التجارة و عموم نفعها و حاجة الدولة و
المجتمع إليها
روى الترمذي في صحيحه عن أبي سعيد الخدري أن النبي صلى
الله عليه وسلم قال:
» التاجر الصدوق الأمين
مع النبيين و الصديقين و الشهداء « و رواه ابن
ماجه عن ابن عمر بلفظ : » التاجر الصدوق الأمين مع الشهداء
يوم القيامة « . و ما سئل
النبي صلى الله عليه وسلم عن افضل الكسب . قال : » عمل الرجل بيده ، و كل
بيع مبرور « رواه الحاكم في صحيحه، و البزار
من حديث رفاعة بن رافع . و قال البخاري في صحيحه ، قال قتادة : كان القوم يتجرون
يعني الصحابة ــ و لكنهم كانوا إذا نابهم حق من حقوق الله لم تلههم تجارة و لا بيع
عن ذكر الله، حتى يؤدوه إلى الله ، و فيهم أنزل الله ( رجال لا تلهيهم تجارة و لا
بيع عن ذكر الله و إقام الصلاة و إيتاء الزكاة يخافون يوما تتقلب فيه القلوب و
الأبصار ليجزيهم الله أحسن ما عملوا و يزيدهم من فضله ــ أي من فضل الدنيا و سعتها
ــ و الله يرزق من يشاء بغير حساب « .
فحصلوا بتجارتهم الحسنتين ، و فازوا بالسعادتين : سعادة
الدنيا ، و سعادة الآخرة . فكانت أعمالهم بارة ، و أرزاق الله عليهم دارة ، فوجود
التجارة و التجار بالبلاد ، هو رحمة من الله للعباد ، لكونهم يجلبون إلى الناس ما
يحتاجون إليه ، والجالب إلينا كالمهدى علينا، فيتصل الشخص بهم لحاجته فيشتريها
بثمن معجل ، أو مؤجل إلى ميسرة .
و قد نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الاحتكار ، و
نهى عن تلقي السلع ،
و نهى عن بيع الرجل على بيع أخيه ، و نهى أن يبيع حاضر لباد . و قال : » دعوا الناس يرزق الله
بعضهم من بعض « . و كل هذه النصوص متعلقة بمصالح
التجارة ، و حمايتها،
و احترامها .
ثم إنهم يسدون شيئا من الفراغ الناشئ عن البطالة
بإشغالهم فريقا من الناس في عمل تجارتهم . أما عدم وجود التجار بالبلد ، فإنه فقر
للحكومة ، و نكبة على سائر الرعية .
و كان بعض الصحابة معدودين من التجار المكثرين ، فمنهم :
عثمان بن عفان رضي الله عنه فإنه خازن من خزان الله في أرضه . و لما كانت غزوة
العسرة ــ أي غزوة تبوك سنة تسع، حث
النبي صلى الله عليه وسلم على النفقة في سبيل الله ، و كانت زمن جهد
و مجاعة، وانقطاع ظهر ، فقال عثمان : علي مائة بعير بأحلاسها و أقتابها ، ثم حثهم
النبي صلى الله عليه وسلم أخرى . فقال عثمان : علي مائة بعير أخرى بأحلاسها و
أقتابها . ثم حثهم النبي صلى الله عليه وسلم فقال عثمان : علي مائة بعير ثالثة
بأحلاسها و أقتابها . ثم جاء بصرة دنانير كادت أن تعجز عنها ، فوضعها بين يدي رسول
الله صلى الله عليه وسلم فجعل رسول الله يقلبها و يقول: ما ضر عثمان ما فعل بعد
اليوم . غفر لك يا عثمان ما قدمت و ما أخرت و ما أسررت .
فبا الله . قل لي من أين أتى عثمان بهذا المال الطائل
العظيم ، و هو لم يتول إمارة،
و جباية ، و لا عمل حكومة ، و إنما هو فضل من الله و نعمة ، و اكتسبها عن طريق
التجارة المباحة في رحلتي الشتاء والصيف .
