الموضوع التالي

الموضوع التالي

الـفـهـــــرس

الموضوع السابق

الموضوع السابق

                                      

                                                               المؤلف

   سنة الرسول عليه الصلاة والسلام هي شقيقة القرآن :

الحمد لله الذي جعل في كل زمان فترة من الرسل بقايا من أهل العلم يدعون من ضل إلى الهدى ويصبرون منهم على الأذى ، يحبون بكتاب الله الموتى وتبصرون بنور الله أهل العمى، فكم من قتيل الإبليس قد أحيوه، وكم من ضال تائة قد هدوه، فما أحسن أثرهم على الناس ، وما أقبع أثر الناس عليهم ينفون عن كتاب الله تحريف الغالين وانتحال المبطلين وتأويل الجاهلين ، ونعوذ بالله من فتن الضالين المضلين.

أما بعد ، فقد قال الله سبحانه : ( لقد من الله على المؤمنين  إذ بعث فيهم رسولا من أنفسهم يتلو عليهم آياته ويزكيهم و يعلمهم الكتاب والحكمة وإن كانوا من قبل لفي ضلال مبين ) من سورة آل عمران . وفي سورة الجمعة ( هو الذي بعث في الأميين رسول منهم يتلو عليهم آياته ويزكيهم ويعلمهم الكتاب والحكمة وإن كانو من قبل لفي ضلال مبين . وآخرين منهم لما يلحقوا بهم وهو العزيز الحكيم . ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء والله ذو الفضل العظيم ).

فقد امتنن الله سبحانه  على عباده المؤمنين ببعثة هذا النبي الكريم { عزيز علنه ما عنتم حريص عليكم بالمؤمنين رؤوف رحيم). فهدى الناس من الضلالة وبصرهم من الجهالة.

ثم أخبر سبحانه عن هذا الدين الذي فضل الله به الأميين من أصحاب محمد ، أنه ليس مختصا بهم، بل هو لهم ونكل من جاء بعدهم إلي يوم القيامة فقال : ( وآخرين  منهم لما يلحقوا بهم ) ممن تبع رسول الله وتمسك بسنته ، كما روى الترمدي من حديث أنس أن النبي- صلى الله عليه وسلم – قال :"مثل أمتي كمثل المطر لا يدرى أو له خير أم آخره".  غير أن للصحابة الميزة السامية والمنزلة العالية بسبقهم إلى النبي – صل الله عليه وسلم – وملازمة صحبته، لا يدانيهم فيها غيرهم كما في الصحيحين من حديث عمران أن النبي- صلى الله عليه  وسلم – قال :" خير القرون قرني ثم الدين يلو نهم ثم الدين يلونهم ، لا أدري أذكر مرتين أو ثلاثا".

وقال:" دعوا لي أصحابي فو نفس محمد بيده لو أنفق أحدكم مثل أحد ذهبا ما بلغ مدَ أحدهم ولا نصيفه" .

و الأميون هم العرب ، أطلقت عليهم هذه التسمية لعدم معرفتهم بالقراءة والكتابة نسبة إلى الأم ، وقد سمى الله نبيه محمد أميا من أجل أنه لا يكتب ولا يقرأ المكتوب ، فقال  سبحانه : { ورحمتي وسعت كل شيء فسأكتبها للذين يتقون ويؤتون الزكاة والذين هم بآياتنا يؤمنون. الذين يتبعون الرسول النبي الأمي الذي يجدونه مكتوبا عندهم في التوراة والإنجيل يأمرهم بالمعروف وينهاهم عن المنكر ويحل لهم الطيبات ويحرم عليهم الخبائث ويضع عنهم إصر هم والأغلال التي كانت عليهم فالذين آمنوا به وعزروه ونصروه واتبعوا النور الذي أنزل معه أولئك هم المفلحون }.

فأمية الرسول هي معجزة من معجزات نبوته ، كما قيل : " كفاك بالعلم في الأمي معجزة " ، وليس من سنته، فقد حارب الأمية بنشر العلوم والكتابة بين أصحابه ، ولأن أول سورة نزلت من القرآن هي سورة التعليم بالقلم .

وإنما خصه الله بالأمية صيانة للوحي الذي جاء به حتى لا تتطرق إليه الأوهام الكاذبة والظنون الباطلة ، فيقولون : كتبه من كتاب كذا.يقول الله : { وما كنت تتلو من قبله من كتاب ولا تخطه بيمينك إذا لارتاب المبطلون}.

وهذه البعثة التي امتن الله بها على عباده المؤمنين هي بداية نزول الوحي عليه بغار حراء، حين أنزل الله عليه { اقرأ باسم ربك الذي خلق . خلق الإنسان من علق . اقرأ وربك الأكرم . الذي علم بالقلم . علم الإنسان ما لم يعلم }.

فهذه البعثة هي أفضل من زمن المولد ، لكونه ولد كما يولد الناس ، وعاش أربعين سنة كسائر قريش ، ولهذا قال في معرض الاحتجاج على قومه : " ولقد لبثت فيكم عمرا من قبله أفلا تعقلون " ، ثم قال : {يتلو عليهم آياته } أي القرآنية ويفسرها لهم ويسألونه عما أشكل عليهم منها.

 

قال ابن مسعود :" كنا إذا تعلمنا عشر آيات لم نتجاوز هن حتى نتعلم معانيهن والعمل بهن ". فهم يتلقون عنه العلم والعمل .

وكانت عامة مجالس النبي –صلى الله عليه وسلم – إنما هي مجالس علم وتعليم، إما بتلاوة القرآن أو بما آتاه الله من الحكمة والموعظة الحسنة ، ولهذا سمَاه الله بشيرا ونذيرا وداعيا إلى الله بإذنه وسراجا منيرا.

ثم قال : {ويزكيهم } ، أي بالمحافظة على الفرائض والفضائل واجتناب منكرات الأخلاق والرذائل التي أعلاها الشرك فما دونه ، لأن هذه الأعمال هي التي تزكي النفوس وتطهرها وتنشر في العالمين فخر ذكرها { قد أفلح من زكاها وقد خاب من دساها}.

وما النفس إلا حيث يجعلها الفتى               فكن طالتا للنفس أعلى المراتب

 

 ثم قال :{ ويعلمهم الكتاب والحكمة} ، فالكتاب هو القرآن والحكمة هي السنة ، فكان رسول الله – صلى الله عليه و سلم – يعلمهم السنة كما يعلمهم القرآن ، كما قال سبحانه في زوجات نبيه : { واذكرن ما يتلى في بيوتكن من آيات الله والحكمة } فكان الصحابة يتعلمون من رسول الله القرآن والسنة معا،ويتناوبون ملازمته لئلا يفوتهم شيء من علمه ، وكان يقول :" إنما بعثت معلما فمن حفظ حجة على من لم يحفظ " ، قال تعالى { كما أرسلنا فيكم رسولا منكم يتلو عليكم آياتنا ويزكيكم ويعلمكم الكتاب والحكمة ويعلمكم ما لم تكونوا تعلمون } من سورة البقرة.