الموضوع التالي

الموضوع التالي

الـفـهـــــرس

الموضوع السابق

الموضوع السابق

 

ما هي الاشتراكية الماركسية

 

الحمد لله رب العالمين ، و به نستعين ، و نعوذ بالله من شرور أنفسنا ، و سيئات أعمالنا، و من همزات الشياطين .

أما بعد : فإنني رأيت مقالة خرجت من صاحبها بصورة سؤال سائل لرجل اشتراكي
قائلا : إننا نود أن نسمع رأيك في عقيدتك السياسية ، و في الدين ، و في العروبة .

فأجاب قائلا : أحب أن أعتقد بأنني اشتراكي بطريق الذي يقول : العدل هو الشيء المتناسق . فأنا اشتراكي بهذا المعنى أؤمن بالتناسق و أبحث عنه . و الظلم الاجتماعي هو ضد التناسق . و الاشتراكي يضمن أساسا لمجتمع فاضل و إنسان سليم . فأنا أؤمن بهذا ، و أتمنى أن يتحقق في الوطن العربي .

فهذا هو نص عقيدة هذا الرجل الاشتراكي ؛ و الذي يتمنى تعميمها في الناس . و ليس هذا ببدع من خاصة هذا الشخص ، و إنما هي فكرة سائر الاشتراكيين الشيوعيين ، الذي يحبون أن يشيع تعميمها بين الناس ، و سائر البلدان .

و أقول : إن الله سبحانه قد نصب على أعمال الناس علامات يعرف بها صلاحهم من فسادهم ، و حسن قصدهم من سوء اعتقادهم . فمن أسر سريرة ، أظهر الله سريرته على فلتات لسانه ، ونزوات أقلامه . يقول الله : ( أم حسب الذين قلوبهم مرض أن لن يخرج الله أضغانهم .
و لو نشاء لأريناكهم فلعرفتهم بسيماهم و لتعرفنهم في لحن القول ) .

فهذا القائل يستدل بالترهات ، و يتعلق بقلب الحقائق في المعقول و المنقولات يدعو إلى الاشتراكية ، و يحبذها للناس ، و يحب التناسق ، و أن يتساوى الناس في الغنى و الفقر ، لكون التناسق في اللغة التساوي ، يقال : تناسقت أسنان فلان ــ أي تساوت ــ قاله في الصحاح .

و يسمى الاشتراكية بالعدل ، و يسمى التفاضل بين الناس في الغنى و الفقر هو الظلم الاجتماعي ، و يتمنى أن تسود الاشتراكية في الناس ، و أن تتحقق في البلدان العربية .

فهذا غاية و بغية ما يتمناه أشباه هذا الإنسان ، و قد حيل بين العير و بين النزوان .

( ولو اتبع الحق أهواءهم لفسدت السماوات و الأرض و من فيهن ) . و إن مقامنا في ديننا، و نصيحة أمتنا ، و ولاية أعمالنا توجب علينا القيام بحماية الدين، و دحض حجج المبطلين.  إذ لو لا من يقيمه الله لذلك لفسد الدين .

( ولو لا دفع الله الناس بعضهم ببعض لفسدت الأرض و لكن الله ذو فضل على العالمين ). و لن نهمل ــ إن شاء الله حراسة ثغر ديننا ، ورد الأباطيل على أهلها ، و نحن على المرمى قعود و جثم .

إن الدعوة للاشتراكية الماركسية مبنية على الغش و الخداع ، و التلبيس و التدليس،
و التضليل ، لأن من طبيعة دعاتها ، و المنتزعين لفكرتها ، المبالغة في عملية الخداع و الكذب، و قلب الحقائق على غير ما هي عليه ، و جعل الباطل حقا ، و الحق باطلا ــ و إلا فإنها فكرة هدم للحضارة و العمران ، و الصنائع و الأعمال ، تهلك الحرث و النسل ، و قد حاربتها الدول الراقية في الحضارة و الصناعة و العمران ، من اليهود و النصارى و غيرهم ، قبل أن يحاربها المسلمون .