و مثله عبد الرحمن بن عوف ، فقد قدمت له عير من الشام
تقدر بسبعمائة بعير، تحمل طعاما و ثيابا و إدما ، فتصدق بها كلها . و هي من فضل كسبه
و تجارته . و لما قدم المدينة مهاجرا ، قال : دلوني على السوق ، فدلوه على سوق بني
قينقاع ، فتحصل على ربح حسن في ذلك اليوم ، فأتى به إلى النبي صلى الله عليه وسلم
ليريه كيف ربح . فدعا له النبي صلى الله عليه وسلم ــ بالبركة في بيعه ، حتى لو
اشترى ترابا ربح فيه .
و لهما نظائر من تجار الصحابة مثل طلحة ، و زيد بن أرقم
، و غيرهما . و لما خط عمر بن الخطاب الكوفة بأمره لسعد بن أبي وقاص ، فخط المسجد
ثم خط بجنبه السوق، فقال عمر : هذا المسجد لديننا ، و هذا السوق لدنيانا . و مر
عمر بن الخطاب برجل من الأنصار
و هو يعدل أو يسوي أرضا ليغرسها ــ فقال له : ما تصنع بهذه ؟ فقال : أريد أن
أغرسها لأقتنيها و أغتني بها، و أتصدق من ثمرها . قال : صدقت … صدقت . إن صاحبكم
رحيحة. يقول :
|
و لن أزال على الزوراء أعمرها
|
|
إن الكريم على الإخوان ذو المال
|
و لقد رأينا الناس في قديم الزمان مع ضعف حالهم ، و قلة
مالهم ، كانوا يتنافسون،
و يتساعدون على الأعمال الخيرية ، من بناء المساجد ، و المدارس العلمية ، و إعانة
المرضى ، و المضطرين ، و كفالة اليتامى كل منهم على حسبه ، و على قدر رغبته في
البذل ، و مقدرته ، لكون الرجل كثيرا بإخوانه ، قويا بأعوانه . و عادم المال لا
يعطيه ، و كل إناء ينضح بما فيه .
و يتحمل التجار القسم الأكبر من هذه المساعدة ، خصوصا في
النوائب الكبار ، التي تنوب البلد ، من جهاد و غيره ، فهم يتحملون أكبر النفقة في
هذا طوعا و كرها ، و ذلك في زمان كانت الملوك فيه معدمين من الثروة في تلك الحال .
مع هذه الأعمال قد عمتهم القناعة و الرضى ، بما آتاهم الله من فضله ، فعاشوا في
زمنهم عيشة راضية مرضية ، و أخلاق كريمة زكية ، قد قنعهم الله بما آتاهم ، و متعهم
متاعا حسنا في دنياهم .
و قد ضعف الآن مع الناس هذا التكاتف و التعاون ، لضعف
رغبتهم في الخبر،
و البذل في سبيله ، مع كثرة مالهم ، فكانوا يحيلون كل شيء إلى الحكومة ، و يرتجونه
منها.
و من المعلوم ، أن الأخوة الإسلامية ، و المحبة الدينية
، تستدعي العطف الحنان،
و الصدقة و الإحسان ، ومساعدة منكوبي الزمان ، فإن المسلم للمسلم أخوان ، و المؤمن
للمؤمن كالبنيان ( و تعاونوا على البر و التقوى و لا تعاونوا على الإثم و العدوان
)، فإن المسلم كثير بإخوانه ، قوي بأعوانه .
