![]() |
|
|
ما هي الاشتراكية الماركسية الحمد لله رب العالمين ، و به نستعين ، و نعوذ بالله من
شرور أنفسنا ، و سيئات أعمالنا، و من همزات الشياطين . أما بعد : فإنني رأيت مقالة خرجت من صاحبها بصورة سؤال
سائل لرجل اشتراكي فأجاب قائلا : أحب أن أعتقد بأنني اشتراكي بطريق الذي
يقول : العدل هو الشيء المتناسق . فأنا اشتراكي بهذا المعنى أؤمن بالتناسق و أبحث
عنه . و الظلم الاجتماعي هو ضد التناسق . و الاشتراكي يضمن أساسا لمجتمع فاضل و
إنسان سليم . فأنا أؤمن بهذا ، و أتمنى أن يتحقق في الوطن العربي . فهذا هو نص عقيدة هذا الرجل الاشتراكي ؛ و الذي يتمنى
تعميمها في الناس . و ليس هذا ببدع من خاصة هذا الشخص ، و إنما هي فكرة سائر
الاشتراكيين الشيوعيين ، الذي يحبون أن يشيع تعميمها بين الناس ، و سائر البلدان . و أقول : إن الله سبحانه قد نصب على أعمال الناس علامات
يعرف بها صلاحهم من فسادهم ، و حسن قصدهم من سوء اعتقادهم . فمن أسر سريرة ، أظهر
الله سريرته على فلتات لسانه ، ونزوات أقلامه . يقول الله : ( أم حسب الذين قلوبهم
مرض أن لن يخرج الله أضغانهم . فهذا القائل يستدل بالترهات ، و يتعلق بقلب الحقائق في
المعقول و المنقولات يدعو إلى الاشتراكية ، و يحبذها للناس ، و يحب التناسق ، و أن
يتساوى الناس في الغنى و الفقر ، لكون التناسق في اللغة التساوي ، يقال : تناسقت
أسنان فلان ــ أي تساوت ــ قاله في الصحاح . و يسمى الاشتراكية بالعدل ، و يسمى التفاضل بين الناس في
الغنى و الفقر هو الظلم الاجتماعي ، و يتمنى أن تسود الاشتراكية في الناس ، و أن
تتحقق في البلدان العربية . فهذا غاية و بغية ما يتمناه أشباه هذا الإنسان ، و قد
حيل بين العير و بين النزوان . ( ولو اتبع الحق أهواءهم لفسدت السماوات و الأرض و من
فيهن ) . و إن مقامنا في ديننا، و نصيحة أمتنا ، و ولاية أعمالنا توجب علينا
القيام بحماية الدين، و دحض حجج المبطلين.
إذ لو لا من يقيمه الله لذلك لفسد الدين . ( ولو لا دفع الله الناس بعضهم ببعض لفسدت الأرض و لكن
الله ذو فضل على العالمين ). و لن نهمل ــ إن شاء الله حراسة ثغر ديننا ، ورد
الأباطيل على أهلها ، و نحن على المرمى قعود و جثم . إن الدعوة للاشتراكية الماركسية مبنية على الغش و الخداع
، و التلبيس و التدليس، إن أكثر المقلين من المال من أمثالهم يحبون و يتمنون في
أنفسهم زوال نعمة الغنى عن المنعم بها عليهم ، ليساووهم في الجلوس معهم على حصير
الفقر و الفاقة . كما قيل : شنشنة أعرفها من أبي أخزم ( و لو اتبع الحق أهواءهم
لفسدت السماوات و الأرض و من فيهن ) ، غير أن المسلمين يمنعهم إيمانه عن تحقيق هذه
الأمنية ، لاعتقادهم حرمة مال الغير . و يقول فالعقلاء من المقلين ، يبالغون في كتمان هذا التمني ، و
عدم إظهاره ، احتراما للحكومة التي تمنع أشد المنع الجهر به ، و الدعوة إليه ،
لكونه ينافي عقيدة دينها ، و يناقض سياسة نظامها و مجتمعها، لكون الاشتراكية تقوم
بتقويض دعائم الأعمال و الأموال و المعامل ، و تطبع في قلوب الشباب الفتنة ، و
الخيانة ، و ذهاب الأمانة . و مضرتها على الفقير أكبر منها على الغني، و بعض من
يتمنى الاشتراكية لا يتحمل الكتمان ، فيكشف ذيله عن مساوئ ليله ، فيجهر بما يعن بفكره
، و ما يتمناه في نفسه ، لم يبال بمنع الحكومة ، و لا الجهر بما تكره ، فهو يعرف
تمام المعرفة ، أن الحكومة لا ترضى بالتظاهر بهذا الشيء و لا الدعوة إليه ،
