![]() |
|
|
دين الإسلام ليس بدين رأسمالي و لا
بدين اشتراكي إن دين الإسلام هو دين كامل و شرع شامل ، دين الحق الذي
نظم حياة الخلق أحسن نظام، بالحكمة و المصلحة و العدل و الإحسان . صالح لكل زمان و
مكان . و قد سماه الله رحمة للعالمين . لأن فيه محض سعادتهم في دنياهم و آخرتهم .
فلو أن الناس آمنوا بتعاليمه ، و انقادوا لحكمه و تنظيمه ، ووقفوا عند حدوده و
مراسيمه ، لصاروا به سعداء ، لأن الله سماه هدى
إن الله سبحانه قص علينا في كتابه خبر من أنعم عليه
بالغنى فشكر قائلا : ( هذا من فضل ربي ليبلوني أم أكفر ) ، وخبر من أنعم عليه
بالغنى . فطغى و استكبر ، قائلا : هذا مالي أوتيته على علم عندي ، أي على معرفة و
حذق بجمعه و كسبه حتى كثر و وفر . و كما قص علينا خبر من طغى و تكبر ، وصال على الناس و
تجبر ، فاستباح سلب أموال الأغنياء بلا حق . يقول الله ــ عز وجل ــ : ( إن قارون
كان من قوم موسى فبغى عليهم و آتيناه من الكنوز ما إن مفاتحه لتنوء بالعصبة أولي
القوة إذ قال له قومه لا تفرح إن الله لا يحب الفرحين . و ابتغ فيما آتاك الله
الدار الآخرة و لا تنس نصيبك من الدنيا و أحسن كما أحسن الله إليك و لا تبغ الفساد
في الأرض إن الله لا يحب المفسدين ) . إن هذا القرآن بلاغ للناس و لينذروا به ، ففيه نبأ ما
قبلنا و خبر ما بعدنا و حكم ما بيننا، جاءه نبي الله موسى عليه السلام برسالة من ربه ، يدعوه
إلى دينه بالحكمة و بالموعظة الحسنة ، ففر و نفر و عصى و استكبر ، و كان له جنود و
أتباع ، و صاحب المال مطاع، فحاول قارون الفتك بنبي الله موسى ، و أظهر البغي عليه
ليقطع دابره ، حسدا له على نعمة رسالة ربه . و البغي مصرعه وخيم ، و من سل سيف البغي قتل به ، و من
حفر لأخيه بئرا وقع فيه .
يقول الله : ( يا أيها الناس إنما بغيكم على أنفسكم متاع
الحياة الدنيا ) ، يعني أن بغي الباغي ، تعود سوء عاقبته عليه في الدنيا قبل
الآخرة ، بمعنى أنه تعاجله العقوبة ، و يسلط عليه من ينتقم منه ، و عقوبة له حتى
لو بغى جبل على جبل لتدكدك الباغي . و في الحديث » ما من ذنب أجرى من أن
يعجل الله لصاحبه العقوبة في الدنيا مع ما يدخر له في الآخرة من البغي و قطيعة
الرحم « . و البغي أحيانا يكون بالأقوال ، كأن يستطيل عليه
بسبه و ذمه ليذله بين الناس ، و أحيانا يكون بالأفعال ، كأن يستطيل عليه بضربه أو
قتله أو أخذ ماله أو فساد زوجته عليه ، و نحو ذلك من فنون الأذى و العدوان . و من أنواع البغي ، تسلط زعماء الاشتراكية الماركسية على
سحب أموال الأغنياء منهم، ليجلسوهم على حصير الفاقة و الفقر ، بدل ما يتنعمون هم و
أعوانهم بأكل أموالهم ، يحاولون بذلك محو الغنى عن المنعم به عليهم ، ثم مساواة
الناس في الفقر ، الذي من لوازمه الخراب و في صحيح مسلم أن النبي صلى الله عليه و سلم قال : » إن الله أوحى إلي أن
تواضعوا حتى لا يفخر أحد على أحد و لا يبغي أحد على أحد « . ثم قال : ( و
آتيناه من الكنوز ما إن مفاتحه لتنوء بالعصبة أولي القوة ) فأخبر الله سبحانه عن
قارون بأنه مع كفره و عصيانه، و إذا رأيت الله سبحانه يسدي نعمه على الشخص ، و الشخص
مصر على معصية ربه، فاعلم أنما هو استدراج من الله له . يقول الله : ( فلما نسوا
ما ذكروا به فتحنا عليهم أبواب كل شيء حتى إذا فرحوا بما أوتوا أخذناهم بغتة فإذا
هم مبلسون . فقطع دابر القوم الذين ظلموا و لما رأى الناصحون الصالحون من قوم موسى ، ما فعله
قارون من الطفور و الطغيان، و مجاوزة الحد في البغي و العدوان ، أخذوا في وعظه و
نصحه ، لأن بقاء الأمم من قديم الزمان و حديثه ، و ببقاء الصالحين الناصحين ،
الذين يأمرون بالمعروف و ينهون عن المنكر ، و لأن إنكار المنكرات هو مما يقلل