لكن هذا التعاون ، نجده موجودا عند مسلمي الهند . فهم
متمسكون بأقوى سبب منه لاعتمادهم في فعل الخير على أنفسهم ، لا على حكومتهم ، لهذا
نراهم يقومون بإنشاء المنشآت الخيرية ، من بناء المساجد ، و المدارس الدينية ، و
الجامعات العلمية ، فيقومون ببنائها و تنظيمها بما تحتاجه من فرش و كراسي ، و بناء
غرف للطلاب الغرباء ، و يتكفلون بالقيام بمعيشتهم ، ثم إجراء رواتب الأساتذة و
المتعلمين ، و يحتسبون التعليم بدون راتب،
و ينشؤون المستشفيات للمسلمين ، و للطلاب و الطالبات . و إذا سألت عن موارد هذه
الثروة التي تقوم بهذه المشروعات العظيمة . قالوا : كلها من مساعدة التجار . كل
منهم على حسبه، و على قدر رغبته في الخير ( لينفق ذو سعة من سعته و من قدر عليه
رزقه فلينفق مما آتاه الله ) . حتى إن أحد التجار قد تحمل بجامعة عظيمة ، بناءها ،
و تنظيمها ، و أجور الأساتذة
و المتعلمين . و إعانتهم و إعاشتهم
، كله من ماله الخاص ، بعمل دائم مستمر ، لا يناله فيه سآمة و لا ملل . و حتى إن
أحد البقالين من المسلمين ، ليخرج كل يوم صدقة لله ، و في سبيل الله ، بقدر ملء
كفيه من شعير، أو قمح ، أو ذرة ، حتى إذا جاءه من يتولى جمع التبرعات،
و قال له آتونا من مال الله الذي آتاكم ، دفع له هذا المجموع ، و يسأل الله القبول
، و إنما ذكرت هؤلاء بحسن أعمالهم ، دعوة للناس إلى الأسوة الحسنة بهم .
أما البلدان العربية التي كشرت الاشتراكية في وجوه أهلها
، و مضت بتأميم أموال
تجارها ، فقد كان لهم طور كبير في التساعد و التعاضد و النفقة في سبيل البر و
الخير،
و بناء الجامعات ، و المعاهد الدينية ، و تحفيظ القرآن ، لما كانوا أحرارا في
تصرفهم و بيعهم و شرائهم.
أما بعد تحطيمهم ، و حجر تجارتهم ، فكان أحدهم ينام تحت
لحاه من مرض هذا الحجر و التأميم، الذي هو حقيقة في تعميم الفقر، فإذا ذكر لأحدهم
شيء من عمل الخير: أومأ بيده و قال : نفسي .. نفسي ، اذهبوا إلى غيري. و شح على
بقية ماله المحجور عنده ، لأن عادم الشيء لا يعطيه ، و كل إناء ينضح بما فيه ، و
خير الناس من وعظ بغيره .
فمن رزقه الله من هذا المال رزقا حسنا ، فليبادر بأداء
زكاته ، و لينفق منه سرا
و علنا، حتى يكون أسعد الناس بماله ، فإن مال الإنسان ما قدم . ففيه دليل على فضل
كسب المال من حله ، ثم الإنفاق منه في سبيل حقه .
فالمسلمون المؤمنون ، يعتقدون بأن الله قد أوجب عليهم في
أموالهم حقا معلوما، للسائل و المحروم . و أن الفقراء ، و سائر من يستحقون الزكاة
، لهم حق مفروض في أموال أغنيائهم . و لن يجهد الفقراء أو يجرعوا ، إلا بقدر ما
يمنعه الأغنياء من الحق الواجب لهم في أموال أغنيائهم.
و قد استباح الصحابة قتال المانعين للزكاة ، و عدوهم
مرتدين بمنعها ، لما أنكروا
وجوبها ، و زعموا بأن فرضها يموت بموت رسول الله ، صلى الله عليه وسلم .
و أن في المال حقا سوى الزكاة ، كما رواه الترمذي مرفوعا
، و ذلك من إعانة
المنكوبين ، و إعاشة المضطرين ، و مساعدة المجاهدين ، و النفقة على الأقارب
المحتاجين؛ لأن الأخوة الإسلامية تستدعي العطف و الحنان ، و الصدقة و الإحسان ، و
مساعدة منكوبي الزمان ، فإن المسلم للمسلم أخوان ، و المؤمن للمؤمن كالبنيان ( و
تعاونوا على البر
و التقوى و لا تعاونوا على الإثم و العدوان ) ، و المسلم كثير بإخوانه ، قوي
بأعوانه ، و هذه الأعمال لا تنال إلا بالمال.
