و أن الأفضل دخولهم فيها و لو سنتين أو ثلاث ، ليتفقهوا و يفقهوا أحكام الجندية و ما تشمل عليه من وسائل السلاح و أدوات القتال ، كما ارتفع عن الناس اسم الأمية لما احتاجوا بداعي الضرورة إلى الكتابة ، فأصبح أكثرهم الآن عارفا بالكتابة لأن العلم بالتعلم ، و من يرد الله به خيرا يفقهه في الدين .

إن المكارم منوطة بالمكاره . و إن السعادة لا يعبر إليها إلا على جسر المشقة و التعب . يقول الله تعالى :

( أم حسبتم أن تدخلوا الجنة و لما يعلم الله الذين جاهدوا منكم و يعلم الصابرين ) .

و قال : ( أم حسبتم أن تدخلوا الجنة و لما يأتكم مثل الذين خلوا من قبلكم مستهم البأساء
و الضراء و زلزلوا حتى يقول الرسول و الذين آمنوا معه متى نصر الله ألا إن نصر الله قريب ).

و النبي صلى الله عليه وسلم قال : » رأس الأمر الإسلام و عموده الصلاة و ذروة سنامه الجهاد في سبيل الله « . و ذروة السنام هو أعلاه . و الجهاد مأخوذ من بذل الجهد و الطاقة في كل ما ينفع الناس من أمور الدنيا و الدين ، و هو فرض عين عليهم إذا دهمهم العدو في بلادهم،
و فرض كفاية في غير ذلك . و لا نقول إنه قد مضى و انقضى فإنه على رجعة لقادر ، و قد فاز به السابقون الأولون من المهاجرين و الأنصار و الذين اتبعوهم بإحسان . فقد باعوا أنفسهم إلى الله و حسبوا أبدانهم في حراسة الربط في سبيل الله .

آثارهم تنبيك عن أخبارهم

 

حتى كأنك بالعيان تراهم

تالله لا يأتي الزمان بمثلهم
 

 

أبدا و لا يحمي الثغور سواهم

و الجهاد هو قولي و فعلي يكون بالسيف و السنان ، ولا يتم الجهاد عن خاصة الدين
و الوطن إلا بتمام الاستعداد بوسائل الحرب و أسبابه ، إذ العلم بالشيء ليس كالجهل به .

و إن من واجب المسلمين في كل بلد أن يتمرن شبابهم و ذووا القوة منهم على معرفة ملاعبة السلاح بأنواعه و أدوات القتال بأنواعها من طائرات حربية و دبابات و مدافع و سلاح على اختلاف أنواعه ، إذ التعلم لهذه الأشياء واجب على العموم ، لا نقول على كل فرد و إنما نقول على سبيل العموم . كما قال سبحانه و تعالى :

( و آخرون يضربون في الأرض يبتغون من فضل الله و آخرون يقاتلون في سبيل الله ) .

و قال : ( فلو لا نفر من كل فرقة منهم طائفة ليتفقهوا في الدين و لينذروا قومهم إذا رجعوا إليهم لعلهم  يحذرون ) .

يقول العلماء المحققون إن كل ما يأمر الله به في كتابه و على لسان نبيه ، مما يتعلق بالقتال  أو الصناعة و خاصة صناعة الأسلحة على اختلاف أنواعها و كذا الزراعة ، فإنه من أمر الذي يجب تعلمه و تعليمه و إلا أثم الناس بتركه ، و خسروا حياتهم و عزهم بإهماله ، إذ هو مما يحتاج إليه الناس بداعي الضرورة و اختلاف الأحوال و إثارة الفتنة . و لكم في كتاب الله أسوة حسنة .

يقول الله تعالى : ( و أعدوا لهم ما استطعتم من قوة و من رباط الخيل ترهبون به عدو الله و عدوكم ) .

