الموضوع التالي

الموضوع التالي

الـفـهـــــرس

الموضوع السابق

الموضوع السابق

 

دين الإسلام ليس بدين رأسمالي و لا بدين اشتراكي

 

إن دين الإسلام هو دين كامل و شرع شامل ، دين الحق الذي نظم حياة الخلق أحسن نظام، بالحكمة و المصلحة و العدل و الإحسان . صالح لكل زمان و مكان . و قد سماه الله رحمة للعالمين . لأن فيه محض سعادتهم في دنياهم و آخرتهم . فلو أن الناس آمنوا بتعاليمه ، و انقادوا لحكمه و تنظيمه ، ووقفوا عند حدوده و مراسيمه ، لصاروا به سعداء ، لأن الله سماه هدى
و شفاء ، أي لعلاج عللهم و إصلاح مجتمعهم ( قل هو للذين آمنوا هدى و شفاء و الذين لا يؤمنون في آذانهم وقر و هو عليهم عمى ) .

إذا ابتغوا السلامة من غناء

 

هو الإسلام ما للناس عنه

فبشر كل شعب بالشقاء

 

إذا انصرفت شعوب الأرض عنه

إن الله سبحانه قص علينا في كتابه خبر من أنعم عليه بالغنى فشكر قائلا : ( هذا من فضل ربي ليبلوني أم أكفر ) ، وخبر من أنعم عليه بالغنى . فطغى و استكبر ، قائلا : هذا مالي أوتيته على علم عندي ، أي على معرفة و حذق بجمعه و كسبه حتى كثر و وفر .

و كما قص علينا خبر من طغى و تكبر ، وصال على الناس و تجبر ، فاستباح سلب أموال الأغنياء بلا حق . يقول الله ــ عز وجل ــ : ( إن قارون كان من قوم موسى فبغى عليهم و آتيناه من الكنوز ما إن مفاتحه لتنوء بالعصبة أولي القوة إذ قال له قومه لا تفرح إن الله لا يحب الفرحين . و ابتغ فيما آتاك الله الدار الآخرة و لا تنس نصيبك من الدنيا و أحسن كما أحسن الله إليك و لا تبغ الفساد في الأرض إن الله لا يحب المفسدين ) .

إن هذا القرآن بلاغ للناس و لينذروا به ، ففيه نبأ ما قبلنا و خبر ما بعدنا و حكم ما بيننا،
و هذه القصة سيقت مساق العظة و العبرة ، لينذر بها من كان حيا و يحق القول على الكافرين، سيقت في بيان سيرة قارون و فساد سريرته ، و بيان كثرة ماله و فساد أعماله ، و كيف حقت عليه كلمة العذاب ببغيه و طغيانه . فأخبر الله سبحانه أن قارون كان من قوم موسى ، و قيل إنه ابن عمه ، و قيل إنه ابن خالته ، و كان فيما زعموا صالحا في بداية عمره و يسمى المنور لجمال وجهه فلما كثر ماله نافق و طغى ، و ارتد و بغي ، وصدق الله العظيم : ( كلا إن الإنسان ليطغى.  أن رآه استغنى . إن إلى ربك الرجعى ) .

جاءه نبي الله موسى عليه السلام برسالة من ربه ، يدعوه إلى دينه بالحكمة و بالموعظة الحسنة ، ففر و نفر و عصى و استكبر ، و كان له جنود و أتباع ، و صاحب المال مطاع، فحاول قارون الفتك بنبي الله موسى ، و أظهر البغي عليه ليقطع دابره ، حسدا له على نعمة رسالة ربه .

و البغي مصرعه وخيم ، و من سل سيف البغي قتل به ، و من حفر لأخيه بئرا وقع فيه .

قضى الله أن البغي يصرع أهله
 

 

و أن على الباغي تدور الدوائر

يقول الله : ( يا أيها الناس إنما بغيكم على أنفسكم متاع الحياة الدنيا ) ، يعني أن بغي الباغي ، تعود سوء عاقبته عليه في الدنيا قبل الآخرة ، بمعنى أنه تعاجله العقوبة ، و يسلط عليه من ينتقم منه ، و عقوبة له حتى لو بغى جبل على جبل لتدكدك الباغي .

