الموضوع التالي

الموضوع التالي

الـفـهـــــرس

الموضوع السابق

الموضوع السابق

 

شكر نعمة الغنى بالمال

 

إن الله سبحانه و تعالى خلق الخلق ليعبدوه ، و ركب فيهم العقول ليعرفوه و أسبغ عليهم نعمه ظاهرة و باطنة ليشكروه ، و الله يجازي كل من شكره بالمزيد ( و إذ تأذن ربكم لئن شكرتم لأزيدنكم و لئن كفرتم إن عذابي لشديد ) . فبالشكر تزيد النعم و تدوم ، بتركه تسلب و تزول، فالشكر قيد النعم ، و المعاصي من أسباب حلول النقم ، و إن العبد ليحرم الرزق بالذنب يصيبه.

و ليس الشكر مقصورا على قول أحدكم : الشكر لله ، فإنه هذا الكلام لا نزال نسمعه من لسان كل إنسان ، ينطق به البر و الفاجر ، و الجاحد و الشاكر و الله يقول : ( و قليل من عبادي الشكور ) .

و إنما حقيقة الشكر : الاعتراف بالنعمة باطنا ، و التحدث بها ظاهرا ، و صرفها في  مرضاة وليها و مسديها ن فمن أنعم الله عليه و بنعمة الغنى بالمال ، فعنوان شكره : و هو القيام بواجب حق الله فيه ، من أداء زكاته ، و من الصدقة منه ، و الصلة لأقاربه ، و النفقة في وجوه البر و الخير الذي خلق لأجله ، فإن هذا هو حقيقة شكره المستلزم لنموه و بركته ، مع النفقة مهنه على الأهل ، و العيال ، و التجمل منه بأنواع الزينة المباحة ، و المسكن ، لأن هذا من النفقة بالمعروف ، و الله يحب أن يرى نعمته على عبده . لأن الله جميل يحب الجمال طيب يحب الطيب، نظيف يحب النظافة .

إن الناس مستخلفون في الدنيا على أموالهم ، و الله ناظر كيف يعملون ، فمن أخذ هذا المال من حله ، و أدى منه واجب حقه ، فنعم المعونة هو ، و كان له حسنات و رفع درجات في الجنات .

و من أخذه من غير حله ، و منع منه واجب حقه ، كان كالذي يأكل و لا يشبع ، و يكون عذابا عليه في الدنيا و عقابا له في الآخرة ، يقول الله : ( فلا تعجبك أموالهم و لا أولادهم إنما يريد الله ليعذبهم بها في الحياة الدنيا و تزهق أنفسهم و هم كافرون ) .

إنه ما أنفق أحد نفقة في سبيل الزكاة و الصدقة ، و الصلة و سائر الأفعال الخيرية ، إلا أخلفها الله عليه بأضعاف مضاعفة ( و ما أنفقتم من شيء فهو يخلفه و هو خير الرازقين ) ، فلو جربتم لعرفتم ، فقد قيل : من ذاق عرف ، و من حرم انحرف . و ما بخل أحد بنفقة واجبة في سبيل الحق ، من زكاة ، و صدقة ، و صلة ، و إلا سلطه الشيطان على نفقة ما هو أكثر منه في سبيل الباطل .

فكسب المال من جله ، ثم الجود بأداء واجب حقه ، يعد من مفاخر الدنيا ، و إنه لنعم الذخرى للأخرى ، فقد ذهب أهل الدثور بالأجور و الدرجات العلي ، و نعم المال الصالح للرجل الصالح ، فجميع ما أوجد الله في الدنيا من الذهب و الفضة ، و المعادن الجامدة و السيالة،
و البترول ، و الحيوانات ، و الثمرات ، و سائر الفواكه و الخيرات ، كل هذه خلقها الله كرامة
و نعمة للإنسان ، لتنعم بها في حياته ، و يتمتع بها إلى ما هو خير منها لأخرته ، يقول الله
( فابتغوا عنده الرزق و اعبدوه و اشكروا له إليه ترجعون ) . و قال : ( كلوا من طيبات ما رزقناكم و لا تطغوا فيه فيحل عليكم غضبي و من يحلل عليه غضبي فقد هوى .