و هذا أمر من الله يقتضي الوجوب . و القوة شاملة لكل ما يتقوى به الناس على عدوهم، من طائرات و دبابات و مدافع و أنواع السلاح و السفن البحرية و المراكب البرية . لكون القوة تختلف باختلاف الزمان و المكان ، و مدار القوة على العلم بالصنائع و المخترعات و على المال الذي يستجلب به الصانع و المصنوع كما قيل :

بالعلم و المال يبني مجدهم

 

لم يبن مجد من جهل و إقلال

و النبي صلى الله عليه وسلم : » ألا إن القوة الرمي  «  ففسر القوة بالرمي ، و لم يبين كيفية المرمى به لتنوعه بتجدد الزمان .

لقد أثبت التاريخ في حروب الأمم السابقة مع أنبيائهم ، أن قتالهم كان بمجرد الحصى، يترامون به بطريق المقلاع و بالأيدي ، و قد قالوا في تفسير قوله سبحانه : ( و قتل داود جالوت و آتاه الله الملك و الحكمة و علمه مما يشاء ) . داود قتله بحجر في مقلاع حتى أصابه في رأسه فقتله . و قد قال الشاعر :

و لست بالأكثر منهم حصا

 

و إنما القوة للكاثر

و قد قيل : البس لكل زمان ما يلائمه فإنما يرمي الجندل بالجندل و الحديد بالحديد . ثم تطورت الأحوال حتى توصلوا إلى النبال ، و قد حاربوا به زمن النبي صلى الله عليه و سلم،
و كان عدة ما يقاتلون به مع النبال هي الرماح و السيوف و ليس عندهم سلاح غيرها ثم توصلوا إلى معرفة الدبابة في ذلك الزمان ، و قد نصبها رسول الله على أهل الطائف فأحموا لها النبال بالنار حتى خرقوها و منها المنجبيق يملأونه حجارة ثقيلة ثم ينسفونه على أهل البلد . و قد حارب به النبي صلى الله عليه وسلم أهل الطائف ، و هو يقوم مقام المدفع في هذا الزمان إلا أن المدفع أشد منه . ثم دار الزمان بدورته حتى أوجدوا سلاحا يسمى الفتيل و فيه يقول النصارى :
» لا تشتغل بسب عدوك و لكن أوقد الشمع يندفع عنك « .

و إن كل عاقل سيدرك معي عظمة الفرق بين قتال المتقدمين و سلاحهم و بين المتأخرين، و إن صناع هذا العصر قد اختلقوا سلاحا فتاكا على اختلاف أنواعه ، لا يبقي و لا يذر ، و هو غلق صعب لا يعرفه إلا من اعتاد التمرن على مزاولته ، لأن كثرة المزاولات تعطي الملكات،
و يهدد بالقضاء على البشر لارتقاء أهله في العلوم المادية و هبوطهم في الأخلاق الدينية .

و إن من المعلوم اليقيني أن الدول الكبرى لشعوب هذه الحضارة أشد جناية عليهم و على الإنسانية من جناية عدوهم عليهم ، إذ أن توسعهم في العلوم و الفنون و اختراع الأسلحة الثقيلة التي يستعدون بها للحروب الكبيرة التي يدمرون بها في الأيام القليلة صروح العمران و مشيد البنيان من كل ما شيدته العصور الطويلة ، و ناهيك باختراع القنبلة الذرية التي تقضي بفناء الملايين من الآدميين المسالمين غير المحاربين من بين النساء و الحوامل و الشيوخ و الأطفال
و البهائم ، و تفسد الحرث و النسل ، و نزفها لمعظم ثروة الشعوب في سبيلها ، و في سبيل ظلمها للشعوب التي ابتليت بالسلطان الجائر الذي يحاول سلبهم حريتهم في دينهم و دنياهم ، و صارت الدول الكبرى التي اخترعت هذه الأدوات اليوم هم أشد خوفا على أمتهم و قد وقع بهم و سيقع في مستقبل الأمر ما حذرهم ربهم من وقوعه بقوله :

( و لا يزال الذين كفروا تصيبهم بما صنعوا قارعة أو تحل قريبا من دارهم ) .

