![]() |
|
|
الصدقة على المضطرين أفضل من حج التطوع إن الله
سبحانه خلق الخلق لعبادته ، وأمرهم بتوحيده وطاعته . أوجب ذلك عليهم في خاصة
أنفسهم ، وأن يجاهدوا عليه أهلهم وأولادهم . يقول الله: (وما خلقت الجن والإنس إلا
ليعبدون) وقال: (وأعبد ربك حتى يأتيك اليقين) . فهذه
العبادة التي خلق الله الخلق لها ، وأمرهم بالاستقامة عليها ، واستدامة فعلها ،
حتى يلقوا ربهم . تنقسم إلى فرائض: وهي الواجبات ، وإلى نوافل وهي التطوعات. فالفرائض:
بمثابة رأس المال؛ لأن الله فرض فرائض . فلا تضيعوها . والنوافل: بمثابة الربح ،
لا وربح إذا لم يصح رأس المال . وحكمة النوافل: أنها يرقع بها خلل الفرائض إن لم
يكن صاحبها أتمها ، كما أن الغيبة تخرق الصيام والاستغفار يرقعه . وهي من أسباب
محبة الرب للعبد فتجعله من أولياء الله المقربين ، وحزبه المفلحين (ألا إن أولياء
الله لا خوف عليهم ولاهم يحزنون الذين آمنوا وكانوا يتقون) . كما روى البخاري في صحيحه أن النبي ـ
صلى الله عليه وسلم ـ قال: »
قال الله ـ عزوجل ـ: من عادى لي ولياً فقد آذنته بالحرب ، وما تقرب إلى عبدي بشيء
أحب إلي مما افترضته عليه ، ولا يزال عبدي يتقرب إليّ بالنوافل ، حتى أحبه . فإذا
أحببته ، كنت سمعه الذي يسمع به ، وبصره الذي يبصر به ، ويده التي يبطش بها ،
ورجله التي يمشي بها ، ولئن سألني لأعطينه ، ولئن استعاذني لأعيذنه«
. فأفضل
ما تقرب به المتقربون إلى الله هو المحافظة على الفرائض الواجبة ، ثم التزود بعدها
بنوافل التطوعات . وهذه التطوعات بعضها آكد من بعض ، لأن منها ما هو مقصور النفع
على فاعله ، ومنها ما هو متعدد النفع للغير . فمقصور النفع على فاعله ، مثل: نوافل
الصلاة ، ونوافل الصيام ، ونوافل الحج ، فلا ينتفع الناس بعمل الشخص في مثل هذه
التطوعات . أما
المتعدي نفعه إلى الغير فهو مثل : عمل الصدقة ، و الصلة ، و سائر الأفعال الخيرية
التي ينتفع بها الناس ، و لا شك أن العمل المتعدي نفعه إلى الغير ، أنه أفضل من
العمل المقصور على النفس . لهذا
ينبغي للإنسان أن يفعل من التطوعات ما هو أصلح لقلبه ، و أنفع في وقته ، فقد يصير
العمل الفاضل مفضولا في بعض الأحيان ، و كذا عكسه . من ذلك أن
الصدقة على الأقارب المحتاجين ، و على الفقراء و المضطرين ، أنها أفضل من حج
التطوع ، سواء كان حجه عن نفسه ، أو عن والدينه و أقاربه الميتين . لكون الصدقة
تصادف من الفقير موضع حاجة ، و شدة فاقة ، سيما عند قرب العيد ، و في عشر ذي الحجة
التي فيها العمل الصالح أفضل من العمل في سائر شهور السنة ، و فتشتد حاجة الفقير
لما يتطلبه العيد من النفقة ، و الكسوة له و لأهله و عياله ، فتقع الصدقة بالموقع
الذي يحبه الله ؛ من تفريج كربته و كل من
تأمل القرآن و الحديث ، فإنه يجد فيهما الحث و التحريض ، و بفنون من التعبير كلها تحفز الهمم ، و تنشط الأمم إلى الكرم
. و قد مدح الله الذين ينفقون أموالهم ابتغاء مرضاة الله و تثبيتا من أنفسهم ــ أي
يطمئنون بأن ما أنفقوه يخلف عليهم كقوله تعالى : ( من ذا الذي يقرض الله قرضا حسنا
فيضاعفه له أضعافا كثيرة ) . و هذه المضاعفة الفاخرة حاصلة للمتصدق في الدنيا قبل
الآخرة . ففي
الدنيا : يدرك المتصدق المزكي سعة الرزق ، و بسطته ، و نزول البركة في ماله و أنه ما
بين أن يثاب الإنسان على الصدقة ، و الصلة ، و الإحسان ، أو يعاقب على الإساءة ، و
القطيعة ، و العصيان ، إلا أن يقال : فلان قد مات ، و ما أقرب الحياة من الممات إن أكثر
الناس يكسلون عن النفقة فيما هو من واجبهم ، و في الأمر المرغب فيه في حقهم و إنني
أقول على سبيل النصيحة ، رجاء أن تعيها أذن واعية : إن هؤلاء الذين ينفقون هذه النفقات
، أن الأفضل في حقهم ، هو صرف ما ينفقون إلى الفقراء ، و المضطرين ، و مساعدة
المنكوبين ، و تأسيس الأعمال الخيرية ، من بناء المساجد ، و إصلاح الطرق ، و بناء
