الموضوع التالي

الموضوع التالي

الـفـهـــــرس

الموضوع السابق

الموضوع السابق

القواعد الأصولية المستفادة عن طريق السنة النبوية

إن من الغباوة والحمق دعوى الاكتفاء بالقرآن عن السنة ومحاولة عزل السنة القولية عن العمل ، ومن المعلوم من دين الإسلام ومن إجماع علماء السلف الكرام أن السنة هي شقيقة القرآن ، فهي الوي الثاني لقوله سبحانه: {وما ينطق عن الهوى إن هو إلا وحي يوحي }.

فالسنة تفسر القرآن وتفصل ما أجمله وتأتي بما سكت عنه ، يقول الله: { وأنزلنا إليك الذكر لتبين للناس ما نزل إليهم و لعلهم يتفكرون } من سورة النحل . فمن حاول أن يتصدى لتفسير القرآن أو تأليف أي كتاب من العلوم الشرعية مع عزمه على عزل السنة النبوية وعدم احتياجه  لها ، فهذا بلا شك أخرق وأحمق، أشبه من يقتحم لجة البحر وليس بماهر في السباحة،فهذا مما لا شك في غرفه، لأن بغض الناس لا يدري ولا يدري أنه لا يدري ، فذلك مائق فاتركوه.

تصدر للتأليف كل مهوس                                     جهول يسمى   بالفقيه       المدرس
    وحق    لأهل    العلم  أن  يتمثلوا                          ببيت   قديم  شاع في   كل  مجلس 
   لقد هزلت حتى بدى   من  هزالها                            كلاها  وحتى  استامها  كل  مفلس
وسنورد من القواعد الأصولية والواصلة إلى الناس عن طريق السنة النبوية

إن أكثر  القواعد والعقائد والأصول إنما استفادها العلماء  و الحكماء عن طريق السنة النبوية ، حتى قيل : إن حاجة الناس للعلم بالسنة والعمل بها أشد من القرآن ، مع العلم أن القرآن هو الأصل ، فمن ذلك قوله –صلى الله عليه وسلم - : "إنما الأعمال بالنيات وإنما لكل امرىءٍ  ما نوى " وهذا  الحديث رواه البخاري عن عمر . وقد اعتمده الفقهاء من إحدى القواعد  التي عليها مدار صحة الأعمال وفسادها وهي خمس قواعد ، أحدها الضرر يزال,  والثانية ,العادة محكمة ، والثالثة  ,المشقة تجلب التيسير , والرابعة الشك لا يرفع اليقين’ والخامسة ’ إنما الأعمال بالنيات وإنما لكل امرىء  ما نوى " إذ مدار الأعمال الصالحة على إخلاص العمل وصوابه ، ومنها ما رواه البخاري ومسلم عن عبد الله بن عمر ، أن النبي- صلى الله عليه وسلم  - قال :" بني الإسلام على خمس : شهادة أن لا اله الا الله وأن محمدا رسول الله  وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة وصوم رمضان والحج."

فهذه الأركان التي بني عليها الإسلام ذكرت مفرقة في القرآن بدون ذكر البناء ومن غير السهل حفظ العوام لها مفرقة. وقد سبكها رسول الله   - صلى الله عليه وسلم –بانسجام حسن لتكون عقيدة للعلماء والعوام والخاص والعام ، ولن توجد بهذه الصفة في غير السنة حتى صارت عقيدة وطريقة لسائر الموحدين السلفيين  يحفظها العوام فضلا عن العلماء الأعلام . ومنها قوله –صلى الله عليه وسلم – " من  أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد " رواه البخاري ومسلم من حديث عائشة .وفي رواية لمسلم :" من عمل عملا ليس عليه أمرنا فهو رد" فهذا الحديث مبني على الإخلاص والمتابعة لكون العمل إذا كان  خالصا ولم يكن صوابا على نهج السنة ، فإنه مر دود على فاعله.

إذ أن من واجب الإيمان برسول الله –صلى الله عليه وسلم –هو طاعته فيما أمر وتصديقه فيما أخبر ، واجتناب ما عنه نهى وزجر ، وألا يعبد الله إلا بما شرع ، إذ لا مدخل للعقول والآراء  في عبادة الله-عز و جل – لكون العبادة هي ما أتى به الشارع حكما  من غير اضطراد عر في ولا اقتضاء عقلي ، وهي تبنية علي التوقيف والاتباع لا على الاستحسان والابتداع . يقول الله سبحانه : { وما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا}.