فشوها و انتشارها . يقول الله : ( فلا لا كان من القرون من قبلكم أولو بقية
ينهون عن الفساد في الأرض إلا قليلا ممن أنجينا منهم ) . و لهذا قالوا في نصيحتهم و إرشادهم : ( لا تفرح إن الله
لا يحب الفرحين ) فالفرح المذموم هو الذي يفضي بصاحبه إلى الأشر و البطر و الفجور
و الغرور ، و غالبا ما ينشأ عن الزهو بالدنيا و زينتها . و كان النبي صلى الله
عليه وسلم إذا رأى شيئا من زهرة الدنيا و زينتها فأعجبه قال : » اللهم لا عيش إلا عيش
الآخرة « و قال أصدق كلمة قالها الشاعر كلمة لبيد :
ثم قالوا : ( و ابتغ فيما آتاك الله الدار الآخرة ) يعني
أن من وسع الله عليه بالغناء بالمال، فإن من واجبه أن يتزود من دنياه لآخرته ،
يعني مال الإنسان ما قدم . وفي الحديث يقول ابن أما من وسع الله عليه بالغنى بالمال ، فجعله أكبر همه و
صرف إليه جل عقله و جل عمله و جل اهتمامه ، و ترك لأجله فرائض ربه ، و نسي أمر
آخرته فهذا بالحقيقة فقير لا يؤجر على فقره ، قد خسر دنياه و آخرته ، أتاه شيطانه
فخوفه روعة زمانه و قلة ماله ، فغل يده و منع ما عنده و لم يزل ذلك دأبه حتى يخرج
من الدنيا مذموما مدحورا لا خيرا قدمه ، و لا إثما سلم منه، فهو عبد درهمه و
ديناره . و في الحديث : تعس عبد الدينار و تعس عبد الدرهم . و سيندم حيث لا ينفعه
الندم ، حين يقول : ( ما أغنى عني ماليه هلك عني سلطانيه ) و حين يقول : ( يا
ليتني قدمت لحياتي فيومئذ لا يعذب عذابه أحد و لا يوثق وثاقه أحد ) . و أنه ما بين
أن يثاب الإنسان على الطاعة و الإحسان و يعاقب على الإساءة و العصيان إلا أن يقال
: فلان قد مات و ما أقرب الحياة من الممات ، و كل ما هو آت آت . ثم قالوا في تمام نصحهم و إرشادهم : ( و لا تنس نصيبك من
الدنيا ) لما وعظوه فالإسلام يأمر بكسب الأموال و حفظها ، و التوسع في فنون
التجارات من وجوه حلها. و كان بعض الأنبياء معدودين من الأغنياء كإبراهيم و يوسف
و سليمان عليهم السلام و كان أصحاب رسول الله يتجرون ، يبيعون و يشترون ، و
يبنون و يغرسون، فليس من الدين أن يتخلى الإنسان عن المال و عن السعي و
الكسب للعيال ، و لزم زاوية من زوايا المسجد الحرام ، أو مسجد المدينة ، يتبتل فيه
للعبادة و ينقطع عن البيع و الشراء إن قارون قد مضى و انقضى و عوقب بما تسمعون فما كان
جوابه لهؤلاء الناصحين الصالحين إلا أن قال : إنما أوتيته على علم عندي ، أي على
حذق و معرفة بجمع المال و كسبه حتى كثر و وفر ، و لم يقل : ( هذا من فضل ربي
ليبلوني أ أشكر أم أكفر ) ، و جحود النعمة مؤذن بزوالها . يقول الله : ( و إذ تأذن
ربك لئن شكرتم لأزيدنكم و لئن كفرتم إن عذابي لشديد )، و لهذا ذمه الله بقوله : (
أو لم يعلم أن الله قد أهلك من قبله من القرون من هو أشد منه قوة و أكثر جمعا و لا
يسأل عن ذنوبهم المجرمون ) . إن كل ما ورد في ذم قارون ، و عقابه على كثرة ماله و
فساد أعماله ، فإنه منطبق بالدلالة و المعنى ، على كل من اتصف بصفاته و عمل بمثل
أعماله ، لأن الاعتبار في القرآن هو بعموم لفظه لا بخصوص سببه ، فهو يتمشى على حد
إياك أعني و اسمعي يا جارة ، و خير الناس من وعظ بغيره ، فهذا الوصف ينطبق على كل
تاجر وسع الله عليه من صنوف نعمه و فضله بالغنى على كثير من خلقه ، ثم يجمد قلبه
على حب ماله و تنقبض يده من أداء زكاته ، و من الصدقة منه و الصلة لأقاربه و
النفقة في وجوه البر و الخير الذي خلق لأجله ، فمن كانت هذه صفته فإنه أخ قارون في
كثرة ماله و فساد أعماله . فبالله قل لي : كيف كان عاقبة أمره أجبك بأن الله سبحانه
أمر الأرض أن تخسف به (و سبحان ربك رب العزة عما يصفون و سلام على المرسلين و
الحمد لله رب العالمين).
|