![]() |
|
|
شكر نعمة الغنى بالمال إن الله سبحانه و تعالى خلق الخلق ليعبدوه ، و ركب فيهم
العقول ليعرفوه و أسبغ عليهم نعمه ظاهرة و باطنة ليشكروه ، و الله يجازي كل من
شكره بالمزيد ( و إذ تأذن ربكم لئن شكرتم لأزيدنكم و لئن كفرتم إن عذابي لشديد ) .
فبالشكر تزيد النعم و تدوم ، بتركه تسلب و تزول، فالشكر قيد النعم ، و المعاصي من
أسباب حلول النقم ، و إن العبد ليحرم الرزق بالذنب يصيبه. و ليس الشكر مقصورا على قول أحدكم : الشكر لله ، فإنه
هذا الكلام لا نزال نسمعه من لسان كل إنسان ، ينطق به البر و الفاجر ، و الجاحد و
الشاكر و الله يقول : ( و قليل من عبادي الشكور ) . و إنما حقيقة الشكر : الاعتراف بالنعمة باطنا ، و التحدث
بها ظاهرا ، و صرفها في مرضاة وليها
و مسديها ن فمن أنعم الله عليه و بنعمة الغنى بالمال ، فعنوان شكره : و هو القيام
بواجب حق الله فيه ، من أداء زكاته ، و من الصدقة منه ، و الصلة لأقاربه ، و
النفقة في وجوه البر و الخير الذي خلق لأجله ، فإن هذا هو حقيقة شكره المستلزم
لنموه و بركته ، مع النفقة مهنه على الأهل ، و العيال ، و التجمل منه بأنواع
الزينة المباحة ، و المسكن ، لأن هذا من النفقة بالمعروف ، و الله يحب أن يرى نعمته
على عبده . لأن الله جميل يحب الجمال طيب يحب الطيب، نظيف يحب النظافة . إن الناس مستخلفون في الدنيا على أموالهم ، و الله ناظر
كيف يعملون ، فمن أخذ هذا المال من حله ، و أدى منه واجب حقه ، فنعم المعونة هو ،
و كان له حسنات و رفع درجات في الجنات . و من أخذه من غير حله ، و منع منه واجب حقه ، كان كالذي
يأكل و لا يشبع ، و يكون عذابا عليه في الدنيا و عقابا له في الآخرة ، يقول الله :
( فلا تعجبك أموالهم و لا أولادهم إنما يريد الله ليعذبهم بها في الحياة الدنيا و
تزهق أنفسهم و هم كافرون ) . إنه ما أنفق أحد نفقة في سبيل الزكاة و الصدقة ، و الصلة
و سائر الأفعال الخيرية ، إلا أخلفها الله عليه بأضعاف مضاعفة ( و ما أنفقتم من
شيء فهو يخلفه و هو خير الرازقين ) ، فلو جربتم لعرفتم ، فقد قيل : من ذاق عرف ، و
من حرم انحرف . و ما بخل أحد بنفقة واجبة في سبيل الحق ، من زكاة ، و صدقة ، و صلة
، و إلا سلطه الشيطان على نفقة ما هو أكثر منه في سبيل الباطل . فكسب المال من جله ، ثم الجود بأداء واجب حقه ، يعد من
مفاخر الدنيا ، و إنه لنعم الذخرى للأخرى ، فقد ذهب أهل الدثور بالأجور و الدرجات
العلي ، و نعم المال الصالح للرجل الصالح ، فجميع ما أوجد الله في الدنيا من الذهب
و الفضة ، و المعادن الجامدة و السيالة،
فأمر الله عباده بان يأكلوا من طيبات ما رزقهم ، أي من
الحلال النافع ، حسن العاقبة، فكل ما تسمعونه في القرآن ، أو في الحديث ، من ذم
الدنيا، أو ذم المال ، فإنما يراد به ذم أفعال بني آدم السيئة في المال ، لأن أفعل
الناس تقع غالبا على الأمر المكروه أو الحرام ، من أكلهم الربا ، و شربهم الخمور ، و توسعهم في أعمال الشرور و
الفجور ، فالذم ينصرف إلى هذه الأعمال ، لا إلى نفس المال و إذا قال الإنسان : لعن
الله الدنيا . قالت الدنيا : لعن الله أ عصانا فالمال هو من الزينة التي أخرجها الله لعباده ، كرامة
لهم ( قل من حرم زينة الله التي أخرج لعباده و الطيبات من الرزق قل هي للذين آمنوا
في الحياة الدنيا خالصة يوم القيامة )، فسمى الله المال زينة ، لأنه يزين صاحبه في
العيان ، و يحمله بين الأقران ، و يحفظه عن السقوط في الذل و الهوان ، و هو ترس
المؤمن في آخر الزمان ، و لا يستغني عنه في حال من الأحوال ، و إن الكريم على
الإخوان ذو المال . مع العلم أنه لا غبطة بكثرة المال ، و إنما الغبطة في استعمال المال فيما خلق له من صالح
الأعمال ، كما قيل :
إنه ما بخل أحد بالزكاة الواجبة ، إلا عاجلته الحسرة و
الندامة قبل خروجه من الدنيا . فيندم حيث لا ينفعه الندم ، ( يقول يا ليتني قدمت
لحياتي ) . و هنا قصة هي لنا بمثابة العظة و العبرة ، و خير الناس
من وعظ بغيره . عاد الحسن البصري رجلا يدعى عبد الله بن الأهتم ، و كان
تاجرا لكنه شديد البخل ، فرآه يضطرب و يحوقل ، فقال : ما هذا الاضطراب معك ، أمن
وجع تشتكيه ؟ فقال كلا والله، ولكنني
أفكر في مائة دينار في زاوية هذه الدار ، لو أؤد منها زكاة ، و لم أصل منها