و قد ذهب أهل الدثور ــ أي الأغنياء ــ برفيع الدرجات في
الجنات . و نعم المال الصالح للرجل الصالح ، و أنه ما أنفق أحد في سبيل الحق من
زكاة و صدقة ، و صلة ، إلا أخلفها عليه بأضعاف مضاعفة . و أنه ما بخل أحد بنفقة
واجبة في سبيل الحق ، من زكاة
و صدقة ، و صلة ، إلا سلطه الشيطان على صرف ما هو أكثر منها في سبيل الباطل، فبعض
التجار لما منعوا زكاة أموالهم و بخلوا بما آتاهم الله من فضله ، و قطعوا وشائج
أرحامهم،
و تركوا عبادة ربهم سلط الله عليهم الجبابرة الظلمة من الاشتراكيين يسومونهم سوء
العذاب
و يسلبونهم أموالهم باسم الاشتراكية المبتدعة ، ثم يجلسونهم على حصير الفقر ، و
الفاقة يعلوهم الذل و الصغار ، حتى يتقاضاهم الفناء ( و ما أصابكم من مصيبة فبما
كسبت أيديكم
و يعفو عن كثير ) . فالمال المباح ، هو بمثابة الترس للإسلام ، يستجلب به العدد و
العتاد،
و يستدفع به صولة أهل البغي و العناد ، فهو بمثابة المحور الذي تدور عليه رحى
الحرب،
و يستعان به في الطعن و الضرب ، فهو إحدى القوة التي أمر الله بإعدادها عند لقاء
الأعداء.
|
فلا تدخروا المال للأعداء إنهمو
|
|
إن يظهروا يأخذوكم و المال معا
|
|
لا خير في مال و في نعم
|
|
قد احتفظتم بها إن أنفكم جدعا
|
ثم ليعلم أن التجارة الممدوحة ، هي التجارة المحفوفة
بالبر و التقوى ، و الصدق
و الوفاء، و الموصوف أهلها بكونهم لا تلهيهم تجارة و لا بيع عن ذكر الله و إقام
الصلاة
و إيتاء الزكاة . لكون البر و الخير ، هو همة المسلم التقي ، و لا يضره لو تعلقت
جميع جوارحه بحب المال ، و كان بعض الأنبياء معدودين من الأغنياء ، كإبراهيم ، و
يوسف،
و سليمان عليهم السلام، و قد وصف الله صحابة نبيه بأن منهم ( و آخرون يضربون في الأرض
يبتغون من فضل الله و آخرون يقاتلون في سبيل الله ) ، و الذين يبتغون من فضل الله
هم الذين يسعون في الكسب و توسعة التجارة ، و قد سماه الله فضلا ، كما قال سبحانه
( فإذا قضيت الصلاة فانتشروا في الأرض و ابتغوا من فضل الله ) ، أي بيعوا و اشتروا
و ابنوا،
و اغرسوا و سافروا ، لطلب الكسب في البر و البحر .
فالمسلم التقي يشتغل بجوارحه في العمل في دنياه و قلبه
متعلق بالعمل لآخرته و العمل للآخرة هو أكبر العون على حصول الدنيا ، و سعتها ، و
البركة فيها ، كما قيل في الحديث، يقول الله : » ابن آدم تفرغ لعبادتي
أملأ قلبك غنى و أسد فقرك و إن لم تفعل ملأت قلبك شغلا
و لم أسد فقرك « . و قد قيل :
|
المسلم الحق يصلي فرضه
|
|
و يأخذ الفأس و يسقي أرضه
|
|
يجمع بين الشغل و العبادة
|
|
ليكفل الله له السعادة
|
و قد أجمع العلماء على وجوب تعلم كل ما يحتاج إليه الناس
بداعي الضرورة من
الصنائع ، و الغرس و الزرع ، و أنهم إن تركوا تعلم ذلك ، أثموا .