إن أكثر المقلين من المال من أمثالهم يحبون و يتمنون في أنفسهم زوال نعمة الغنى عن المنعم بها عليهم ، ليساووهم في الجلوس معهم على حصير الفقر و الفاقة . كما قيل : شنشنة أعرفها من أبي أخزم ( و لو اتبع الحق أهواءهم لفسدت السماوات و الأرض و من فيهن ) ، غير أن المسلمين يمنعهم إيمانه عن تحقيق هذه الأمنية ، لاعتقادهم حرمة مال الغير . و يقول
الله : ( أم يحسدون الناس على ما آتاهم الله من فضله ) . فهؤلاء الاشتراكيون ، يحرمون الغنى على أهله الذي هو عرق جبينهم ، و يبيحونه لأنفسهم .

فالعقلاء من المقلين ، يبالغون في كتمان هذا التمني ، و عدم إظهاره ، احتراما للحكومة التي تمنع أشد المنع الجهر به ، و الدعوة إليه ، لكونه ينافي عقيدة دينها ، و يناقض سياسة نظامها و مجتمعها، لكون الاشتراكية تقوم بتقويض دعائم الأعمال و الأموال و المعامل ، و تطبع في قلوب الشباب الفتنة ، و الخيانة ، و ذهاب الأمانة . و مضرتها على الفقير أكبر منها على الغني، و بعض من يتمنى الاشتراكية لا يتحمل الكتمان ، فيكشف ذيله عن مساوئ ليله ، فيجهر بما يعن بفكره ، و ما يتمناه في نفسه ، لم يبال بمنع الحكومة ، و لا الجهر بما تكره ، فهو يعرف تمام المعرفة ، أن الحكومة لا ترضى بالتظاهر بهذا الشيء و لا الدعوة إليه ، بتحسينه للناس ، لكونه يثير مشاعر المسلمين ، و يطبع في شبابهم الفتنة ، و يستدعي الأسوة السيئة .

فقد يقول الكاتب الثاني أكبر مما قاله الأول . فيتسع الخرق على الرقع ، و كم كلمة أثارت فتنة ن و جلبت محنة ، و المتصدي للدعوة إلى الاشتراكية الماركسية و بتحسينها للناس من كتاب الصحف و المجلات ، المتحللين عن عقَل الدين و عن الأدب مع المسلمين ، فإنه يترتب على ولاية عمله مفسد دينية و اجتماعية و أدبية تنافي عقائد الدين و سياسة  الدولة ، و أن المتسنم لهذه المناصب يجب أن يكون لديه عقل يعيش به في الناس ، و يردع به جهل الجاهل .

إنه قد كان للناس في بداية ظهور هذه البدعة الإلحادية حالة غير حالتهم في نهايتها ، فقد بدأوا يتراجعون عنها بعدما عرفوا مضرتها و ذاقوا مرارتها ، و من ذاق منها عرف ، و لأن أكثر الهمج السذج يظنونها تعميما للغنى ، ثم بدا لهم فيما بعد أن غايتها و حقيقتها هو تعميم
للفقر ، بحيث تجعل الغني فقيرا و تزيد الفقير فقرا إلى فقره ، حيث أنها قد كشرت بأنيابها لجميع الناس و بطريق الحس و المشاهدة نرى أن كل بلد دخلتها الاشتراكية ، فإنها تهوي بها إلى الدرك الأسفل من الفقر و الفاقة و القلة و الذلة ، و على أثرها تنقطع موارد الثروة عن البلد ، بحيث يعز كل شيء و ترتفع أقيام المعيشة و تقل النقود بأيدي الناس ، بحيث ينقطع عنهم الوارد و الصادر، فيه أكبر جريمة تقاد إلى البلد ، و خير الناس من وعظ بغيره . و لينظر العاقل إلى حالة مصر قبل ثلاثين سنة ــ أي قبل أن تدخلها الاشتراكية ــ ثم ينظر إلى حالتها الآن ، ثم ينظر إلى سوريا قبل ثلاثين سنة ، ثم ينظر إلى حالتها الآن ، ثم ينظر إلى حالة العراق قبل ثلاثين سنة ، ثم ينظر إلى حالتها الآن ، يجد الفرق الواسع و البون الشاسع بين الأمس و اليوم .

و نعود إلى مناقشة الرأي القائل بالتناسق بين الناس ، أي التساوي الذي هو بزعمهم أنه العدل . و قد وقع الأمر من الاشتراكية المشهود لها بالتجربة و المشاهدة على الضد من ذلك،
و أنها جور و ظلم ، و أنها حقيقة في تساوي الناس في الفقر و الفاقة و حتى الحكومة المتزعمة لهذه الفكرة تصبح فقيرة و الأغنياء فقراء ، بحيث لا يعول أحد على أحد ، و لو فرضنا بأنها تبتز أموال الناس و تختص بها لنفسها و أعوانها ،فإن هذا المال سريع الزوال منزوع البركة مقرونا به الشؤم و الفشل ، لكونه أخذ بغير حق ، و في الغالب أنها تتقاسمه و تختص بالأفضل منه زبانية الفكرة لخاصة أنفسهم ، قبل أن يصل إلى مخازن الحكومة .