لكون هذا السلاح موضوعا للبيع و يتسرب أكثره إلى البلدان العربية .

و إنه من الواجب على عموم الناس و لا نقول بوجوبه على كل فرد ، و إنما يجب على العموم ، بأن يوجد منهم من يتفرغ من شبابهم لسياسة هذا السلاح و ثقافة العلم به بمهارة ، بحيث يعلم بعضهم بعضا ، و إذا تركوا هذا التعلم أثموا و خسروا شبابهم و عزهم ، لأن كل ما أمر الله به فإنه من ديننا الذي يجب أن نتعلمه و أن نعلم الناس به .

إن أكثر بلدان العرب المسلمين تغص من كثرة الأجانب الغرباء متفرقين في سائر الأعمال و المعامل ، و كثير منهم يدخلون في الجندية لكنهم عندما يحسون برائحة الحرب في البلد فإنهم يفرون إلى أهلهم و بلادهم ، و يتركون نار الحرب تغلي أكباد أهل البلد ، فهم الذين يضحون بأنفسهم في سبيل حماية بلدهم و حياة أهلهم و أولادهم و يقولون :

إذا فررنا كان أسوأ فرارنا

 

صدود الخدود و ازورار المناكب

و متى أمسك هذا السلاح الغلق الصعب من لا يحسن سياسته فإنه يبقى كعصا في يده لكون صناعه عملوا على حساب أن لا يفهمه أكثر الناس . إن الناس يستبشعون سماع الجندية
و يستوحشون من الدخول فيها ، و خاصة الأسر و العوائل الفاضلة . و كنت ممن يكره ذلك،
و قد طلب مني أحد أولادي الالتحاق بها فنعمته ، لكنه لما راجعني الفكر الصحيح عرف تمام المعرفة وجوب دخول بعض أولادي فيها ، لكونها من باب الجهاد في سبيل الله دون الأنفس
و الوطن و دون الحدود و الحقوق ، و يكتسب منها حذقة و معرفة لسائر ما يجب أن يعلمه من وسائل القتال و سياسته ، و من المعلوم فضل العالم على الجاهل ، فيترقى بها الإنسان إلى زيادة المعرفة في مواد القتال و في ميادين الحركة و القوة و السياحة و السباحة و سائر ما يتمنى الإنسان الإحاطة بعلمه ، و يكتسب بها الترقي في الراتب و الرتبة . و كانت الجندية مشتقة من التجنيد للقتال . و كان العلماء يسمونها بالفروسية ، و فيها لهم مؤلفات في المسابقة و المصارعة و السباحة و الحذق بمعرفة مواد القتال . فالجندية فيها فضل و شرف و حذق و ظرف يستحقه من تسمى بها .

و على كل حال فإن من التحق بها و أصلح نيته و عمله فيها فإنه يستوحش الثناء و المدح و لا يلام و لا يذم لكونها من أشرف الأعمال .

يبقى الكلام في الحكومة مع الرعايا إذا استعصت عليها و امتنعت عن الالتحاق بها ، فهل يسوغ للحكومة أن تجبر الشباب الصالح للدخول فيها أم لا ؟

فالجواب : أنه متى حصل الدخول بالاختيار أو بطريق الترغيب بزيادة الأجر فإنه أفضل. إذ ما يعطونه في سبيل ذلك فإنه نافع و عائد بالنفع إلى أهلهم و عيالهم و أولادهم ، فينبغي للحكومة أن تقدر قدرهم و أن ترفع شأنهم برفع مرتباتهم ، لكونهم يفنون أعمارهم في سبيل حراسة الوطن و أهله ، و من العادة أن الجندي يشدد عليه من قبل رئيسه بحيث لا يزول و لا يحول عن عمله و مكانه فهو بذلك يستحق أن يكرم .