و في الحديث » ما من ذنب أجرى من أن يعجل الله لصاحبه العقوبة في الدنيا مع ما يدخر له في الآخرة من البغي و قطيعة الرحم « . و البغي أحيانا يكون بالأقوال ، كأن يستطيل عليه بسبه و ذمه ليذله بين الناس ، و أحيانا يكون بالأفعال ، كأن يستطيل عليه بضربه أو قتله أو أخذ ماله أو فساد زوجته عليه ، و نحو ذلك من فنون الأذى و العدوان .

و من أنواع البغي ، تسلط زعماء الاشتراكية الماركسية على سحب أموال الأغنياء منهم، ليجلسوهم على حصير الفاقة و الفقر ، بدل ما يتنعمون هم و أعوانهم بأكل أموالهم ، يحاولون بذلك محو الغنى عن المنعم به عليهم ، ثم مساواة الناس في الفقر ، الذي من لوازمه الخراب
و الدمار ، و نقص الأرزاق و الثمرات ، و غلاء الأسعار ، فهم الجناة على العباد و البلاد. فعملهم هو حقيقة في الفساد في الأرض و الله لا يحب المفسدين .

و في صحيح مسلم أن النبي صلى الله عليه و سلم قال : » إن الله أوحى إلي أن تواضعوا حتى لا يفخر أحد على أحد و لا يبغي أحد على أحد « . ثم قال : ( و آتيناه من الكنوز ما إن مفاتحه لتنوء بالعصبة أولي القوة ) فأخبر الله سبحانه عن قارون بأنه مع كفره و عصيانه،
و بغيه و طغيانه ، أن الله أرخى له العنان في فنون البغي و العدوان ، و أعطاه من كنوز الأموال على اختلاف الأنواع و الألوان ما يعجز العصبة الأقوياء عن حمل مفاتيحه ، سواء قلنا إن المفاتيح من حديد أو من خشب أو من جلود ، و حسبنا تنويه القرآن بعظمتها ، مما يدل على عظمة المخزون بها ، و هو استدراج من الله له في سعة الرزق و بسطته ، لأن الله يعطي الدنيا من يحب و من لا يحب و لا يعطي الدين إلا من يحب .

و إذا رأيت الله سبحانه يسدي نعمه على الشخص ، و الشخص مصر على معصية ربه، فاعلم أنما هو استدراج من الله له . يقول الله : ( فلما نسوا ما ذكروا به فتحنا عليهم أبواب كل شيء حتى إذا فرحوا بما أوتوا أخذناهم بغتة فإذا هم مبلسون . فقطع دابر القوم الذين ظلموا
و الحمد لله رب العالمين ) .

و لما رأى الناصحون الصالحون من قوم موسى ، ما فعله قارون من الطفور و الطغيان، و مجاوزة الحد في البغي و العدوان ، أخذوا في وعظه و نصحه ، لأن بقاء الأمم من قديم الزمان و حديثه ، و ببقاء الصالحين الناصحين ، الذين يأمرون بالمعروف و ينهون عن المنكر ، و لأن إنكار المنكرات هو مما يقلل فشوها و انتشارها .

يقول الله : ( فلا لا كان من القرون من قبلكم أولو بقية ينهون عن الفساد في الأرض إلا قليلا ممن أنجينا منهم ) .

و لهذا قالوا في نصيحتهم و إرشادهم : ( لا تفرح إن الله لا يحب الفرحين ) فالفرح المذموم هو الذي يفضي بصاحبه إلى الأشر و البطر و الفجور و الغرور ، و غالبا ما ينشأ عن الزهو بالدنيا و زينتها . و كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا رأى شيئا من زهرة الدنيا و زينتها فأعجبه قال : » اللهم لا عيش إلا عيش الآخرة « و قال أصدق كلمة قالها الشاعر كلمة لبيد :

ألا كل شيء ما خلا الله باطل

 

و كل نعيم لا محالة زائل

ثم قالوا : ( و ابتغ فيما آتاك الله الدار الآخرة ) يعني أن من وسع الله عليه بالغناء بالمال، فإن من واجبه أن يتزود من دنياه لآخرته ، يعني مال الإنسان ما قدم . وفي الحديث يقول ابن
آدم : مالي مالي . و هل لك من مالك إلا ما أكلت فأفنيت ، أو لبس فأبليت ، أو تصدقت فأمضيت و ما سوى ذلك فذاهب ، و تاركه للورثة ، و الدنيا مزرعة الآخرة ، تزرع فيها الأعمال الصالحة من خرج منها فقيرا من الحسنات ورد على الآخرة فقيرا و ساءت مصيرا .