قال شيخ الإسلام  ابن تيمية  -رحمه الله –: إنه يجب على كل مسلم التصديق بما أخبر الله به ورسوله ، وأنه ليس موقوفا على أن يقوم دليل عقلي على ذلك الأمر أو النهي بعينه ،فإن مما يعلم بالاضطرار من دين الإسلام أن الرسول إذا أخبر بشيء وجب علينا التصديق به وإن لم نعلم بعقولنا حكمته، ومن لم يقر بما جاء به الرسول حتى يعلمه بعقله فقد أشبه الذين قالوا:{لن نؤمن حتى نوتي مثل ما أوتى رسل الله } ومن سلك هذا السبيل فليس في الحقيقة مؤمنا بالرسول ولا متلقيا عنه الأخبار بالقبول ولا فرق عنده بين أن يخبر الرسول بشيء من ذلك أو لم يخبر به.

فإن ما أخبر به إذا لم يعلمه بعقله لا يصدق به ، بل يتأوله أو يفوضه ، وما لم يخبر به إن علمه بعقله آمن به ، فلا فرق عند من سلك هذا السبيل بين وجود الرسول وإخباره وبين عدم وجود الرسول وإخباره . وصار ما يذكر من القرآن والحديث والإجماع عديم الأثر  عنده ....انتهى.

ومنها قوله –صلى الله عليه وسلم –في حديث بريرة : "كل شرط ليس في كتاب الله فهو باطل وإن كان مائة شرط قضاء الله أحق و دين الله أو ثق و إنما الولاء لمن أعتق " رواه البخاري من حديث عائشة.

ومنها ما رواه البخاري عن أبي جحيفة قال : قلت لعلي هل عندكم شيء من الوحي غير القرآن ؟ قال: لا والذي فلق الحبة وبرأ النسمة إلا فهما يعطيه الله تعالى رجلا في القرآن وما في هذه الصحيفة . قلت : وما في هذه الصحيفة؟ قال: العقل و فكاك الأسير وأن لا يقتل مسلم بكافر . رواه أحمد وأبو داود والنسائي  من حديث علي " بلفظ المؤمنون تتكافأ دماؤهم ويسقى بذمتهم أدناهم وهم يد على من سواهم " ، و صححه الحاكم . فأخبر النبي- صلى الله عليه وسلم - : أن الإسلام يساوي بين الناس في دمائهم ودياتهم ، فيجعل دية المقعد الأعمى والأصم بمثابة دية الشاب السوي الوي إذ النفس بالنفس والجروح قصاص . ثم قال : ويسعى بذمتهم أدناهم، فأيما رجل آجر رجلا أو رجالا في ذمته ، فحرام على المسلمين أن يخفروا ذمته حتى ولو كان المجير امرأة، كما قال النبي –صلى الله عليه وسلم  - "قد أجرنا من أجرت يا أم هانئ".

وأما قوله : " وهم يد على من سواهم "، فمعناه : أنه متى بغى عدو على طائفة أو أهل بلد من المسلمين ، فإن الواجب أن يكونوا  كاليد الواحدة في دحر نحره ودفع شره ، إذ المؤمنون بعضهم أولياء بعض، ولو ذهبنا نتبع النصوص والأصول المستفادة عن طريق السنة لخرج بنا الاستطراد عن موضوع ما عزمنا عليه من الاختصار والاقتصار .

وحتى الحيوان فقد جاءت السنة بمشروعية رحمته والرفق به والإحسان إليه . ففي الحديث أن النبي _صلى الله عليه وسلم –قال:"إن الله كتب الإحسان على كل شيء ، فإذا قتلتم فأحسنوا القتلة وإذا ذبحتم فأحسنوا الذبحة وليحد أحدكم شفرته وليرح ذبيحته" رواه  مسلم من حديث عن أبي يعلى شداد بن أوس. وفي البخاري أن النبي _صلى الله عليه وسلم –قال:"بينا كلب يدور على بئر يلهث عطشا إذ نزعت له امرأة بغي موقها فسقته فشكر الله لها ذلك فغفر لها. فقالوا : يا رسول الله أو لنا في البهائم أجر ؟ فقال: نعم . إن في كل كبد رطبة لأجرا " .وقال :" دخلت النار امرأة في هرة حبستها لا هي أطعمتها ولا هي أرسلتها تأكل من خشاش الأرض حتى ماتت"، ونهى أن تتخذ ذات روح غرضا –أي هدفا _ للرمي ، كما لعن من وسم دابة في وجهها.

فهذه النصوص تستفاد من السنة ، ولو ذهبنا نتتبع أمثال ذلك لخرج بنا عن موضوع الاختصار والاقتصار.

والحاصل أن من ادعى الاكتفاء بالقرآن عن السنة فإنه ليس مؤمنا بالقرآن ولا بالسنة ، لكون التكذيب بأحدهما مستلزما  للتكذيب بالآخر ، فيكون ممن قال الله فيهم : { يؤمنون ببعض الكتاب ويكفرون ببعض ويريدون أن يتخذوا بين ذلك سبيل ، أولئك هم الكافرون حقا و أعتدنا للكافرين عذابا مهينا} من سورة النساء .