فكل ما يسمعه الناس في القرآن ، أو في الحديث ، من ذم
الدنيا ، أو ذم المال ، فإنما يقصد به ذم أفعال الناس السيئة في المال لا نفس
المال ، فقول النبي صلى الله عليه وسلم :
» إن التجار يبعثون يوم القيامة فجارا إلا من اتقى الله و بر و
صدق « و إنما كانوا بهذه الصفة ، من أجل أن أكثر التجار لا
يبالي من أين أخذ المال ، أمن الحلال ، أو من الحرام،
و أكثرهم يعاملون بربا النسيئة الذي حرمه الإسلام ، و نزل في الزجر عنه كثير من
آيات القرآن ، و قد أجمع العلماء على تحريمه . و لهذا استثنى الله من اتقى الله و
بر و صدق في معاملته ، و قليل ما هم
، فالتجار الذي يعاملون بالربا ، و قد يتجرون في الخمر ، و لحم الخنزير ، ثم يصرون
على منع زكاتهم ، فهؤلاء هم التجار الذين يبعثون يوم القيامة فجارا، لكون الفجور
هو التوسع في أعمال الشرور ، و هو منطبق على وصفهم . كما أن الأبرار هم المتوسعون
في أعمال الخير ، و البر ، و الصلاح . قال سبحانه : ( إن الأبرار لفي نعيم و إن
الفجار لفي جحيم ) ، فالأبرار في نعيم في الدنيا و في الآخرة ، و الفجار في جحيم
في الدنيا
و في الآخرة .
و على كل حال : إن وجود التجارة و التجار في البلاد ، هي
رحمة من الله للعباد، مهما كانت صبغتهم و صفتهم ، لكون الناس يتصلون بهم في
حاجاتهم و كانت اليهود هم أكثر تجار المدينة زمن النبي صلى الله عليه وسلم و قد
توفي النبي صلى الله عليه وسلم و درعه مرهونة عند يهودي بثلاثين وسقا من شعير .
الاحتكار و التسعير
إن الناس قد يعرض لهم حالات من الحاجات ، و الشدات ، و
ارتفاع سعر الأطعمة،
و الأشياء الضرورة ، مما يوجب على الحكومة التدخل في مراعاة تلطيفها و تخفيفها
بمقتضى العدل ، بدون ضرر و لا ضرار .
قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله : إن التسعير منه
ما هو ظلم لا يجوز ، و منه ما هو عدل جائز … انتهى .
و قد روى مسلم في صحيحه ، عن معمر بن عبد الله ، أن
النبي صلى الله عليه وسلم قال : » لا يحتكر إلا خاطئ « و المحتكر
الخاطئ هو الذي يشتري الطعام من السوق ، ثم يحتكره لإرادة الغلاء .
أما من كان عنده طعام من نخله ، أو زرعه ، فاحتكره
لإرادة الغلاء ، فلا يعمه الوعيد. و مثله من اشتراه في حالة الكساد ، و اليسار ،
أو اشتراه من التجار ، فلا يشمل الوعيد، لكون الحديث : ورد فيمن اشترى طعاما
مجلوبا في السوق ، لقوله صلى الله عليه وسلم : » الجالب مرزوق ، و
المحتكر ملعون « ، و لأن في خزن الطعام في حالة
كساده ، مصلحة عامة لجميع الناس ، بحيث يجدونه عندما يحتاجون إليه ، و هو أحسن من
كونهم لا يجدونه، و لهذا قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله .
