![]() |
|
|
فصل في تفسير قوله تعالى : { والنجم إذا هوى . ما ضل صاحبكم وما غوى}
يقول الله سبحانه :{ما ضل صاحبكم وما ينطق عن الهوى
، إن هو إلا وحي يوحي}.قال ابن كثير في التفسير على قوله : {ما ضل صاحبكم وما غوى}
: هذا هو المقسم عليه وهو الشهادة للرسول- صلى الله عليه وسلم – بأنه راشد تابع
للحق ليس بضال وهو الذي يسلك على غير طريق بغير علم،والغاوي هو العالم بالحق
العادل عنه قصدا إلى غيره فنزه الله رسوله وشرعه عن مشابهة أهل الضلال كالنصارى وطرائق اليهود وهي
علم الشيء وكتمانه والعمل بخلافة ،
بل هو صلاة الله وسلامه عليه ، وما بعثه الله به من الشرع العظيم في غاية
الاستقامة والاعتدال والسداد { وما ينطق عن الهوى } أي ما يقول قولا عن هوى وغرض {
إن هو إلا وحي يوحي} ، أي إنما يقول ما أمر به ، يبلغه إلى الناس كاملا موفورا من غير زيادة ولا
نقصان . و عن عبد الله بن عمرو بن العاص قال : كنت أكتب كل شيء أسمعه عن رسول الله
أريد حفظه فنهتني قريش فقالوا : إنك تكتب كل شيء تسمعه من رسول الله و إنه بشر
يتكلم في الغضب ، فأمسكت عن الكتابة ، فذكرت ذلك لرسول الله –صلى الله عليه وسلم –فقال:
" اكتب فوالذي نفسي بيده ما خرج مني إلا الحق". وعن
أبي هريرة عن النبي – صلى الله عليه وسلم – أنه قال: " ما أخبرتكم أنه من عند
الله فهو الذي لاشك فيه " وعنه أيضا قال رسول الله –صلى الله عليه وسلم -
:" لا أقول إلا حقا" قال بعض أصحابه : فإنك تداعبنا يا رسول الله ؟ قال
: " إني لا أقول إلا حقا".... انتهى . من تفسير ابن كثير. ثم إن
الله سبحانه توعد نبنه بأنه لو كذب عليه بادعاء شيء نزل عليه ولم ينزل عليه لأذاقه
العذاب الأليم ، فقال سبحانه{ولو تقوَل علينا بعض الأقاويل لأخذنا منه باليمين
}لأنها أشد بطشا، ثم { لقطعنا منه الوتين } وهو نياط القلب { فما منكم من أحد عنه
حاجرين } وحشا نبيه أن يكذب على ربه
أو يكتم شيئا من وحيه. وقال
تعالى : { لقد من الله على المؤمنين إذ بعث فيهم رسولا من أنفسهم يتلو عليهم آياته
ويزكيهم ويعلمهم الكتاب و الحكمة} . قال غير واحد من السلف : الحكمة هي السنة ،
لأن الذي كان يتلى في بيوت أزواجه-رضي الله عنهن- سوى القرآن هو سنته- صلى الله
عليه وسلم - . وقال
حسان بن عطية : كان جبريل – عليه السلام – ينزل على النبي –صلى الله عليه وسلم - بالسنة كما ينزل بالقرآن فيعلمه إياها
كما يعلمه القرآن . ثم إن الله سبحانه اختار لحمل هذا الدين وتبليغه من
هم أفضل الخلق على الإطلاق بعد نبيهم . أبر هذه الأمة قلوبا وأعمقها علما وأقلها
تكلفا، وأصدقهم لهجة وأمانة، قوم اختارهم الله لصحبة نبيه ولإقامة دينه، ثم و هبهم
قوة الحفظ والإتقان، فيبلغون الناس ما سمعوه من نبيهم بدون زيادة ولا نقصان ، كما
روى ابن مسعود ، قال : سمعت رسول الله – صلى الله عليه وسلم - يقول :" نضر الله امرعا سمع منا
شيئا فبلغه كما سمعه فرب مبلغ أوعى من سامع " رواه أبو داود ولترمدي وابن
حبان وصحيحه . وعن
جبير بن مطعم، قال : سمعت رسول الله
– صلى الله عليه وسلم –با لخيف من منى يقول :" يضر الله عبدا سمع مقالي
فحفظها ووعاها وبلغها من لم يسمعها ، فرب حامل فقه لا فقه له ، ورب حامل فقه إلى
من هو أفقه منه، ثلاث لا يغل عليهن قلب مؤمن : إخلاص العمل لله، والنصيحة لأئمة المسلمين ، ولزوم جماعتهم ، فإن دعوتهم تحيط من