بيت لفقير، أو رحم ، أو مساعدته على ذلك ، لأن الصدقة على الفقراء و المضطرين لها
وقع عظيم في مثل هذه الأيام الفاضلة ، و خاصة عشر ذي الحجة ، التي العمل فيها أفضل
من العمل في غيرها . و إن كان
أحدهم مدينا ، وجب عليه أن يصرف نفقته إلى قضاء دينه ليعتق نفسه من ذل المطالبة
بالدين ، فإن الدين هم بالليل ، و ذل بالليل ، و ذل بالنهار . و لأن
قضاء الدين واجب و التطوع بالحج مستحب ، أو أنه مكروه في حقه ، فلا يقدم المستحب
على الواجب ، و قد قال بعض العلماء بعدم جواز حج من عليه دين حتى يقضيه ، أو
يسترضي غريمه . إن من
النساء في وقت الحج من تقلق راحة زوجها في مطالبته بالحج بها ، فتلجئه بإلحاحها
إلى الحرج و المشقة ، و تحمل الديون المرهقة ؛ من تخلية عن العمل الذي هو كسبه و
معيشة عياله ، فيتحمل هذا كله في سبيل رضاها ، و الحج بها ، و لعلها قد قضت فرضها
، ثم حجت مرة بعد أخرى . و هذه تعتبر مأزورة غير مأجورة . فإن الأفضل في حقها ، هو
طاعة زوجها إن الصدقة
بما سينفقه في حج التطوع ، هي أفضل من حج التطوع ، لكون الصدقة من العمل المتعدي
نفعه إلى الغير ، سيما في عشر ذي الحجة ، التي فيها العمل الصالح أفضل من العمل في
سائر شهور السنة ، فتصادف الصدقة من الفقير موضع حاجة ، و شدة فاقة ، لما يتطلبه
العيد من النفقة و الكسوة له و لعياله ، فصدقته أفضل من تطوعه بحجه . و مثله
الذين يضحون لوالديهم الميتين ، فإن الصدقة عن والديهم أفضل من ذبح الأضحية فإنه لا أضحية للميت ، و إنما شرعت
الأضحية في حق الحي ، شكرا لنعمة بلوغ عيد الإسلام إنه ما
بخل بنفقة واجبة في سبيل الحق ؛ من زكاة ، و صدقة ، و صلة إلا سلطه الشيطان على
نفقة ما هو أكثر منها في سبيل الباطل . و ما أنفق
أحد نفقة في سبيل الحق ، من زكاة ، و صدقة ، و صلة ، إلا أخلفها الله عليه أضعافا
مضاعفة . فلو جربتم لعرفتم ، و صدق الله العظيم : ( و ما أنفقتم من شيء فهو يخلفه إن أكثر
الناس قد غلب عليهم حب الشهرة ، فجعلوا الحج و العمرة بمثابة سفر النزهة و إنني
أقول على سبيل النصيحة لهؤلاء الذي يتطوعون بالحج كل عام ، أو عاما بعد عام أضف إلى
ذلك ، أن المجاورين للبلد الحرام ، و الذين يترددون للحج عاما بعد عام ، بأنهم
يتعرضون للأضرار ، و مواقع الأخطار ، من تصادم السيارات ، و انقلابها ، و يصيب
الناس الضرر الشديد منهم ، بتضييقهم على الناس بسياراتهم ، و خيامهم ، و مسالك
طرقهم ، و مشاعر حجهم ، و في الطواف ، و السعي ، و الصلاة في المسجد الحرام ، حتى
لا يكاد يجد الإنسان مكانا لموضع جبهته في المسجد ، و كله من شدة زحمة المجاورين
للبلد الحرام ، و الذين يترددون إلى الحج عاما بعد عام . و كان
أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه يأمر أهل مكة بأن يخلوا المطاف للحجاج
الغرباء . فاحتساب التوسعة على الناس في مثل هذا الزمان فيه فضل ، و لفاعله أجر . و إنني
أنصح كبار الأسنان ، و ضعاف الأجسام ، من رجال و نساء ، متى قضوا فرضهم، بأن
يلزموا أرضهم ، و يكثروا من عبادة ربهم في بلدهم ، و فإن أبواب الخير كثيرة ، و
ليس الحج من أفضلها ، و ليحافظوا على حياتهم ، و صحتهم ، فلا يتعرضوا للبرد القارص
، و لا للحر القتال ؛ فإن البرد سريع دخوله ، بطيء خروجه ، و يتزايد ضرره ، و يعظم
خطره في أوله ، كما قال علي رضي الله عنه : » اتقوا البرد في أوله ،
و تلقوه في آخره ، فإنه يعمل في الأبدان ، كعمله في الأشجار ، أوله يحرق ، و آخره
يورق « . و لهذا :
و إن الوقاية خير من العلاج ، و نية المؤمن تبلغ مبلغ عمله، و الحمد لله الذي جعل
الحج فرض العمر مرة واحدة و لا لم يفرضه على التكرار ، فاقبلوا من الله عفوه ، و
احمدوه على عافيته ، ( و لا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة ) ، و ( و لا تقتلوا أنفسكم
إن الله كان بكم رحيما ) . |