ما أحسن الدين و الدنيا إذا اجتمعا

 

و ما أقبح الكفر و الإفلاس في الرجل

فأمر الله عباده بان يأكلوا من طيبات ما رزقهم ، أي من الحلال النافع ، حسن العاقبة،
و لا يطغوا فيه ، و الطغيان : هو مجاوزة الحد في السرف و الترف ، و الفسوق و العصيان،
و ذلك بأن يستعينوا بنعم الله على معاصيه ، أو يستعملوها في سبيل ما يسخطه و لا يرضيه، فيحملهم الغنى بالمال على الوقوع في الطغيان ، و صدق الله العظيم ( كلا إن الإنسان ليطغى، أن رآه استغنى ، إن إلى ربك الرجعى ) .

فكل ما تسمعونه في القرآن ، أو في الحديث ، من ذم الدنيا، أو ذم المال ، فإنما يراد به ذم أفعال بني آدم السيئة في المال ، لأن أفعل الناس تقع غالبا على الأمر المكروه أو الحرام ،  من أكلهم الربا ، و شربهم الخمور ، و توسعهم في أعمال الشرور و الفجور ، فالذم ينصرف إلى هذه الأعمال ، لا إلى نفس المال و إذا قال الإنسان : لعن الله الدنيا . قالت الدنيا : لعن الله أ عصانا
لربه ، لأن الله جعل الدنيا منحة لأقوام ، و محنة على آخرين ، وسعادتهم لأقوام ، و شقاوة على آخرين ، و قد سمى الله المال خيرا لمن أراد به الخير .

فالمال هو من الزينة التي أخرجها الله لعباده ، كرامة لهم ( قل من حرم زينة الله التي أخرج لعباده و الطيبات من الرزق قل هي للذين آمنوا في الحياة الدنيا خالصة يوم القيامة )، فسمى الله المال زينة ، لأنه يزين صاحبه في العيان ، و يحمله بين الأقران ، و يحفظه عن السقوط في الذل و الهوان ، و هو ترس المؤمن في آخر الزمان ، و لا يستغني عنه في حال من الأحوال ، و إن الكريم على الإخوان ذو المال . مع العلم أنه لا غبطة بكثرة المال ، و إنما الغبطة  في استعمال المال فيما خلق له من صالح الأعمال ، كما قيل :

فتى لا يعد المال ربا و لا يُرى
 

 

له جفوةٌ إن نال مالا و لا كبر

إنه ما بخل أحد بالزكاة الواجبة ، إلا عاجلته الحسرة و الندامة قبل خروجه من الدنيا . فيندم حيث لا ينفعه الندم ، ( يقول يا ليتني قدمت لحياتي ) .

و هنا قصة هي لنا بمثابة العظة و العبرة ، و خير الناس من وعظ بغيره .

عاد الحسن البصري رجلا يدعى عبد الله بن الأهتم ، و كان تاجرا لكنه شديد البخل ، فرآه يضطرب و يحوقل ، فقال : ما هذا الاضطراب معك ، أمن وجع تشتكيه ؟ فقال كلا والله، ولكنني  أفكر في مائة دينار في زاوية هذه الدار ، لو أؤد منها زكاة ، و لم أصل منها رحما ، و لم أقم بواجب حق الله فيها ، و قد عرفت أنني سأعذب بها  ،فقال له : ثكلتك أمك ، و لمن كنت تجمعها و تمنعها ! قال : جمعتها لروعة الزمان ، و جفوة السلطان ، و مكاثرة العشيرة ، ثم إنه قدر أن يموت من مرضه ، فشهد الحسن جنازته ، فلما أتى المقبرة ألقى الموعظة على حسب عادته في نشر الحكمة و الموعظة الحسنة .

فقال : انظروا إلى هذا المسكين ، أتاه شيطانه ، فخوفه روعة زمانه ، و جفوة سلطانه، انظروا إليه ، خرج من الدنيا مذؤما مدحورا ، لا خيرا قدمه ، و لا إثما سلم منه ، ثم التفت إلى الوارث ، فقال : أيها الوارث : لا تخدعن كما خدع صاحبك بالأمس ، إن هذا المال أتاك حلالا، فلا يكونن عليك و بالا ، و أتاك عفوا صفوا ممن كان جموعا منوعا من باطل جمعه ، و عن حق منعه ، قطع فيه لجج البحار ، و مفاوز القفار ، لم تكدح لك فيه يمين ، و لم يعرف لك جبين،
و اعلم أن يوم القيامة ذو الحسرات ، و أكبر الناس حسرة ، رجل رأى ماله في ميزان غيره، سعد به وارثه ، و شقي به جامعه ، فيالها حسرة لا تزال ، و عثرة لا تقال … انتهى .

