![]() |
|
|
نشأة النبي –صلى الله عليه وسلم – يتيما أميا: هذا مع
ما ثبت بالتواتر أن النبي –صلى الله عليه وسلم – نشأ يتيما في حجر أبي طالب ، كأحد
أولاده وليس في مكة مدارس ولا كتب ، حتى فاجأه الحق ونزل عليه الوحي ، والله يعلم
حيث يجعل رسالته . فكان ينزل عليه القرآن تدريجيأ شيئا بعد شيء حتى نزلت عليه سورة
الأنعام بجملتها وهي جزء كامل، فقام حافظا لها ولسائر القرآن بدون أن ينسى شياً
منه ، لأن الله وعده بحفظه ، فقال سبحانه{ سنقرئك فلا تنسى} من سورة الأعلى ، وفي
البخاري عن ابن عباس قال: كان رسول الله إذا نزل عليه الوحي يحرك شفتيه بالقراءة
خشية أن ينسى شيئأ منه ، فأنزل الله {لا
تحرك به لسانك لتعجل به – أي حفظه – إن علينا جمعه و قرآنه – أي علينا أن
نجمعه لك في صدرك وتقرأه – فإذا قرأناه –أي أو حيناه – فاتبع قرآنه- أي فاستمع له
وأنصت – ثم إن علينا بيانه – أي أن تحفظه ولا تنسى شيئأ منه -} فكان رسول الله بعد ذلك إذا نزل عليه جبريل
أنصت وإذا أقلع عنه قرأه. ثم
اخبر النبي – صلى الله عليه وسلم – عن حقيقة هذا العلم الذي جاء به والذي أو حاه
الله إليه ، وأن الناس يتفاوتون في فهمه وحمله والعمل به، فقال فيما رواه البخاري
عن أبي موسى الأشعري . قال : " مثل ما بعثي الله به من العلم والهدى كمثل غيث
أصاب أرضا فكان منها طائفة قبلت الماء فأنبتت الكلأ و العشب الكثير، وكان منها
طائفة أمسكت الماء فنفع الله بها الناس فسقوا وزرعوا ، وكان منها طائفة أجادب ، لا
تمسك ماء ولا تنبت كلأ . فذلك مثل من فقه في دين الله فنفعه ما جئت به ، ومثل من
لم يرفع بذلك رأسا ولم يقبل هدى الله الذي جئت به". وهذا
مثل مطابق للواقع من أحوال الناس مع هذا الوحي والهدى النازل عليهم ، وأن هذا
التفاوت في حمل العلم وفهمه واستنباطه هو أمر واقع بين الصحابة فمن بعدهم ، وأن
الصحابة يتفاوتون في حمل الحديث وحفظه واستنباطه ، وقد وصفوا ابن عباس بالطائفة
الطيبة التي قبلت الماء وأنبتت الكلأ والعشب الكثير، فحمل أحاديث كثيرة ثم فرعها
واستنبط منها الفقه في الأحكام وأمور الحلال والحرام ، فكان آية في معرفة
الاستنباط ، ومثله عائشة أم المؤمنين- رضي الله عنها-. ومشهور
الطائفة الثانية التي أمسكت الماء
فنفع الله به الناس فسقوا وزرعوا فشبهوها بأبي هريرة ، فقد حمل علما كثيرا عن
النبي- صلى الله عليه وسلم – فصرف جهده إلى التحفظ على ما عنده خشية أن ينساه ،
فكان يدرس الحديث وقد أوصاه النبي- صلى الله عليه وسلم – بأن يوتر قبل أن ينام من
أجله ، لكنه لم يشتغل في استنباط ما عنده من العلم وله أشباه كأنس وأبي سعيد
الخدري. والمكثرون
من الصحابة سبعة ولا يسمى مكثرا إلا إذا حمل عن النبي –صلى الله عليه وسلم – ألف
حديث فما فوق وهم : ابن عباس وابن عمر وعائشة وأبوهريرة وأنس وأبو سعيد الخدري وجابر بن عبد الله ، قال الشاعر: وأن
هذه الأوصاف تنطبق على من بعدهم من
أهل العلم وحملة الحديث ، وأن منهم العالم العامل بعلمه والذي يدعو إلى دين ربه بالحكمة والموعظة الحسنة ، ثم
يتوسعون في استنباط المعاني والأحكام بفقه وفهم. ومنهم عليهم اللسان الذي يحمل
العلم ولا بعمل به ولا يتوسعون في معرفة فقهه وأحكامه وغاية علمهم هو الجمود على
ما يقوله أئمتهم وعلماء مدهبهم ، وقد شبهوه بالمصباح الذي يضيء للناس ويحرق نفسه. والطائفة الثانية : هي الجاهل الجافي الذي لا علم عنده ولا عمل
، وقد شبهه بالأرض السبخة التي لا يزيدها المطر إلا ضررا. والحاصل أن رسول الله – صلى الله عليه وسلم – يعلم أصحابه السنة
، كما يعلمهم القرآن ، لكون السنة تفسر القرآن وتبينه ،فأفضل التفاسير هو من يفسر
القرآن بالقرآن وبالسنة، كتفسير ابن جرير وابن كثير ، لأن الله سبحانه قال: {
وأنزلنا إليك الذكر لتبين للناس ما نزل إليهم ولعلهم يتفكرون } من سورة النحل .
وقال: { وما أنزل عليك الكتاب إلا لتبين لهم الذي اختلفوا فيه وهدى ورحمة لقوم
يؤمنون} من سورة النحل ، قال عمر بن الخطاب : إنه سيأتي أناس يأخذونكم بشبهات
القرآن ، فخذوهم بالسنة، فإن أصحاب السنن أعلم بكتاب الله. فالسنة هي التي تفسر
القرآن كما قيل: فهو
المفسر للقرآن و إنما نطق النبي لنا به
عن ربه فالقرآن
وحي مجمل والسنة وحي مفصل ولا غنى لأحدهما عن لآخر ، كما قيل :
وعن المقدام بن معدي كرب الكندي ، أن رسول الله –صلى الله عليه
وسلم – قال :" يوشك الرجل متكئا على أريكته يحدث بحديث من حديثي فيقول بيننا وبينكم كتاب الله-عز وجل-فما
وجدنا فيه من حلال استحللناه وما وجدنا فيه من حرام حرمناه ألا وإن ما حرم رسول
الله- صلى الله عليه وسلم –مثل ما حرم الله-" رواه الترمذي وابن ماجه. ومن
حديث العرباض بن سارية أنه قال:
وعظنا رسول الله –صلى الله عليه وسلم – موعظة بليغة ذرفت منها العيون ووجلت منها
القلوب . ومنها قوله " عليكم بسني وسنة الخلفاء الراشدين المهدين تمسكوا بها وعضوا عليها بالنواجذ
وإياكم ومحدثات الأمور فإن كل محدثة بجعة وكل بدعة ضلالة " رواه أبو داود
والترمذي وصحيحه ابن ماجه.
|