رحما ، و لم أقم بواجب حق الله فيها ، و قد عرفت أنني سأعذب بها ،فقال له : ثكلتك أمك ، و لمن كنت تجمعها
و تمنعها ! قال : جمعتها لروعة الزمان ، و جفوة السلطان ، و مكاثرة العشيرة ، ثم
إنه قدر أن يموت من مرضه ، فشهد الحسن جنازته ، فلما أتى المقبرة ألقى الموعظة على
حسب عادته في نشر الحكمة و الموعظة الحسنة . فقال : انظروا إلى هذا المسكين ، أتاه شيطانه ، فخوفه
روعة زمانه ، و جفوة سلطانه، انظروا إليه ، خرج من الدنيا مذؤما مدحورا ، لا خيرا
قدمه ، و لا إثما سلم منه ، ثم التفت إلى الوارث ، فقال : أيها الوارث : لا تخدعن
كما خدع صاحبك بالأمس ، إن هذا المال أتاك حلالا، فلا يكونن عليك و بالا ، و أتاك
عفوا صفوا ممن كان جموعا منوعا من باطل جمعه ، و عن حق منعه ، قطع فيه لجج البحار
، و مفاوز القفار ، لم تكدح لك فيه يمين ، و لم يعرف لك جبين، و أنه ما بين أن يثاب الإنسان على الطاعة و الإحسان ، أو
يعاقب على الإساءة إن الناس عند استفادة الغنى على أقسام : منهم البخيل المقتر ، و منهم السفيه المبذر ، و منهم
الوسط المقتصد ، و الغني الشاكر،
فمن رزقه الله من هذا المال رزقا حسنا ، فليبادر بأداء
زكاته ، و لينفق منه سرا و علنا، حتى يكون أسعد الناس بماله ، فإن مال الإنسان ما
قدم . إن الله سبحانه قص علينا في كتابه الكريم ، خبر من أنعم
عليه بالغنى ، فشكر ، و خبر من أنعم عليه بالغنى ، و فطغى و استكبر ، فقال سبحانه
في حق الغني الشاكر ( رجال لا تلهيهم تجارة و لا بيع عن إقام الصلاة و إيتاء
الزكاة يخافون يوما تتقلب فيه القلوب و الأبصار. ليجزيهم الله أحسن ما عملوا و
يزيدهم من فضله ) ، أي من سعة الدنيا و بركتها . قال البخاري في صحيحه: قال قتادة
: كان القوم ، يعني كان أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم يتجرون، أما من أنعم الله عليه بالغنى ، فطغى و استكبر ، فقد قال
الله في حقه : ( و منهم من عاهد الله لئن آتانا من فضله لنصدقن و لنكونن من
الصالحين . فلما آتاهم من فضله بخلوا به و تولوا فالمال لا يكون سعادة في الحياة ، و لا حسنات بعد الوفاة
، إلا إذا سلك به صاحبه مسلك الاعتدال ، بأن يأخذه من حله ، يؤدي منه واجب حقه ،
فيكون نعم المال الصالح للرجل الصالح، و التاجر الصدوق الأمين ، مع النبيين و
الصديقين ، والشهداء ، و الصالحين . أما السفيه المبذر : فهو الذي أصاب من هذا المال جانبا
كبيرا ، و عددا كثيرا ، و لكنه أساء التصرف في استعماله ، حيث حمله على الطفور و
الطغيان ، و على مجاوزة الحد في السرف و الترف ، و الفسوق و العصيان ، لم يزل
تاركا للصلاة ، عاكفا على اللذات ، و شرب المسكرات ، ينفق المال جزافا في سبيل
البذخ و الشهوات ، و التفنن في المأكولات ، و التأنق في المركوبات ، و لم يزل ذلك
دأبه ، حتى يصبح صفر اليدين ، مطوق العنق بالدين ، قد بدل نعمة الله كفرا ، و أحل
بغناه دار البوار . و من المشاهد بالاعتبار ، أن المسرفين المبذرين ، يصابون
بالفقر قبل أن يموتوا ، لأن إنفاقهم المال في سبيل الإسراف و التبذير ، و عدم حسن
التدبير ، مؤذن بزواله ، ثم الوقوع في ضده ــ أي الفقر ــ الذي استعاذ منه النبي
صلى الله عليه وسلم ــ وقال : » اللهم إني أعوذبك من الجوع ، فإنه
بئس الضجيع ، و أعوذبك من الخيانة ، فإنها بئست البطانة « . فما افتقر من
اقتصد. فدين الإسلام : هو دين تثمير الأموال و حفظها ، و توسعة
التجارات من سبيل حلها، يقول الله : ( و لا تؤتوا السفهاء أموالكم التي جعل الله
لكم قياما ) ، أي تقوم بها أبدانكم، و السفه : خفة في الرأي ، علامته كونه لا يحسن تثمير
ماله و لا توفيره . وقال ــ سبحانه: ( و آت ذا القربى حقه و المسكين و ابن السبيل
و لا تبذر تبذيرا . إن المبذرين كانوا إخوان الشياطين و كان الشيطان لربه كفورا )
. فجعل المبذرين من إخوان الشياطين دليلا على مهانتهم، و مذلتهم ، و مذمتهم لأن
الشياطين هم الذين يبطرون نعمة الله و لا يشكرونها ( و من يكن الشيطان له قرينا
فساء قرينا ) . فلا تكونوا مثل هذا السفيه المبذر ، و لا مثل ذاك البخيل
المقتر ، و لكن مثل الوسط المقتصد ، الغني الشاكر ، الذي آتاه الله النعمة فعادت
عليه بالسعادة و الرحمة ، ساسها بالرأي
|