و هذه الاشتراكية قد كشرت بأنيابها للناس ، فعرفها العام و الخاص ، و أخذ العلماء
و عقلاء الدول حتى من غير المسلمين يحذر بعضهم بعضا عن مقارفتها ، و يتكلمون فيها و في مضارها و سوء عاقبتها ، عن طريق المشاهدة و التجربة ، لا عن طريق الأخبار الكاذبة ، و لما ظهرت هذه الاشتراكية الماركسية في مصر قبل كل بلد فزع منها النصارى أشد الفزع خوفا من سراية عدواها إلى بلدانهم لعلمهم أنها تقوض بالتجارات و توقع في الأزمات ، و يترتب عليها فساد المصانع و الأعمال و العمال ، لهذا نشروا في صحفهم بأن هذه النحلة سيستجيب لها أكثر الغوغاء و الهمج و لن يقوم في صدها أعظم من شريعة القرآن الذي فيه ( و الله فضل بعضكم على بعض في الرزق ) لهذا يجب نشر تعليم ذلك في المدارس و الصحف و الإذاعات .

و هذه الاشتراكية الماركسية لا شرقية و لا غربية ، بل هي شريعة إلحادية ليست من شريعة الدين و لا من شريعة اليهود و النصارى ، تنادي بالقضاء على الحكام و الرؤساء
و الرأسماليين حتى تكون الاشتراكية هي دعامة المجتمع ، و يصير الناس لهم كالعبيد المسخرين يعملون ، و الماركسية و أعوانها يأكلون ، لأنهم بمقتضى نظام فكرتهم يحكمون بتأميم الأراضي و نتاجها من الحبوب ، و الأشجار و النخيل .

و يحكمون بتأميم ملكية الإنتاج من الحيوان و المعامل و العقار و المصانع ، و يحكمون بتأميم الإرث فلا يرث الابن أباه ، بل هم الذين يرثون كل أحد ، و يسلبون الملكية من كل أحد إلى حالة أنهم جاؤوا إلى صاحب مصنع للسكر ليؤمموه و جميع أمواله ، و فأمروه بالتخلي و الخروج من معمله ، فطلب منهم إعارة سيارة توصله إلى بيته فمنعوه و قالوا له : امش على رجليك .

إن هذه الاشتراكية تخدع الفقراء و تزرع في قلوبهم الآمال و الأماني الكاذبة ، حيث يوهمونهم بأنهم يساوونهم بالأغنياء و يلوحون لهم بكلمات العطف و اللطف ليكثروا بهم سوادهم، و الغوغاء في كل زمان و مكان هم عون الظالم و يد الغاشم ، فالفقراء يزرعون في نفوسهم الأماني و الآمال ، و يحصدون الخيبة و الحرمان ، فهم يمصون دماءهم حتى إن الفقير لا يتحصل على كامل أجرة عمله و عر جبينه إلا بأخذ شيء منها ، ثم هم يقولون لهم على سبيل التخدير و التفتير : إن هذا زمان هدم ، سيأتي بعده زمان البناء ، ثم يستمر هذا الهدم و هذا التعليل و التمليل حتى تقوم الساعة .

و في النهاية ذهبت كل هذه الآمال والأموال التي سحبوها من أهلها و تقاسمها زبانية الفكرة ، و قضت بانقطاع سبل التجارة ، و تعطلت المعامل ، و العمال ، و وقف الناس حيارى، و صار ضرر هذه الفكرة على الفقراء أشد منه على الأغنياء ، و أخذ زعماء هذه الفكرة
و حكامها ، يمدون أيديهم لطلب العون و المساعدة من حكام المسلمين العرب ، الذي يحترمون أموال الناس ، وكما يحترمون دماءهم ، لذهاب الحاصل الذي بأيديهم ، و انقطاع المتصل . و قد قيل : قليل متحصل ، خير من كثير منقطع .