بتحسينه للناس ، لكونه يثير مشاعر المسلمين ، و يطبع في شبابهم الفتنة ، و يستدعي
الأسوة السيئة . فقد يقول الكاتب الثاني أكبر مما قاله الأول . فيتسع
الخرق على الرقع ، و كم كلمة أثارت فتنة ن و جلبت محنة ، و المتصدي للدعوة إلى
الاشتراكية الماركسية و بتحسينها للناس من كتاب الصحف و المجلات ، المتحللين عن
عقَل الدين و عن الأدب مع المسلمين ، فإنه يترتب على ولاية عمله مفسد دينية و
اجتماعية و أدبية تنافي عقائد الدين و سياسة الدولة ، و أن المتسنم لهذه المناصب يجب أن يكون لديه عقل يعيش
به في الناس ، و يردع به جهل الجاهل . إنه قد كان للناس في بداية ظهور هذه البدعة الإلحادية
حالة غير حالتهم في نهايتها ، فقد بدأوا يتراجعون عنها بعدما عرفوا مضرتها و ذاقوا
مرارتها ، و من ذاق منها عرف ، و لأن أكثر الهمج السذج يظنونها تعميما للغنى ، ثم
بدا لهم فيما بعد أن غايتها و حقيقتها هو تعميم و نعود إلى مناقشة الرأي القائل بالتناسق بين الناس ، أي
التساوي الذي هو بزعمهم أنه العدل . و قد وقع الأمر من الاشتراكية المشهود لها
بالتجربة و المشاهدة على الضد من ذلك، و هذه الاشتراكية قد كشرت بأنيابها للناس ، فعرفها العام
و الخاص ، و أخذ العلماء و هذه الاشتراكية الماركسية لا شرقية و لا غربية ، بل هي
شريعة إلحادية ليست من شريعة الدين و لا من شريعة اليهود و النصارى ، تنادي
بالقضاء على الحكام و الرؤساء و يحكمون بتأميم ملكية الإنتاج من الحيوان و المعامل و
العقار و المصانع ، و يحكمون بتأميم الإرث فلا يرث الابن أباه ، بل هم الذين يرثون
كل أحد ، و يسلبون الملكية من كل أحد إلى حالة أنهم جاؤوا إلى صاحب مصنع للسكر
ليؤمموه و جميع أمواله ، و فأمروه بالتخلي و الخروج من معمله ، فطلب منهم إعارة
سيارة توصله إلى بيته فمنعوه و قالوا له : امش على رجليك . إن هذه الاشتراكية تخدع الفقراء و تزرع في قلوبهم الآمال
و الأماني الكاذبة ، حيث يوهمونهم بأنهم يساوونهم بالأغنياء و يلوحون لهم بكلمات
العطف و اللطف ليكثروا بهم سوادهم، و الغوغاء في كل زمان و مكان هم عون الظالم و
يد الغاشم ، فالفقراء يزرعون في نفوسهم الأماني و الآمال ، و يحصدون الخيبة و
الحرمان ، فهم يمصون دماءهم حتى إن الفقير لا يتحصل على كامل أجرة عمله و عر جبينه
إلا بأخذ شيء منها ، ثم هم يقولون لهم على سبيل التخدير و التفتير : إن هذا زمان
هدم ، سيأتي بعده زمان البناء ، ثم يستمر هذا الهدم و هذا التعليل و التمليل حتى
تقوم الساعة . و في النهاية ذهبت كل هذه الآمال والأموال التي سحبوها
من أهلها و تقاسمها زبانية الفكرة ، و قضت بانقطاع سبل التجارة ، و تعطلت المعامل
، و العمال ، و وقف الناس حيارى، و صار ضرر هذه الفكرة على الفقراء أشد منه على
الأغنياء ، و أخذ زعماء هذه الفكرة إن هذه الفكرة : تخالف كل دين كما تخالف الأخلاق ، و
الأنظمة ، و القوانين . و كما تقضي بتقويض دعائم الأمانة التي عليها مدار معاملة
الناس فيما بينهم . فالاشتراكي حينما يرى نعمة أنعم الله بها على أحد من خلقه ،
فإنه يرى أنه أحق بها و أهلها ، فهذا هو السبب الذي يهيج الغوغاء على استجلابها ،
و استحبابها ، و الدعوة إليها . فاليهود و الإنجليز و أمريكا و فرنسا و الألمان و
اليابان ، لم يحاربوا الاشتراكية لدين يدينون به ربهم ، و إنما حاربوها حفظا ، و
