الموضوع التالي

الموضوع التالي

الـفـهـــــرس

الموضوع السابق

الموضوع السابق

 

حكمة محنة الابتلاء بالفقر و الغنى

 

إن الله سبحانه يبتلي أقواما بالغنى لينظر : أيشكرون أم يكفرون . كما يبتلي أقواما بالفقر لينظر : أيصبرون أم يضجرون و يفجرون . و ليس كل من أنعم الله عليه بالغنى ، يكون لكرامته، عزته عند الله ، و لا كل من ابتلاه بالفقر يكون لهوانه ، و مذلته عند الله ، فحاش و كلا ، فحكمته سبحانه أعلى و أجل ، يقول الله سبحانه : ( فأما الإنسان إذا ما ابتلاه ربه فأكرمه و نعمه فيقول ربي أكرمن ، و أما إذ ما ابتلاه فقد عليه رزقه ــ أي ضيق عليه رزقه ــ فيقول ربي أهانن،
كلا ) ، أي كلمة درع و زجر عن هذا القول ، و هذا الاعتقاد ، فقد يعاقب الله أقواما بالغنى، لبغضه لهم ، كما يرجم أقواما بالفقر ، لمحبته لهم ، كما قيل :

و يبتلي الله بعض القوم بالنعم

 

قد ينعم الله بالبلوى و إن عظمت

و في الحديث : » عجبا لأمر المؤمن إن أمره كله له خير و ليس ذلك إلا للمؤمن : إن أصابته سراء شكر فكان خيرا له ، و إن أصابته ضراء صبر فكان خيرا له و ليس ذلك إلا للمؤمن « .

إن النفوس مجبولة على محبة الغنى ، و السعي في حصوله ، توسعه ، لكونه لا غناء للمرء عن فضل ربه و رجمته ، يقول الله : ( و إنه لحب الخير لشديد ) ، و الخير هو المال الكثير ، فترى الشخص يتحمل المشاق المتعبة ، و يخوض الأخطار الموحشة ، في سبيل كسب المال ، و توفيره للأهل و العيال حتى إنه ليحرم نفسه من لذته ، و إنفاقه في سبيل حسنته ، من أجل توفيره لذريته ، مع العلم أن مجرد الغنى ليس هو السعادة المنشودة في الحياة ، إلا إذا سلك به صاحبه مسلك الاعتدال ، بأن يأخذه من حله ، و أن يؤدي واجب حقه ، و لم يشغله ماله عن عبادة ربه ، و ما لم يكن كذلك ، فإنه عذاب عليه في الدنيا ، و عقاب عليه في الآخرة،
و المكثرون هم المقلون يوم القيامة ، إلا من قال بالمال هكذا ، و هكذا ، عن يمينه و شماله . يقول الله ( و لا تعجبك أموالهم و أولادهم إنما يريد الله أن يعذبهم بها في الدنيا و تزهق أنفسهم و هم كافرون ) .

و الله سبحانه يحمي بعض عباده عن الدنيا مع محبته لهم ، كما يحمي أحدكم حبيبه عن الطعام و الشراب مع شهوته له .

و في بعض الآثار يقول الله : ( إن من عبادي من لا يصلح إيمانه إلا الغنى و لو أفقرته لأفسده ذلك ، و إن من عبادي من لا يصلح إيمانه إلا الفقر ، و لو أغنيته لأفسده ذلك ، إني أدبر أمر عبادي لعلمي بهم ، إني بهم خبير بصير ) .

و من الدعاء المشهور : » اللهم ما أعطيتني مما أحب فاجعله عونا لي على ما تحب، اللهم ما زويت عني مما أحب ، فاجعله فراغا لي فيما تحب  « .

فمن واجب المؤمن، أن يسعى في سعة رزقه ، و يطلبه من أسبابه و الدخول عليه من
بابه ، ثم يرضى ، و يسلم ، و يقنع بما آتاه الله من قليل و كثير و لا يمد عينيه إلى ما متع به غيره. فإن الله يعطي الدنيا من يحب و من لا يحب ، و لا يعطي الدين إلا من يحب ، يقول الله:
( تمدن عينيك إلى ما متعنا به أزواجا منهم زهرة الحياة الدنيا لنفتنهم فيه و رزق ربك خير و أبقى ) .

و قد أمر النبي صلى الله عليه وسلم ــ بما ينبغي أن يحفظ به الرجل نعمته على قلتها ، فإن من قر عينا بعيشه ، نفعه ، فقال : » انظروا من هو أسفل منكم ، و لا تنظروا إلى من هو فوقكم، فإنه أجدر بأن لا تزدروا نعمة الله عليكم « ، و قد قيل :

ما كل ما فوق البسيطة كافيا

 

فإذا قنعت فكل شيء كافي

يقول الله : ( و لو أنهم رضوا ما أتاهم الله و رسوله و قالوا حسبنا الله سيؤتينا الله من فضله و رسوله إنا إلى الله راغبون ) .

إنما متى سكنت القناعة قلب الشخص ، و لو كان فقيرا، فإنه يجد بها لذة الدنيا ، و فرحها، و سرورها ،فيتمتع بحالة مرضية ، و أخلاق كريمة زكية ، حتى يكون أسعد بالدنيا باللذة
و السرور فيها من التاجر الجموع المنوع ، الذي كلما ازداد جمعا ، ازداد هلعا و منعا ، لكون الغنى ليس بكثرة المال ، و إنما الغنى ، غنى النفس . كما قيل :

أبلغ سليمان أني عنه في سعة

 

و في غنى غير أني لست ذا مال

شحي بنفسي أني لا أرى أحدا

 

يموت هزلا و لا يبقى على حال
 

والفقر في النفس لا في المال نعرفه

 

كذاك الغنى في النفس لا المال
 

و من دعاء النبي صلى الله عليه وسلم ــ أنه يقول : » اللهم قنعني بما رزقتني ، و بارك لي فيه ، و اخلف علي كل فائتة بخير « .

إن أكبر عامل ثار بالاشتراكيين على محاولة استحلال مال الغير بغير حق ، عدم صبرهم، و عدم قناعتهم على ما آتاهم الله من فضله ، فحاولوا النزو على مال الأغنياء ، حرصا منهم على زوال نعمتهم عنهم ، و حسدا لهم ، كي يستأثروا بها لأنفسهم خاصة ( أم يحسدون الناس على ما آتاهم الله من فضله ) .

ألا قل لمن كان لي حاسدا

 

أتدري على من أسأت الأدب

أسأت على الله في حكمه
 

 

لأنك لم ترض لي ما وهب