إن هذه الفكرة : تخالف كل دين كما تخالف الأخلاق ، و الأنظمة ، و القوانين . و كما تقضي بتقويض دعائم الأمانة التي عليها مدار معاملة الناس فيما بينهم . فالاشتراكي حينما يرى نعمة أنعم الله بها على أحد من خلقه ، فإنه يرى أنه أحق بها و أهلها ، فهذا هو السبب الذي يهيج الغوغاء على استجلابها ، و استحبابها ، و الدعوة إليها .

فاليهود و الإنجليز و أمريكا و فرنسا و الألمان و اليابان ، لم يحاربوا الاشتراكية لدين يدينون به ربهم ، و إنما حاربوها حفظا ، و حماية لمصالحهم ، لعلمهم أنها تقوض بالتجارات،
و بالعمران ، و المصانع ، و المعامل ، و الأمانات و سائر أمور الحياة ، و توقعهم في الأزمات و الشدات .

لهذا أخذ الغارقون فيها من قديم زمانهم يتسللون منها لواذا ، و يتحررون من قيودها شيئا بعد شيء ، لتفشي العطالة و البطالة في أعمالهم ، لكون العامل للغير لا ينصح كنصحه في عمله لنفسه ، فإذا أردت تحقيق ذلك ، فاسأل عن الكتلة الألمانية الشرقية الواقعة في حدود حبائل الشيوعية الاشتراكية ، تجدها تصف نفسها بأنها جحيم و عذاب أليم ، و بضدها الكتلة الألمانية الغربية ، تجدها تصف نفسها بأنها في نعيم ، و العلة هي علة الابتلاء بالاشتراكية ، و السلامة منها .

سافر رجل من تجار قطر إلى أمريكا ، و كان يحمل معه حقيبة بداخلها نقود كثيرة من الجنيهات الاسترلينية ، و الدولارات ، فحين نزل من الطائرة ركب مع صاحب تاكسي أمريكي، ثم نزل هذا التاجر عنه لعزمه النزول في أحد الفنادق ، و نسي الحقيبة بما فيها من النقود ، و حين ذكرها صفق بإحدى يديه على الأخرى ، و كان لا يعرف السيارة ، و لا يعرف رقمها ، و لا شيئا من علاماتها . فبعد أن نظر الأمريكي في سيارته ، نظر إلى الحقيبة فيها ، ثم وضعها عند أحد السفراء ، فبعد أن نشر الخبر عن فقدانها ، بشر بها صاحبها ، و وجدها على حالتها ، لم ينقص منها شيء ، فكان من الذين قال الله فيهم : ( و من أهل الكتاب من إن تأمنه بقنطار يؤده إليك ).

إنه لو تسممت فكرة هذا الأمريكي بالاشتراكية ، لاعتقد أنه أحق بها و أن سهم صاحبها بقية ما عنده من التجارة . و لها نظائر كثيرة . و لكنه يعتقد حرمة مال الغير ، و فتعفف ، حتى وجدها صاحبها .

إن العرب المسلمين ، في جميع الأعصار و الأمصار ، لا يعرفون هذه الاشتراكية،
و ليست لهم بخلق ، و لا دين ، حتى أتيح لها الرئيس جمال عبد الناصر ، فأثار فتنتها ، و حاول تعميمها في البلدان العربية . فأصدر قراره بالإلزام بها في مصر و ذلك عام ( 1381هـ الموافق لعام 1961م ) ، و سماها الاشتراكية الديمقراطية التعاونية ، و هي تتمشى على طريقة الاشتراكية الماركسية ، حذو النعل بالنعل ، فعملت عملها بمصر في التدمير ، و سوء التدبير،
و أورثت فتنة في الأرض ، و فسادا كبيرا .

ثم انتقلت إلى بعض البلدان العربية الأخرى ، فكان أول ما ظهرت الاشتراكية في مصر قبل كل بلد . و قد بدأوا الآن في التحرر عنها ، و في محاربتها بالتحذير منها ، لكونها أهلكت منهم الحرث و النسل ، و قضت بتخدير الهمم ، و غل أيديهم عن العمل ، فأين ما يقوله هؤلاء  من أنها تضمن أساسا لمجتمع فاضل ، و إنسان سليم ـــ و قد وقع الأمر منها بالضد من ذلك .

صنع رجل مأدبة حافلة في لبنان ، و دعي إليها الرؤساء و الفضلاء ، و عند جلوس القوم عليها ، و رأوا فيها من كل ما تشتهي الأنفس ، و تلذ الأعين ، قال أحد العقلاء لذلك الرجل الذي صنعها ، و كان يعشق فكرة الاشتراكية : إن صاحبك » جمال « لن تجد عنده هذه النعمة و الخير الكثير ؟ فقال : نعم أنا أعرف ذلك . و لكني أكتفي بالشاهي مع التساوي .