وراءهم " رواه أحمد وابن ماجة
والطب راني . وكان عمر بن الخطاب – رضي الله عنه – إذا جاءه أحد
بحديث لم يسمعه كلفه إثباته بإحضار البينة التي تشهد له بصحة ما يسمعه وإلا أوجعه
ضربا من شدة حرصهم على حفظ السنة ، فمن ذلك ما روى البخاري في صحيحه أن أبا موسى
الأشعري واسمه عبد الله بن قيس استأذن على عمر فلم يؤذن له انصرف ثم قال عمر : ألم
أسمع صوت عبد الله بن قيس يستأذن ؟ ائذنوا له فطلبوه فوجدوه قد ذهب ، فلما جاء بعد
ذلك قال : ما أرجعك ؟ قال: إني استأذنت ثلاثا فلم يؤذن لي وإني سمعت النبي –صلى
الله عليه وسلم –يقول: " إن استأذن أحدكم ثلاثا فلم يؤذن له فلينصرف .
فقال عمر : لتأتيني على هذا ببينة
وإلا أوجعتك ضربا، فذهب إلي ملاْ من الأنصار فذكر لهم ما قال عمر . فقالوا : لا
يشهد لك إلا أصغرنا ، فقام معه أبو سعيد الخدري ، فأخبر عمر بذلك . فقال : ألهاني
عنها الصفق بالأسواق . وهذا
نوع من تحفظهم بالسنة وحمايتها عن أن يزاد فيها أو ينقص منها ، كما في البخاري أن النبي –صلى الله عليه وسلم – قال :
" بلغوا عني ولو آية وحدثوا عن بني إسرائيل ولا حرج ومن كذب علي متعمدا
فليتبوأ مقعده من النار " ولهذا امتنع بعض الصحابة عن التحدث عن رسول الله
خشية أن يزيد في الحديث حرفا أو ينقص حرفا ، كما ثبت عن عبد الله بن الزبير أنه
قال لأبيه الزبير : يا أبت مالك لا تحدث عن رسول الله – صلى الله عليه وسلم – كما
يحدث عنه فلان وفلان فقال : يا بني إني لم أفارق رسول الله في جاهلية ولا إسلام ،
ولكن أخشى أن أزيد عليه في الحديث حرفا أو أنقص حرفا فأكون مستوجبا للوعيد في
الكذب عليه . والذي جعل الزبير و أمثاله يتورعون عن الحديث عن رسول الله – صلى
الله عليه وسلم – لاتهامهم حفظهم عن ضبط ما سمعوه من أجل ما رواه ابن مسعود ، قال
: سمعت رسول الله –صلى الله عليه وسلم – يقول :" نضر الله امرءا سمع منا شيئا
فبلغه كما سمعه فرب مبلغ أوعى من سامع " رواه أبو داود ولترمدي وابن حبان في
صحيحه. ثم إن الله سبحانه حفظ سنة نبيه بما يحفظ به كتابه
وذلك بعناية العلماء الحفاظ والجهابذة النقاد الذين سخر هم الله لبذل مهجهم
وجهودهم وجهادهم في تنقيح أحاديث رسول الله وعنايتهم بتصحيحها وتمحيصها وبيان
ضعيفها وصحيحها ، فكانت هي صنعتهم مدة حياتهم حتى حذقوا فيها وصاروا كصاغة الذهب
يعرفون الخالص من المشوب، لأن من تردد في علم شيء أعلي حكمته وكانوا يسألون عن
الرجال قبل سؤالهم عن الحديث ، ويقولون الجار قبل الدار والرفيق قبل الطريق. فمتى ذكر المحدث بسوء الفهم أو النسيان أو عدم الثقة
والإتقان تركوا الحديث عنه . وعلى كل حال، فإنها لم تعن أمة من الأمم بحفظ
حديثها ونصوص أصول دينها أشد من اعتناء علماء المسلمين في سلسلة إسنادهم ، حدثنا
فلان عن فلان عن فلان عن رسول رب العالمين ، فمتى غلط المحدث فأخطأ فهمه أو زل
قدمه قالوا له : اثبت وانظر ما تقول ، فهذا السند الذي اعتني به أئمة الحديث في أمانة التبليغ هو من خصائص هذه
الأمة لا يشاركهم فيه عيرهم من سائر الأمم كما قيل: قد خصت الأم بالاسناد
وهو من الدين بلا ترداد
ثم إن السنة تدور على قول الرسول وفعل الرسول وإقرار
الرسول . وقول الرسول مقدم على فعله لاحتمال أن يكون الفعل من خصائصه ، إذ الرسول
منزه عن الخطأ فيما يبلغه عن ربه.