أما من وسع الله عليه بالغنى بالمال ، فجعله أكبر همه و صرف إليه جل عقله و جل عمله و جل اهتمامه ، و ترك لأجله فرائض ربه ، و نسي أمر آخرته فهذا بالحقيقة فقير لا يؤجر على فقره ، قد خسر دنياه و آخرته ، أتاه شيطانه فخوفه روعة زمانه و قلة ماله ، فغل يده و منع ما عنده و لم يزل ذلك دأبه حتى يخرج من الدنيا مذموما مدحورا لا خيرا قدمه ، و لا إثما سلم منه، فهو عبد درهمه و ديناره . و في الحديث : تعس عبد الدينار و تعس عبد الدرهم . و سيندم حيث لا ينفعه الندم ، حين يقول : ( ما أغنى عني ماليه هلك عني سلطانيه ) و حين يقول : ( يا ليتني قدمت لحياتي فيومئذ لا يعذب عذابه أحد و لا يوثق وثاقه أحد ) . و أنه ما بين أن يثاب الإنسان على الطاعة و الإحسان و يعاقب على الإساءة و العصيان إلا أن يقال : فلان قد مات و ما أقرب الحياة من الممات ، و كل ما هو آت آت .

ثم قالوا في تمام نصحهم و إرشادهم : ( و لا تنس نصيبك من الدنيا ) لما وعظوه
و نصحوه بما ينفعه في أمر آخرته ، عادوا فنصحوه بما ينفعه في أمر دنياه ، فقالوا : ( و لا تنس نصيبك من الدنيا ) قيل معناه : تزود من دنياك لآخرتك . و قيل : لا تنس نصيبك أي من الكسب و السعي و سائر أسباب الغنى ، لأن دين الإسلام دين سعى و كد و كسب ، يجمع بين مصالح الدنيا و الآخرة ، و مصالح الروح و الجسد ، يمدح القائلين ( ربنا آتنا في الدنيا حسنة و في الآخرة حسنة ) و نعم المال الصالح للرجل الصالح .

فالإسلام يأمر بكسب الأموال و حفظها ، و التوسع في فنون التجارات من وجوه حلها.
و في الحديث
» التاجر الصدوق الأمين مع النبيين و الصديقين و الشهداء و الصالحين  « . 
و لما سئل النبي صلى الله عليه وسلم ــ عن أفضل الكسب قال:
» عمل الرجل بيده و كل بيع مبرور« و روى طلب الحلال فريضة بعد الفريضة ، و الله يحب المؤمن المحترف ، و يبغض البطال .

و كان بعض الأنبياء معدودين من الأغنياء كإبراهيم و يوسف و سليمان عليهم السلام
و بعض الأنبياء يتكسبون بالحرف و الصنائع و النبي صلى الله عليه وسلم ــ كان قبل النبوة يسافر بالمال إلى الشام .

و كان أصحاب رسول الله يتجرون ، يبيعون و يشترون ، و يبنون و يغرسون،
و يسافرون للتجارة في البر و البحر ، و لكنهم إذا نابهم أمر من أمور الله ، أو حضرت فريضة من فرائض الله كفريضة الصلاة و فريضة الزكاة بادروا بأدائها إلى الله ، و لم تلههم تجارة و لا بيع عن ذكر الله حتى يؤدوه إلى الله .

فليس من الدين أن يتخلى الإنسان عن المال و عن السعي و الكسب للعيال ، و لزم زاوية من زوايا المسجد الحرام ، أو مسجد المدينة ، يتبتل فيه للعبادة و ينقطع عن البيع و الشراء
و الأخذ و العطاء ، كما يفعله الرهبان و بعض الدراويش ، فقد جاء أناس من الصحابة إلى النبي صلى الله عليه وسلم يستأذنونه في أن يبيعوا عقارهم و مالهم و يشتروا بثمنها سلاحا و خيلا يجاهدون عليها في سبيل الله فنهاهم رسول الله عن ذلك و قال :
» أمسكوا عليكم أموالكم و لا تفسدوها « و أراد بعض الصحابة أن يتصدق بماله كله ، فرد رسول الله صدقته ، لأن المال ترس المؤمن في آخر الزمان ، و لا يستغني عنه في حال من الأحوال ، و أن الكريم على الأخوان ذو المال ، و كل ما تسمعونه في القرآن أو في الحديث ، من ذم الدنيا أو ذم المال ، فإنما يقصد به ذم أفعال بني آدم السيئة في المال لا المال نفسه ، لأن الطاعة هي همة التقي ، و لا يضره لو تعلقت جميع جوارحه بحب الدنيا ، لكون المسلم يشتغل في الدنيا بجوارحه و قلبه متعلق بالعمل لآخرته ، فيحصل الحسنتين و يفوز بالسعادتين ، فتكون أعماله بارة و أرزاق الله عليه دارة ( أولئك الذين هداهم الله و أولئك هم أولو الألباب ) .