كما يجب على رؤساء القبائل أن يخضعوا لهذا العمل الشريف ، و أن يعملوا عملهم في التحاق أولادهم فيه و ما هي إلا ساعة ثم تنقضي . فمتى طلبت الحكومة أعيانا تنتقيهم من أولاد القبائل فإن من واجب الجميع السمع و الطاعة فيما يحبون و فيما يكرهون في العسر و اليسر، لكون هذا من مصلحة الشباب ، و لأن ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب ، إذ لا يتم الواجب إلا به فهو واجب ، إذ لا يتم الاستعداد بالقتال دون حماية الدين و الوطن إلا بمعرفة و سائله و أسبابه ثم الدخول فيه من بابه ، و في هذا من مصلحة الشباب أنفسهم و من مصلحة جميع الناس ما لا يخفى ، فما يضر التاجر أو الأمير أو القاضي متى التحق ولده أو أولاده بالجندية سنتين أو ثلاثا يتدرب فيها و يتعلم مواد القتال و سياسة الرمي بفنون السلاح الغلق مما يجعله أن يكون شجاعا فارسا حاذقا .

و قد جعل النبي صلى الله عليه وسلم من الصدقة أن تصنع لأخرق ، و الأخرق هو الساذج غير الحاذق . إذ الفرق واسع بين المثقف العارف بسياسة الرمي و القتال و وسائله و بين الأخرق الساذج عديم المعرفة .

و في سبيل الترغيب في صناعة السلاح لموجبه أخبر النبي صلى الله عليه و سلم : أن الله يدخل بالسهم الواحد ثلاثة نفر الجنة : صانعه الذي يحتسب في صنعته الخير ، و الذي يجهز به سبيل الله ، و الذي يرمي به في سبيل الله . يبقى مراعاة الجند لواجباتهم الدينية في ما بينهم و بين ربهم و التي هي رأس سعادتهم في دينهم و دنياهم .

 

حاجة الجنود إلى التدين الصحيح:

إن حاجة الجنود إلى التدين الصحيح هي حاجة ضرورية ، فإنه لا يصلح آخر هذه الأمة إلا بما صلح به أولها ؛ لأن الدين الصحيح يجعل للمؤمنين من كل هم فرجا ، و من كل ضيق مخرجا ، و من كل بلوى عافية ، فمتى صلح العمل بالدين صار آلة رقى و نشاط .

فجميع التواريخ المشهورة تشهد للإسلام لما كان يعمل به على التمام بأنه لا طاقة لأحد بمصارعته ، و لا محيص لأحد عن التزام طاعته ، سواء قلنا بحمل الجمع على الجمع أو بحمل الأفراد على الأفراد . و قد أوجب الله على المسلمين بأن لا يفر المائة منهم من مائتين ، و لا الألف من ألفين ، لقوله سبحانه : ( الآن خفف الله عنكم و علم أن فيكم ضعفا فإن يكن منكم مائة صابرة يغلبوا مائتين و إن يكن منكم ألف يغلبوا ألفين بإذن الله و الله مع الصابرين ) .

و لم يزل هذا النصر في ازدياد و نشاط زمن النبي صلى الله عليه و سلم و زمن خلفائه الراشدين إلى ثلاثة قرون أو أربعة قرون ، لما كان قتالهم للدين و في سبيل الدعوة إليه بالحكمة
و الموعظة الحسنة و الجدال مع الكافرين بالتي هي أحسن .

و قد أنجز الله لهم ما وعدهم به بقوله :

( و كان حقا علينا نصر المؤمنين ) . و بقوله : ( إنا لننصر رسلنا و الذين آمنوا في الحياة الدنيا ) . و قال : ( يا أيها الذين آمنوا إن تنصروا الله ينصركم و يثبت أقدامكم ) .

و نصر الله هو أن يقصد بالحرب الدعوة إلى الدين و حمايته ، و إعلاء كلمته ابتغاء مرضاة الله و مثوبة ، فالإيمان بالله وحده هو من أعظم الأسباب و الوسائل المقتضية للنصر،
و لكن لا بد مع هذا من الاستعداد بما أمر الله به من أخذ أهبة الحرب و إعداد عدته ، لقوله سبحانه : ( أعدوا لهم ما استطعتم من قوة ) .