إن المحتكر : هو الذي يعمد إلى شراء ما يحتاج إليه الناس
، من الطعام المجلوب في السوق ، فيحبسه عنهم ، يريد غلاءه عليهم ، و هو ظلم للخلق
، لما فيه من الإرهاق،
و التضييق عليهم بزيادة الثمن ، و مثله : من عنده طعام غير محتاج إليه ، و في
الناس ضرورة و حاجة إليه.
فلولي الأمر أن يكره مثل هذا على بيع ما عنده بقيمة
المثل عند الضرورة في حالة حاجة الناس إليه ، و في غير الضرورة لا يجوز إكراهه على
بيع ما عنده و لا التسعير عليه في ماله ، و عليه نحمل ما رواه أنس ، قال غلا السعر
على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالوا : لو سعرت لنا يا رسول الله ؟ فقال :
» إن الله هو القابض الباسط الرازق المسعر، و إني لأرجو أن ألقى
الله و لا يطلبني أحد بمظلمة في دم ، و لا مال « رواه أبو داود و الترمذي و صححه .
فما يفعله الناس من تسعير السمك على الصيادين ، هو صيد
لا ينالونه إلا بكلفة
و مشقة ، و يخوضون في حصوله الخطر ، وفنون الضرر . فإن هذا التسعير خطأ ، لكونه
مما يقتضي تنفيرهم عنه ، و من الواجب مساعدتهم لتوفيره .
تولي الحكومة لاستيراد الأشياء
الضرورية
فإن قيل : هل يسوغ للحكومة أن تتولى استيراد الأشياء
التي يحتاج إليها الناس بداعي الضرورة ، من الأطعمة ، و غيرها . لقصد التخفيض على
الناس في سعرها ؟ .
فنقول : إن الحكومة عليها أعباء ، و تكاليف ، و أثقال من
الأشغال العامة و من شؤون تنظيم البلاد ، و الأعمال ، مما يوجب التفرغ لها ، و
إلقاء تكاليف التجارة و أعمالها،
و أموالها إلى أهلها من التجار ، الذين حذقوا فيها و تمرنوا ، على مزاولتها ، و
أقاموا أنفسهم مقام الموظفين للحكومة في حسن تدبيرها و تثميرها ، فمن واجب الحكومة
أن تحيل التجارة بكمالها إلى التجار العارفين بسياستها ، و صيانتها و للحكومة
الرقابة عليهم في المخالفة،
و بذلك تستريح الحكومة من أعباء تكاليف حملها و مسؤوليتها ، و على الحكومة حماية
التجارة، و تعزيزها ، و مساندة أهلها ، بمساعدتهم بالقروض المضمونة في جلب كل ما
تحتاجه البلاد ، و توجيههم بداعي التنشيط إلى ذلك ، يم يستمر عملهم ، و استيرادهم
لتجارتهم ، فالأصل هو عدم جواز تدخل الحكومة في تولي التجارة أو التسعير ، لأن الله
هو السعر القابض الباسط ، كما ثبت بذلك الحديث ، و مثله قوله : » دعوا الناس يرزق الله
بعضهم من بعض « .
أما تولي الحكومة للتجارة ، أو استيراد المعيشة ، و سائر
ما يحتاجه الناس ، ثم تتولى بيع هذه الأشياء بواسطة الوكلاء ، و من تحت الوكلاء ،
وكلاء . فلا شك أن هذا نوع من التأميم الذميم ، إذ ليس من شأن الحكومة مزاحمة
التجار في تجارتهم ، إذ الحكومة حكومة،
و التجار تجار ، و لأن في هذا العمل بهذه الصفة ، إضرارا بليغا بالتجار ، إذ هو
عبارة في عزلهم عن عملهم ، و انقطاع كسبهم الذي عليه مدار تجارتهم ، و معيشة أهلهم
و عيالهم، فيبقون كسالى حيارى ، فيكثر بسببه همهم ، و غمهم ، و التلاوم فيما بينهم
. ثم يكثر كلامهم في الحكومة ، و ما عملت معهم .