و أنه ما بين أن يثاب الإنسان على الطاعة و الإحسان ، أو يعاقب على الإساءة
و العصيان، إلا أن يقال : فلان قد مات ، و ما أقرب الحياة من الممات و كل ما هو آت آت .

إن الناس عند استفادة الغنى على أقسام :

منهم البخيل المقتر ، و منهم السفيه المبذر ، و منهم الوسط المقتصد ، و الغني الشاكر،
و خير الأمور أوساطها . أما البخيل المقتر : فهو التاجر الجموع المنوع ، الذي غمره الله بنعمته، و فضله بالغناء على كثير من خلقه ، ثم يجمد قلبه على حب ماله ، و تنقبض يده من أداء زكاته، و من الصدقة و من الصلة لأقاربه ، و النفقة في وجوه البر و الخير الذي خلق لأجله ، و قد التاط قلبه بحب الدنيا ، فجعلها أكبر همه ، و غاية قصده ، و صرف إليها جل عقله ، و جل عمله،
و جل اهتمامه ، و ترك لأجلها فرائض ربه ، و نسي أمر آخرته ، و لم يزل ذلك دأبه ، حتى يخرج من الدنيا مذؤما مدحورا ، لا خيرا قدمه ، و لا إثما سلم منه ، و ربما كان يحدث نفسه في حال فقره : أو لو أغناه الله لأنفق و تصدق و أدى زكاة ماله ، فلما حقق الله آماله ، و كثر ماله، فر و نفر ، و بخل و استكبر ، فهذا بالحقيقة فقير لا يؤجر على فقره ، قد أوقع نفسه في الفقر من مخافة الفقر ، فكان جموعا ، منوعا ، هلوعا ، جزوعا . فلا ينبغي أن يغبط بكثرة ماله ، مع العلم بفساد أعماله ، إذ هو أخو قارون في كثرة ماله ، و فساد أعماله .

خُلقوا و ما خُلقوا لمكرمة

 

فكأنهم خُلقوا و ما خُلقوا

رُزقوا و ما رُزقوا سماح يد

 

فكأنهم رُزقوا و ما رُزقوا

فمن رزقه الله من هذا المال رزقا حسنا ، فليبادر بأداء زكاته ، و لينفق منه سرا و علنا، حتى يكون أسعد الناس بماله ، فإن مال الإنسان ما قدم .

إن الله سبحانه قص علينا في كتابه الكريم ، خبر من أنعم عليه بالغنى ، فشكر ، و خبر من أنعم عليه بالغنى ، و فطغى و استكبر ، فقال سبحانه في حق الغني الشاكر ( رجال لا تلهيهم تجارة و لا بيع عن إقام الصلاة و إيتاء الزكاة يخافون يوما تتقلب فيه القلوب و الأبصار. ليجزيهم الله أحسن ما عملوا و يزيدهم من فضله ) ، أي من سعة الدنيا و بركتها . قال البخاري في صحيحه: قال قتادة : كان القوم ، يعني كان أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم يتجرون، 
و لكنهم إذا نابهم أمر من أمور الله ، أو حضرت فريضة من فرائض الله ، بادروا بأدائها إلى الله، و لم تلههم تجارة و لا بيع عن ذكر الله ، فحصلوا الحسنتين ، و فازوا بالسعادتين ، سعادة الدنيا، و سعادة الآخرة ، فكانت أعمالهم بارة ، و أرزاق الله عليهم دارة ( أولئك الذين هداهم الله
و أولئك هم أولو الألباب ) .