و القوة تختلف باختلاف الزمان و المكان ، و لكل زمان دولة و رجال ، ذلك بأن المؤمن إذا آمن بالله و توكل عليه و لم يستعد للأمر بأخذ أهبة الحرب حسب سنة الله في الأسباب المسببات فإنه يخفق سعيه ، و يخيب ظنه و يكون ملاما شرعا و عقلا على تفريطه و إلقائه بيده إلى التهلكة ، و لا ينفعه و الحالة هذه إيمانه و لا توكله :

ترجوا النجاة و لم تسلك مسالكها

 

إن السفينة لا تجري على اليبس

و لهذا يقول العلماء إن التوكل على الله لا يكون صحيحا إلا بعد اتخاذ الأسباب و الوسائل التي تؤهله من الوصول إلى مقصوده ، و إلا كان توكله عجزا . و لما أخلى الرماة من الصحابة مراكزهم في فم الشعب الذي أمرهم رسول الله بحراسته يوم أحد ، فدخلت الخيل من جهته فقتلوا سبعين من الصحابة و شجوا رأس رسول الله صلى الله عليه وسلم و كسروا رباعيته و دلوه في حفرة ظنوه ميتا ، لهذا وقع التفكير من الصحابة في سبب هذه المصيبة و الهزيمة ، و هم أصحاب رسول اله صلى الله عليه وسلم و يقاتلون في سبيل الله و يظنون أنهم لن يغلبوا فأنزل
الله : ( أو لما أصابتكم مصيبة قد أصبتم مثليها قلتم أنى هذا قل هو من عند أنفسكم ) . أي بسبب تفريطكم بإهمال ثغركم ، لهذا صار الصحابة بعد هذه الوقعة أشد احتراسا باستعمال الأسباب
و الوسائل ، لأن ذنوب الجيش جند عليهم .

و قد أوجب الله إقامة فريضة الصلاة حال التحام القتال وتقابل الصفين فقال سبحانه :

( و إذا كنت فيهم فأقمت لهم فلتقم طائفة منهم معك وليأخذوا أسلحتهم فإذا سجدوا فليكونوا من ورائكم ) الآية . لكون الصلاة نعم العون على ما يزاوله الإنسان من أمور الحياة ، و لأنها صلة بين العبد و بين ربه ، لهذا يجب على الجنود متى بعثوا فرقة إلى مكان بأن يؤمروا عليهم أحدهم و أن يأمروا بأداء فريضة الصلاة عند دخول وقتها .

كتب عمر بن الخطاب إلى سعد بن أبي وقاص فقال :

( أما بعد : فإني آمرك و من معك من الأجناد بتقوى الله على كل حال فإن تقوى الله أفضل العدة على العدو ، و أقوى المكيدة في الحروب ، و آمرك و من معك أن تكونوا أشد احتراسا من المعاصي منكم من عدوكم ، فإن ذنوب الجيش أخوف عليهم من عدوهم ، و إنما ينصر المسلمون بمعصية عدوهم لله ، و لو لا ذلك لم تكن لنا قوة بهم ، لأن عددنا ليس كعددهم ، و لا عدتنا كعدتهم ، فإذا استوينا في المعصية كان لهم الفضل علينا في القوة ، و إن لم ننصر عليهم بفضلنا لم نغلبهم بقوتنا . و اعلموا أن عليكم في سيركم حفظة من الله يعلمون ما تفعلون ، فاستحيوا منهم و لا تعملوا بمعاصي الله و أنتم في سبيل الله ، و لا تقولوا إن عدونا شر منا فلن يسلط علينا، فرب قوم قد سلط عليهم شر منهم كما سلط على بني إسرائيل لما علموا بمعاصي الله كفرة المجوس فجاسوا خلال الديار و كان وعدا مفعولا . و اسألوا الله العون على أنفسكم كما تسألون على عدوكم ) .