فهذه فكرة الكثيرين من المقلين ، و كأنها نكتة كامنة من داء الحسد فيهم يحسدون الأغنياء على ما آتاهم الله من فضله ، و يتمنون زوال نعمتهم ، و إن لم يصيبوا منها شيئا ، لكن المقلين من المسلمين ، و يتغلبون على إرادتهم ، و يعصمهم إيمانهم بالله ـــ عز و جل ــ لاعتقادهم حرمة ما الغير ، و أن مال المسلم على المسلم حرام ، لكون الدين : هو أعظم وازع إلى أفعال
الطاعات ، و أقوى رادع عن مواقعة المحرمات .

فقول بعضهم : إن العدل هو الشيء المتناسق ، و الظلم الاجتماعي ضد التناسق ، يشير بهذا على الاعتراض على الله في حكمه ، حيث فضل بعض الناس على بعض في الرزق.
و يسمى هذا التفاضل ظلما ، لا يثنيه وجل ، و لا يلويه خجل ، و قد قيل :
» نجوم الظاهر ، تدل على خبث الباطن ، و قبح الجفا ينافي الحفا  « و سبق حكم الله حكم الاشتراكيين ( و لو اتبع الحق أهواءهم لفسدت السماوات و الأرض و من فيهن ) .

و الله سبحانه خلق الناس متفاوتين في الخلق ، و الرزق ، لتتم و تنتظم بذلك مصالحهم، فيخدم الغني الفقير ، بحيث يجلب إليه كل ما يحتاجه من الحاجات ، من كل صغير و كبير ، و لا يستطيع الفقير الإتيان بها ، كما أن الفقير يخدم الغنى فيما هو من اختصاص عمله ، فينتظم بذلك مصالح الجميع ، و يعيشون متساعدين متكافلين .

الناس للناس من بدو و حاضرة
 

بعض لبعض و إن لم يشعروا خدم

لأن الله سبحانه ، لو أغنى الخلق كلهم ، لأفقرهم كلهم ، و لكن رحمته بهم قضت تفاوتهم في الغنى ، و الفقر ، يقول الله : ( و الله فضل بعضكم على بعض في الرزق )  ، و قال : ( انظر كيف فضلنا بعضهم على بعض و للآخرة أكبر درجات و أكبر تفضيلا ) ، و قال تعالى : ( أهم يقسمون رحمة ربك نحن قسمنا بينهم معيشتهم في الحياة الدنيا و رفعنا بعضهم فوق بعض درجات ليتخذ بعضهم بعضا سخريا و رحمة ربك خير مما يجمعون ) . فدلت هذه الآيات على أنه هذا التفاضل رحمة من الله لهم ، و أنها لا تستقيم نظام حياتهم بدونه . و لهذا سماه الله رحمة.

و كان السلف يكرهون أن يقول الإنسان : اللهم أغنني عن خلقك . لكونه لا غناء للإنسان عن الخلق ما دام حيا ، و إنما يقول : اللهم أغنني عن شرار خلقك .

فكما نفى سبحانه ــ التساوي بين خلقه في أمر الدنيا ، و أن منهم الغني و الفقير ، فكذلك نفى التساوي في أمر الدين ، و في الجزاء على الأعمال ، فجعل منهم المسلم ، و الكافر،
و التقي، و الفاسق ، فهذا حكمه في خلقه ( و من أحسن من الله حكما لقوم يوقنون ) . قال سبحانه: ( أ فمن كان مؤمنا كمن كان فاسقا لا يستوون ) . و قال : ( أ فنجعل المسلمين كالمجرمين ما لكم كيف تحكمون ) . و قال : ( أم حسب الذين اجترحوا السيئات أن نجعلهم كالذين آمنوا و عملوا الصالحات سواء محياهم ومماتهم ساء ما يحكمون ) فأخبر ــ سبحانه ــ أن مساواة الناس كأسنان المشط في الدنيا و الدين ، أنه منتف و متعذر ، و أنه من الحكم السيئ الذي ينزه الله عنه ، إذ لا تتم سعادتهم ، و تنتظم حياتهم ، إلا بمقتضى التفاضل بينهم ، و أنشد الناظم ابن عبد القوي في هذا المعنى فقال :