أما من أنعم الله عليه بالغنى ، فطغى و استكبر ، فقد قال الله في حقه : ( و منهم من عاهد الله لئن آتانا من فضله لنصدقن و لنكونن من الصالحين . فلما آتاهم من فضله بخلوا به و تولوا
و هم معرضون . فأعقبهم نفاقا في قلوبهم إلى يوم يلقونه بما أخلفوا الله ما وعدوه و بما كانوا يكذبون ) . إن هؤلاء في حالة فقرهم على جانب من الصلاح و الاستقامة ، و يحافظون على الصلوات في الجمع و الجماعة ، و كانوا في حالة فقرهم يعاهدون ربهم أن لو أغناهم الله لأدوا زكاة أموالهم ، و أنفقوا و تصدقوا ، فلما حقق الله آمالهم ، و كثر مالهم ، فروا و استكبروا،
و بخلوا بما آتاهم الله من فضله ، فتركوا الصلوات ، و منعوا الزكاة فأنزل الله فيهم ما تسمعون
( و من يوق شح نفسه فأولئك هم المفلحون ) .

فالمال لا يكون سعادة في الحياة ، و لا حسنات بعد الوفاة ، إلا إذا سلك به صاحبه مسلك الاعتدال ، بأن يأخذه من حله ، يؤدي منه واجب حقه ، فيكون نعم المال الصالح للرجل الصالح، و التاجر الصدوق الأمين ، مع النبيين و الصديقين ، والشهداء ، و الصالحين .

أما السفيه المبذر : فهو الذي أصاب من هذا المال جانبا كبيرا ، و عددا كثيرا ، و لكنه أساء التصرف في استعماله ، حيث حمله على الطفور و الطغيان ، و على مجاوزة الحد في السرف و الترف ، و الفسوق و العصيان ، لم يزل تاركا للصلاة ، عاكفا على اللذات ، و شرب المسكرات ، ينفق المال جزافا في سبيل البذخ و الشهوات ، و التفنن في المأكولات ، و التأنق في المركوبات ، و لم يزل ذلك دأبه ، حتى يصبح صفر اليدين ، مطوق العنق بالدين ، قد بدل نعمة الله كفرا ، و أحل بغناه دار البوار .

و من المشاهد بالاعتبار ، أن المسرفين المبذرين ، يصابون بالفقر قبل أن يموتوا ، لأن إنفاقهم المال في سبيل الإسراف و التبذير ، و عدم حسن التدبير ، مؤذن بزواله ، ثم الوقوع في ضده ــ أي الفقر ــ الذي استعاذ منه النبي صلى الله عليه وسلم ــ وقال : » اللهم إني أعوذبك من الجوع ، فإنه بئس الضجيع ، و أعوذبك من الخيانة ، فإنها بئست البطانة « . فما افتقر من اقتصد.

فدين الإسلام : هو دين تثمير الأموال و حفظها ، و توسعة التجارات من سبيل حلها،
و منع الإسراف و التبذير لها .

يقول الله : ( و لا تؤتوا السفهاء أموالكم التي جعل الله لكم قياما ) ، أي تقوم بها أبدانكم،
و تقوم بها بيوتكم ، و يقوم بها مجدكم و شرفكم .

و السفه : خفة في الرأي ، علامته كونه لا يحسن تثمير ماله و لا توفيره . وقال ــ سبحانه: ( و آت ذا القربى حقه و المسكين و ابن السبيل و لا تبذر تبذيرا . إن المبذرين كانوا إخوان الشياطين و كان الشيطان لربه كفورا ) . فجعل المبذرين من إخوان الشياطين دليلا على مهانتهم، و مذلتهم ، و مذمتهم لأن الشياطين هم الذين يبطرون نعمة الله و لا يشكرونها ( و من يكن الشيطان له قرينا فساء قرينا ) .

فلا تكونوا مثل هذا السفيه المبذر ، و لا مثل ذاك البخيل المقتر ، و لكن مثل الوسط المقتصد ، الغني الشاكر ، الذي آتاه الله النعمة فعادت عليه بالسعادة و الرحمة ، ساسها بالرأي
و التدبير ، وصانها عن الإسراف و التبذير ، و عاد بأداء زكاتها و بالصدقة منها على الفقير
و المسكين ، و على الرحم و اليتيم ، فزكت نعمته و زادت ، و ثبتت و دامت ، فكان عمله بارا،
و رزق الله عليه دارا : ( أولئك الذين هداهم الله و أولئك هم أولوا الألباب ) . و الله أعلم .