فما أشد حاجة الجنود و رعاية الشباب و أهل المدارس و سائر الدوائر الحكومية إلى التدين الصحيح الذي تنجم عنه آثاره ، و على القائمين عليهم أن يمرنوهم على أداء الواجبات الدينية من الفرائض و الصلوات في أوقاتها ، فإنها نعم العون على ما يزاولونه من أمر دينهم
و دنياهم ، كتمرينهم لهم على الفنون العسكرية فإن من شب على شيء شاب على حبه ، و إنه من المؤلم جدا حينما نرى نسبة المسلمين المصلين من الضباط و الجنود قليلة جدا جدا بالنسبة إلى من لا يصلون ، و لعل هذا التفريط في الترك ما علق بهم في بداية نشأتهم في تجندهم فنشؤوا عليه في حالة كبرهم ، حيث لم يجدوا ما يزعهم في بداية تجندهم . و إن من الواجب على ولاة الأمر أن يصدروا قانونا ملزما للجنود و لرعاية الشباب و للمعلمين في أداء الصلوات المفروضة في أوقاتها ، و يكون عندهم إمام يذكرهم بالصلاة عند دخول وقتها إذ الوعظ و الإرشاد لا يكون مفيدا بدون وازع . و إن الجنود و المعلمين الذين يفرطون في الصلوات الواجبة التي هي عمود دينهم و أمانة ربهم سيكونون أشد تفريطا في غيرها من سائر واجباتهم .

رد شبهة النصارى على المسلمين في عقيدة القضاء و القدر :

يقول النصارى في تحاملهم على المسلمين إنما ضعفوا و تأخروا و ساءت حالهم كلها من عدم تعلمهم للصنائع و المخترعات في هذا العصر اتكالا منهم على عقيدة القضاء و القدر .

و نقول : إن المسلمين لا يحتجون بالقضاء و القدر في كل ما يحاولونه من أعمالهم ، فهم يلومون يذمون كل من يحتج بالقدر في ترك الأمر و ارتكاب النهي ، و إنه لا حجة في ذلك بل حجته داحضة عند ربه .

و قد أمر رسول الله أمته بأنه يأخذوا بالكيس و الحزم و فعل أولي العزم في جميع أعمالهم من أمور دينهم و دنياهم ، و أن يأخذوا حذرهم و يستعدوا بالقوة لعدوهم و بما استطاعوا من الكيد و القوة ، و نهى عن الكسل و العجز و أخبر أن الله يلوم عليه ، كما أرشدهم و دلهم على الدواء عند الحاجة إليه ، و قال : ( إن الله لم ينزل من داء إلا و أنزل له دواء ) . و قال : ( تداووا
و تداووا بحرام ) .

و نهى أشد النهي عن أن يتكلوا على القضاء و القدر في شيء من أعمالهم ، بل
قال:
» اعملوا فكل ميسر لما خلق الله  « . و قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : » المؤمن القوي خير من المؤمن الضعيف و في كل خير ، احرص على ما ينفعك و استعن بالله و لا
تعجز
« . و هذا هو مناط التكليف الشرعي و به تتم الحكمة و العدل و المصلحة ، و عليه مدار عقيدة المسلمين . و قد قيل : العاقل خصم نفسه و الجاهل خصم أقدار ربه .

أما عقيدة الجبر كالذين يحيلون جميع تصرفاتهم في ترك واجباتهم و ارتكاب محرماتهم إلى القضاء و القدر . فهذا الاعتقاد قد انقرض أهله من سنين طويلة .

غير أنه في هذا الزمان نشأت طائفة من الناس المارد و المارقين عن الدين ، يحتجون بالقدر في ترك الواجبات و ارتكاب المنكرات و شرب المسكرات ، و متى عذلته أو نهيته عن سوء عمله قال هذا أمر كتبه الله علي ، فيجعلون عجزهم توكلا و كفرهم و فجورهم قضاء
و قدرا، و سمع من بعض الملاحدة أنه يقول الذنب ذنب الذي خلق إبليس ليس ذنبي ، و هؤلاء يعدهم المسلمون ملاحدة ليسوا من المسلمين .