إن قارون قد مضى و انقضى و عوقب بما تسمعون فما كان جوابه لهؤلاء الناصحين الصالحين إلا أن قال : إنما أوتيته على علم عندي ، أي على حذق و معرفة بجمع المال و كسبه حتى كثر و وفر ، و لم يقل : ( هذا من فضل ربي ليبلوني أ أشكر أم أكفر ) ، و جحود النعمة مؤذن بزوالها . يقول الله : ( و إذ تأذن ربك لئن شكرتم لأزيدنكم و لئن كفرتم إن عذابي لشديد )، و لهذا ذمه الله بقوله : ( أو لم يعلم أن الله قد أهلك من قبله من القرون من هو أشد منه قوة و أكثر جمعا و لا يسأل عن ذنوبهم المجرمون ) .

إن كل ما ورد في ذم قارون ، و عقابه على كثرة ماله و فساد أعماله ، فإنه منطبق بالدلالة و المعنى ، على كل من اتصف بصفاته و عمل بمثل أعماله ، لأن الاعتبار في القرآن هو بعموم لفظه لا بخصوص سببه ، فهو يتمشى على حد إياك أعني و اسمعي يا جارة ، و خير الناس من وعظ بغيره ، فهذا الوصف ينطبق على كل تاجر وسع الله عليه من صنوف نعمه و فضله بالغنى على كثير من خلقه ، ثم يجمد قلبه على حب ماله و تنقبض يده من أداء زكاته ، و من الصدقة منه و الصلة لأقاربه و النفقة في وجوه البر و الخير الذي خلق لأجله ، فمن كانت هذه صفته فإنه أخ قارون في كثرة ماله و فساد أعماله .

فبالله قل لي : كيف كان عاقبة أمره أجبك بأن الله سبحانه أمر الأرض أن تخسف به
و بماله ، قال الله : ( فخسفنا به و بداره الأرض فما كان له من فئة ينصرونه من دون الله و ما كان من المنتصرين . و أصبح الذين تمنوا مكانه بالأمس يقولون وَي كأن الله يبسط الرزق لمن يشاء من عباده و يقدر لو لا أن من الله علينا لخسف بنا وي كأنه لا يفلح الكافرون ) . خسف الله الأرض بقارون و بماله ، و ما الخسف ببعيد عن أمثاله من التجار ، الذين جحدوا نعمة الله
عليهم ، و منعوا زكاة أموالهم و نسوا أمر آخرتِهم تسمع بعشرات الملايين أو مئات الملايين أو ألوف الملايين عند أحدهم ، و لكنك لا تسمع بمن يؤدي الزكاة منهم ، ثم سرت عدوى منع الزكاة من بعضهم إلى بعض ، فهؤلاء إن لم يخسف منهم بالأبدان ، فإنه قد يخسف منهم بنور الإيمان،
و من المعلوم أن الخسف بالإيمان أضر من الخسف بالأبدان ، فيبقى سيئ الحال جموعا منوعا، يبغض الناس و يبغضونه ، و لهذا ختم الله هذه الآيات بقوله : ( تلك الدار الآخرة نجعلها للذين لا يريدون علوا في الأرض و لا فسادا و العاقبة للمتقين ) .نسأل الله سبحانه أن يعمنا و إياكم بعفوه، و أن يسبغ علينا و عليكم واسع فضله ، و أن يدخلنا برحمته في الصالحين من عباده ، و أن يعيننا على ذكره و شكره و حسن عبادته ، والله أعلم .

(و سبحان ربك رب العزة عما يصفون و سلام على المرسلين و الحمد لله رب العالمين).