تبارك ذو الأحكام و الحكم التي

 

تحار عقول الخلق فيها فتهتدي
 

فمن حكمه إبداؤنا و أمورنا

 

ذوات ارتباط لا ذوات توحد

فكل امرئ لا يستقل بنفسه
 

 

فسن لنا سبل التعاون فاهتد

يعلق أطماع الأنام بمكسب
 

 

له يركبون الهول في كل مقصد

يهون على هذا اقتحام بنفسه
 

 

و هذا بمال رغبة في التزيد

ليأتي بأرزاق يعز حصولها

 

على عاجز عنها ضجيع بمرقد

فسبحان من أبدى و أتقن صنعه
 

 

و جل تعالى عن أباطيل ملحد

إن دين الإسلام مبني على حماية الدين و الأنفس ، و الأموال ، و العقول ، و الأعراض، و من قتل دون ماله فهو شهيد . و خطب النبي صلى الله عليه و سلم في مجمع الناس يوم عرفة فقال :  »إن دماءكم و أموالكم حرام عليكم كحرمة يومكم هذا في شهركم هذا في بلدكم هذا «.
و هذا غاية في تعظيم حرمة مال الغير ، و أنه لا يحل امرئ مسلم إلا عن طيب نفس منه ، و قد قال النبي صلى الله عليه وسلم ــ :
» إنكم تختصمون إلي و لعل بعضكم أن يكون ألحن بحجته من بعض ، فمن قطعت له من مال أخيه شيئا فإنما أقطع له قطعة من النار فليستقل أو ليستكثر « .

و قد أنزل الله في كتابه المبين ( و لا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل و تدلوا بها إلى الحكام لتأكلوا فريقا من أموال الناس بالإثم و أنتم تعلمون ) و لأجله حرم الله الإسراف و التبذير في الأموال ، لكون المال عديل الروح و قوام الحياة . كما شرع الله الحجر على السفهاء و المبذرين الذين لا يحسنون حفظ أموالهم و لا تثميرها ، و قد قال سبحانه : ( و لا تؤتوا السفهاء أموالكم التي جعل الله لكم قياما ) ، أي تقوم بها أبدانكم ، و تقوم ، بها بيوتكم و يقول بها مجدكم،
و شرفكم .

و السفه : هو خفة الرأي . و نقص في العقل ، علامته كونه لا يحسن توفير ماله ، و لا تثميره ، فيقع بتبذيره في الفقر الذي هو الداء الأكبر ، و الموت الأحمر ، لكونه يصير العزيز ذليلا . و في الحديث : أن النبي صلى الله عليه وسلم ــ قال : » اللهم إني أعوذبك من الجوع فإنه بئس الضجيع ، و أعوذ بك من الخيانة ، فإنها بئست البطانة « . و قال : » اللهم إني أعوذبك من المأثم و المغرم « . و قال : » إن الرجل إذا غرم أثم حدث فكذب ، و وعد فأخلف « . لأن المال ترس المؤمن في آخر الزمان ، و لا يستغني عنه في حال من الأحوال . و إن الكريم على الإخوان ذو المال . فلو عبس الفقر في وجه الرجل ، لعبس في وجهه أهله و أقاربه .

فلا مجد في الدنيا لمن قل ماله

 

و لا مال في الدنيا لمن قل مجده

و إننا متى سألنا عن أقوى مادة يعتمد عليها اليهود في قوتهم ، و نظام حكومتهم ، مع العلم بقلة عددهم ، و عدم وجود منابع البترول عندهم التي هي عماد ثروة الأمة في هذه الأزمنة .

أجابوا : بأن عمدة قوتهم تتركز على المال ، إذ أنهم أكثر الناس مالا ، و أكثرهم تجارة، فكانوا يساعدون حكومتهم بالمال على سبيل الاستمرار . فمتى كان الأمر بهذه الصفة : إن العقل و الرأي لا يستجيز إضعاف قوتنا بالاشتراكية التي حقيقتها ذهاب الحول و القوة ، و الثروة
من الأمة ، إذ هي بمثابة سحب الدم من الجسم ، حتى نبقى ضعافا ، نحافا ، تجاه صولة
عدونا، وقوته ، فنكون كالمعينين لهم هدم مجدنا ، و عدم قدرتنا على الصمود أمام قوة عدونا ، إذ لا مجد في الدنيا لمن قل ماله .