إن اعتقاد القضاء و القدر الصحيح تنجم عنه الأفعال الصحيحة و تتبعه الصفات الحميدة، من بسط اليد في النفقة و الصدقة و الجرأة و الإقدام و خلق الشجاعة على اقتحام الممالك في سبيل الحق و حماية الدين و الوطن ، و يلهج أهله بقولهم :

( قل لن يصيبنا إلا ما كتب الله لنا هو مولانا و على الله فليتوكل المؤمنون ) .

إن هذا الاعتقاد يطبع في النفوس الثبات على المكارم و تحمل المكاره و مقارعة الأهوال الشديدة بجأش ثابت ، و يحلي الأنفس بحلية الجود و السخاء لاعتقاده أنه ما أنفقه فإن الله سيخلفه، كما يحمله على التضحية بالروح في سبيل الحق عن الدنيا و زينتها .

فالمسلم الذي يعتقد هذا الاعتقاد و أن نواصي الخلق بيد رب العباد يتصرف فيها كيف يشاء ، و أن لله ما أخذ و لله ما أعطى ، و أن الدنيا دار متاع يتمتع بها صاحبها برهة من الزمن ثم يزول عنها ، و أن الآخرة هي دار القرار ، و أن كل امرئ مجازي بعمله إن خيرا فخير و إن شرا فشر . فهذا الاعتقاد متى رسخ في قلب المؤمن فإنه لا يرهب الموت أبدا ، و لا يجزع منه إذا نزل به ، لاعتقاده أن له دارا هي أبقى و أرقى من دار الدنيا ، و عيشا و نعيما هو أرغد
و أنعم من عيش الدنيا ، فإنه لن يجزع من فراق الدنيا و الحالة هذه .

ثم إن هذا الموت ليس بفناء أبدا لكنه انتقال من دار إلى دار أخرى ، ليجزي فيها الذين أساؤوا بما عملوا ، و يجزي الذين أحسنوا بالحسنى ، فلا يجزع من الموت إلا الذي لم يقدم لآخرته خيرا ، و يقول ما هي غلا حياتنا الدنيا نموت و نحيا ، فهذا يجتمع عليه عند فراقه للدنيا سكرة الموت و حسرة الفوت و هول المطلع ، فيندم حيث لا ينفعه الندم و يقول يا ليتني قدمت لحياتي .

لقد اندفع المسلمون بصحة عقيدتهم في أوائل نشاطهم في القرن الأول و الثاني و الثالث بشجاعة باسلة و قلوب ثابتة و إيمان راسخ ، فاندفعوا إلى الممالك البعيدة في مشارق الأرض
و مغاربها و بأيديهم القرآن يفتحون به و يسودون و يدعون الناس إلى العمل به ، فهو السبب الأعظم الذي به نهضوا و فتحوا و سادوا و بلغوا المبالغ كلها من المجد و الرقى حتى استطاعوا أن يثلوا عروش كسرى و قيصر في أقصر مدة من الزمان ، و هم أرقى الأمم حضارة و قوة
و نظاما و عددا و عدة .

فما كان خوضهم لهذه المعارك التي هي غاية في اقتحام المهالك إلا من أجل إيمانهم بالقضاء و القدر على الوجه الصحيح ، و أنها لن تموت نفس حتى تستكمل رزقها ، فهذا الاعتقاد هو الذي ثبت أقدام المسلمين مع قلتهم و ضعفهم أما جيوش أعدائهم التي يغص بها الفضاء و تعج من كثافتها الأرض و السماء ، فكشفوهم بقوة الإيمان ، ثم نشروا التوحيد و الصلاح و السعادة في سائر البلدان ، و كانوا ممن قال الله فيهم : ( الذين إن مكناهم في الأرض أقاموا الصلاة و آتوا الزكاة و أمروا بالمعروف و نهوا عن المنكر و لله عاقبة الأمور ) .