فمن قال : لا أقبل أو
لا أصدق إلا بفعل الرسول ، فليس مؤمنا بالرسول ولا بما جاء به ، والنبي –صلى الله
عليه وسلم – فال: "لا يؤمن أحدكم حتى يكون هواه تبعا لما جئت به "
وقال:" كل أمتي يدخلون الجنة إلا من أبي . قيل: ومن يأبى يا رسول الله ؟ قال:
من أطاعني دخل الجنة ومن عصاني فقد أبى" ومعنى شهادة أن محمدا رسول الله تستلزم طاعة الرسول
فيما أمر ، وتصديقه فيما أخبر ، واجتناب ما عنه نهى وزجر، وأن لا يعبد الله إلا
بما شرع. يقول الله : {وما
كان لمؤمن ولا مؤمنة إذا قضى الله ورسوله أمرا أن يكون لهم الخيرة من أمرهم } {
إنما كأن قول المؤمنين إذا دعوا إلى الله ورسوله ليحكم بينهم أن يقول ا سمعنا
وأطعنا وألئك هم المفلحون }. ثم ليعلم أن الله سبحانه قد نصب لعباده في الدنيا حكما عدلا
يقطع عن الناس النزاع ويعيد خلافهم إلى مواقع الإجماع وهو الكتاب والسنة . يقول
الله : { فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى الله والرسول إن كنتم تؤمنون بالله واليوم
الآخر }. واتفق العلماء على أن الرد إلى الله هو الرد إلى كتابه والرد إلى الرسول
هو الرد إلى سنته فهما نظام شريعة الإسلام ، وفيهما حل مشاكل سائر الناس من كل ما
يتنازعون فيه من صغير وكبير { ولو ردوه إلا الرسول وإلى أولي الأمر منهم لعلمه
الذين يستنبطونه منهم}. فن الله سبحانه لم يوجب الرد إليها
عند التنازع إلا وفيهما الكفاءة لحل جميع المشاكل. ثم إن القرآن لا غناء له عن السنة التي تبينه
وتفسره وتوضح ما أشكل منه . كما أنه لا غني للسنة عن القرآن فهما و حيان شقيقان
ولما يزل قوله سبحانه: { من يعمل سواء يجز به} فزع أصحاب رسول الله وقالوا: هلكنا
، إن كان كل من عمل منا سوءً جوي به . فقال رسول الله –صلى الله عليه وسلم - :
"ألستم تحزنون، أليس يصيبكم اللأوى
والمرض ؟ قالوا : بلى . قال:
فذاك" يشير بهذا إلى أن ما يصيب المسلم من الهم والحزن والمرض حتى الشوكة
يشاكها فإنه يكفر بها من خطاياه ،
وأن هذا هو من الجزاء الذي وعدوا به. ومثله قوله سبحانه : { الذين آمنوا ولم
يلبسوا إيمانهم بظلم}ففزع الصحابة من ذلك وقالوا: أينا لم يظلم نفسه . فقال لهم
رسول الله : إنه الشرك، ألم تسمعوا إلى قول
لقمان لابنه : {يا بني لا تشرك بالله إن الشرك لظلم عظيم}.والذي يقول
بالاكتفاء بالقرآن عن السنة هو لا يعرف القرآن ولا يعرف السنة ويحاول الحط من
السنة ليتوصل به إلى الحط من قدر
القرآن ، فإن من تجاهل سنة رسول الله وحاول الطعن فيها بالاكتفاء عنها، فإن من
لوازم قوله الطعن في القرآن والتكذيب به. |