و لو فرضنا أن للحكومة مقصدا حسنا في تولي المستوردات من
الأطعمة ، غيرها،
و أن قصدها التسهيل في أسعارهما ، فإنه هذا قصد حسن ، و في إمكان الحكومة تنظيمه
مع التجار بما يسمونه دعم السلع من الحكومة بالنقود ، حسبما تعمله بعض الحكومات مع
رعاياها في الأطعمة الضرورية .
أما قصد الحكومة في بيع ما تستورده من الأطعمة ، بأقل
مما يبيع به التجار ، أو بأقل مما اشتري به في بلده ، و فهذه أيضا صار بالتجار إذ
فيه نوع تحد للتجار ، بأن يبيعوا سلعهم بأقل من ثمنها عليهم ، أو بأقل من ثمن
المثل ، و هذا فيه ضرر بليغ عليهم ، إذ الحكومة لا يضرها الإسقاط من اثمن ، بخلاف
التاجر ، فإنه يضره ذلك ، أو تكسد سلعته عنده .
ثم إن الحكومة في توليها لجلب هذه الأطعمة و غيرها، ثم توزيعها
في المحلات المستأجرة ، و نصب وكلاء ، و من تحتهم وكلاء على بيعها ، و قبض ثمنها ،
فإنه هذا المال
و الحالة هذه ، مال ضائع ، تتلاعب به أيدي الضياع ، لكون مال الحكومة غير محترم
عند
الناس ، و لا يتولى حفظه ولي مصلح ، فهو يذهب جفاء ، هذا لكم ، و هذا أهدي إلي .
ثم إنه بطريق المشاهدة و الحس ، نرى البلدان التي قبض
حكامها زمام تجارتها،
و المستوردات فيها ، و قضت بالحجر و التضييق على التجارات ، و التجار ، رأيناها قد
تقلص عنها ظل الرخاء و الهناء ، و ابتليت بالمساغب و التعب ، و الغلاء ، و عدم
وجود أكثر الحاجات ، لكون البلد المحجور على أهلها في التجارة ، لا يقصدها الناس
ببيع سلعهم،
و لا للشراء منها ، فتبقى في معزل عن الهناء و الرخاء و الراحة .
و مما يحقق ذلك ، أن عالما فاضلا من أهل البلاد ، حدثني
بأنه سافر إلى إحدى المدن الاشتراكية العريقة في الحضارة على سبيل حضور مؤتمر
ينعقد بها ، قال : فنزلنا في فندق،
و عند الصباح طلبنا من مدير الفندق أن يأتينا ببيض ، فاعتذر من عدم وجوده . و قال
: إنه يباع بالبطاقة ، فلا يوجد عندنا إلا في الأسبوع ثلاثة أيام أو قال : أربعة
أيام . فمتى كان هذا العدم ، و التقتير في البيض الذي يتلاعب الصبيان بأقفاصه
عندنا ، فما بالك بغير البيض من الحاجات الراقية إذ هي أشد عدما ، لكون الحجر و
التضييق على التجارة و التجار ، مدعاة إلى الشؤم و الفشل ، و محق الرزق . فدعوا
الناس يرزق الله بعضهم من بعض .
نعم ، إنه يجب على الحكومة مراقبة التجار في الشيء الزائد
على المعتاد ، أو في احتكار الطعام وقت شدة حاجة الناس إليه ، و الحكم يدور مع
علته ، و يزول بزوالها.
و المقصود : أنه ينبغي تنشيط التجارة لتقوى ، و لن يتم ذلك ، حتى ينفك عنها حصار
الحجر، و حتى تكون حرة في التوريد و التصدير ، لأنها متى أخرجن شيئا ، استوردت ما
أكثر منه من الخارج ، و بذلك تقوى و تنشط و تزداد نموا ربحا ، كما قيل :
|
أرى المال مثل الماء يخبث راكدا
|
|
و يزكيه الاستعمال و الأخذ و الرد
|