حماية لمصالحهم ، لعلمهم أنها تقوض بالتجارات، لهذا أخذ الغارقون فيها من قديم زمانهم يتسللون منها
لواذا ، و يتحررون من قيودها شيئا بعد شيء ، لتفشي العطالة و البطالة في أعمالهم ،
لكون العامل للغير لا ينصح كنصحه في عمله لنفسه ، فإذا أردت تحقيق ذلك ، فاسأل عن
الكتلة الألمانية الشرقية الواقعة في حدود حبائل الشيوعية الاشتراكية ، تجدها تصف
نفسها بأنها جحيم و عذاب أليم ، و بضدها الكتلة الألمانية الغربية ، تجدها تصف
نفسها بأنها في نعيم ، و العلة هي علة الابتلاء بالاشتراكية ، و السلامة منها . سافر رجل من تجار قطر إلى أمريكا ، و كان يحمل معه حقيبة
بداخلها نقود كثيرة من الجنيهات الاسترلينية ، و الدولارات ، فحين نزل من الطائرة
ركب مع صاحب تاكسي أمريكي، ثم نزل هذا التاجر عنه لعزمه النزول في أحد الفنادق ، و
نسي الحقيبة بما فيها من النقود ، و حين ذكرها صفق بإحدى يديه على الأخرى ، و كان
لا يعرف السيارة ، و لا يعرف رقمها ، و لا شيئا من علاماتها . فبعد أن نظر
الأمريكي في سيارته ، نظر إلى الحقيبة فيها ، ثم وضعها عند أحد السفراء ، فبعد أن
نشر الخبر عن فقدانها ، بشر بها صاحبها ، و وجدها على حالتها ، لم ينقص منها شيء ،
فكان من الذين قال الله فيهم : ( و من أهل الكتاب من إن تأمنه بقنطار يؤده إليك ).
إنه لو تسممت فكرة هذا الأمريكي بالاشتراكية ، لاعتقد
أنه أحق بها و أن سهم صاحبها بقية ما عنده من التجارة . و لها نظائر كثيرة . و
لكنه يعتقد حرمة مال الغير ، و فتعفف ، حتى وجدها صاحبها . إن العرب المسلمين ، في جميع الأعصار و الأمصار ، لا
يعرفون هذه الاشتراكية، ثم انتقلت إلى بعض البلدان العربية الأخرى ، فكان أول ما
ظهرت الاشتراكية في مصر قبل كل بلد . و قد بدأوا الآن في التحرر عنها ، و في
محاربتها بالتحذير منها ، لكونها أهلكت منهم الحرث و النسل ، و قضت بتخدير الهمم ،
و غل أيديهم عن العمل ، فأين ما يقوله هؤلاء من أنها تضمن أساسا لمجتمع فاضل ، و إنسان سليم ـــ و قد وقع
الأمر منها بالضد من ذلك . صنع رجل مأدبة حافلة في لبنان ، و دعي إليها الرؤساء و
الفضلاء ، و عند جلوس القوم عليها ، و رأوا فيها من كل ما تشتهي الأنفس ، و تلذ
الأعين ، قال أحد العقلاء لذلك الرجل الذي صنعها ، و كان يعشق فكرة الاشتراكية :
إن صاحبك » جمال « لن تجد عنده هذه النعمة و الخير
الكثير ؟ فقال : نعم أنا أعرف ذلك . و لكني أكتفي بالشاهي مع التساوي . فهذه فكرة الكثيرين من المقلين ، و كأنها نكتة كامنة من
داء الحسد فيهم يحسدون الأغنياء على ما آتاهم الله من فضله ، و يتمنون زوال نعمتهم
، و إن لم يصيبوا منها شيئا ، لكن المقلين من المسلمين ، و يتغلبون على إرادتهم ،
و يعصمهم إيمانهم بالله ـــ عز و جل ــ لاعتقادهم حرمة ما الغير ، و أن مال المسلم
على المسلم حرام ، لكون الدين : هو أعظم وازع إلى أفعال فقول بعضهم : إن العدل هو الشيء المتناسق ، و الظلم
الاجتماعي ضد التناسق ، يشير بهذا على الاعتراض على الله في حكمه ، حيث فضل بعض
الناس على بعض في الرزق. و الله سبحانه خلق الناس متفاوتين في الخلق ، و الرزق ،
لتتم و تنتظم بذلك مصالحهم، فيخدم الغني الفقير ، بحيث يجلب إليه كل ما يحتاجه من
الحاجات ، من كل صغير و كبير ، و لا يستطيع الفقير الإتيان بها ، كما أن الفقير
يخدم الغنى فيما هو من اختصاص عمله ، فينتظم بذلك مصالح الجميع ، و يعيشون
متساعدين متكافلين .
لأن الله سبحانه ، لو أغنى الخلق كلهم ، لأفقرهم كلهم ،
و لكن رحمته بهم قضت تفاوتهم في الغنى ، و الفقر ، يقول الله : ( و الله فضل بعضكم
على بعض في الرزق ) ، و قال : (
انظر كيف فضلنا بعضهم على بعض و للآخرة أكبر درجات و أكبر تفضيلا ) ، و قال تعالى
: ( أهم يقسمون رحمة ربك نحن قسمنا بينهم معيشتهم في الحياة الدنيا و رفعنا بعضهم
فوق بعض درجات ليتخذ بعضهم بعضا سخريا و رحمة ربك خير مما يجمعون ) . فدلت هذه
الآيات على أنه هذا التفاضل رحمة من الله لهم ، و أنها لا تستقيم نظام حياتهم
بدونه . و لهذا سماه الله رحمة. و كان السلف يكرهون أن يقول الإنسان : اللهم أغنني عن
خلقك . لكونه لا غناء للإنسان عن الخلق ما دام حيا ، و إنما يقول : اللهم أغنني عن
شرار خلقك . فكما نفى سبحانه ــ التساوي بين خلقه في أمر الدنيا ، و
أن منهم الغني و الفقير ، فكذلك نفى التساوي في أمر الدين ، و في الجزاء على
الأعمال ، فجعل منهم المسلم ، و الكافر،
إن دين الإسلام مبني على حماية الدين و الأنفس ، و
الأموال ، و العقول ، و الأعراض، و من قتل دون ماله فهو شهيد . و خطب النبي صلى
الله عليه و سلم في مجمع الناس يوم عرفة فقال : »إن دماءكم و أموالكم
حرام عليكم كحرمة يومكم هذا في شهركم هذا في بلدكم هذا «. و قد أنزل الله في كتابه المبين ( و لا تأكلوا أموالكم
بينكم بالباطل و تدلوا بها إلى الحكام لتأكلوا فريقا من أموال الناس بالإثم و أنتم
تعلمون ) و لأجله حرم الله الإسراف و التبذير في الأموال ، لكون المال عديل الروح
و قوام الحياة . كما شرع الله الحجر على السفهاء و المبذرين الذين لا يحسنون حفظ
أموالهم و لا تثميرها ، و قد قال سبحانه : ( و لا تؤتوا السفهاء أموالكم التي جعل
الله لكم قياما ) ، أي تقوم بها أبدانكم ، و تقوم ، بها بيوتكم و يقول بها مجدكم، و السفه : هو خفة الرأي . و نقص في العقل ، علامته كونه
لا يحسن توفير ماله ، و لا تثميره ، فيقع بتبذيره في الفقر الذي هو الداء الأكبر ،
و الموت الأحمر ، لكونه يصير العزيز ذليلا . و في الحديث : أن النبي صلى الله عليه
وسلم ــ قال : » اللهم إني أعوذبك من الجوع فإنه
بئس الضجيع ، و أعوذ بك من الخيانة ، فإنها بئست البطانة « . و قال : » اللهم إني أعوذبك من
المأثم و المغرم « . و قال : » إن الرجل إذا غرم أثم حدث فكذب ، و وعد فأخلف « . لأن المال ترس المؤمن في آخر
الزمان ، و لا يستغني عنه في حال من الأحوال . و إن الكريم على الإخوان ذو المال .
فلو عبس الفقر في وجه الرجل ، لعبس في وجهه أهله و أقاربه .
و إننا متى سألنا عن أقوى مادة يعتمد عليها اليهود في
قوتهم ، و نظام حكومتهم ، مع العلم بقلة عددهم ، و عدم وجود منابع البترول عندهم
التي هي عماد ثروة الأمة في هذه الأزمنة . أجابوا : بأن عمدة قوتهم تتركز على المال ، إذ أنهم أكثر
الناس مالا ، و أكثرهم تجارة، فكانوا يساعدون حكومتهم بالمال على سبيل الاستمرار .
فمتى كان الأمر بهذه الصفة : إن العقل و الرأي لا يستجيز إضعاف قوتنا بالاشتراكية
التي حقيقتها ذهاب الحول و القوة ، و الثروة |