الموضوع التالي

الموضوع التالي

الـفـهـــــرس

الموضوع السابق

الموضوع السابق

الصدقة على المضطرين أفضل من حج التطوع

إن الله سبحانه خلق الخلق لعبادته ، وأمرهم بتوحيده وطاعته . أوجب ذلك عليهم في خاصة أنفسهم ، وأن يجاهدوا عليه أهلهم وأولادهم . يقول الله: (وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون) وقال: (وأعبد ربك حتى يأتيك اليقين) .

فهذه العبادة التي خلق الله الخلق لها ، وأمرهم بالاستقامة عليها ، واستدامة فعلها ، حتى يلقوا ربهم . تنقسم إلى فرائض: وهي الواجبات ، وإلى نوافل وهي التطوعات.

فالفرائض: بمثابة رأس المال؛ لأن الله فرض فرائض . فلا تضيعوها . والنوافل: بمثابة الربح ، لا وربح إذا لم يصح رأس المال . وحكمة النوافل: أنها يرقع بها خلل الفرائض إن لم يكن صاحبها أتمها ، كما أن الغيبة تخرق الصيام والاستغفار يرقعه . وهي من أسباب محبة الرب للعبد فتجعله من أولياء الله المقربين ، وحزبه المفلحين (ألا إن أولياء الله لا خوف عليهم ولاهم يحزنون الذين آمنوا وكانوا يتقون) .

كما روى البخاري في صحيحه أن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ قال: » قال الله ـ عزوجل ـ: من عادى لي ولياً فقد آذنته بالحرب ، وما تقرب إلى عبدي بشيء أحب إلي مما افترضته عليه ، ولا يزال عبدي يتقرب إليّ بالنوافل ، حتى أحبه . فإذا أحببته ، كنت سمعه الذي يسمع به ، وبصره الذي يبصر به ، ويده التي يبطش بها ، ورجله التي يمشي بها ، ولئن سألني لأعطينه ، ولئن استعاذني لأعيذنه« .

        فأفضل ما تقرب به المتقربون إلى الله هو المحافظة على الفرائض الواجبة ، ثم التزود بعدها بنوافل التطوعات . وهذه التطوعات بعضها آكد من بعض ، لأن منها ما هو مقصور النفع على فاعله ، ومنها ما هو متعدد النفع للغير . فمقصور النفع على فاعله ، مثل: نوافل الصلاة ، ونوافل الصيام ، ونوافل الحج ، فلا ينتفع الناس بعمل الشخص في مثل هذه التطوعات .

أما المتعدي نفعه إلى الغير فهو مثل : عمل الصدقة ، و الصلة ، و سائر الأفعال الخيرية التي ينتفع بها الناس ، و لا شك أن العمل المتعدي نفعه إلى الغير ، أنه أفضل من العمل المقصور على النفس .

لهذا ينبغي للإنسان أن يفعل من التطوعات ما هو أصلح لقلبه ، و أنفع في وقته ، فقد يصير العمل الفاضل مفضولا في بعض الأحيان ، و كذا عكسه .

من ذلك أن الصدقة على الأقارب المحتاجين ، و على الفقراء و المضطرين ، أنها أفضل من حج التطوع ، سواء كان حجه عن نفسه ، أو عن والدينه و أقاربه الميتين . لكون الصدقة تصادف من الفقير موضع حاجة ، و شدة فاقة ، سيما عند قرب العيد ، و في عشر ذي الحجة التي فيها العمل الصالح أفضل من العمل في سائر شهور السنة ، و فتشتد حاجة الفقير لما يتطلبه العيد من النفقة ، و الكسوة له و لأهله و عياله ، فتقع الصدقة بالموقع الذي يحبه الله ؛ من تفريج كربته
وقضاء حاجته .

و كل من تأمل القرآن و الحديث ، فإنه يجد فيهما الحث و التحريض ، و بفنون من التعبير  كلها تحفز الهمم ، و تنشط الأمم إلى الكرم . و قد مدح الله الذين ينفقون أموالهم ابتغاء مرضاة الله و تثبيتا من أنفسهم ــ أي يطمئنون بأن ما أنفقوه يخلف عليهم كقوله تعالى : ( من ذا الذي يقرض الله قرضا حسنا فيضاعفه له أضعافا كثيرة ) . و هذه المضاعفة الفاخرة حاصلة للمتصدق في الدنيا قبل الآخرة .

ففي الدنيا : يدرك المتصدق المزكي سعة الرزق ، و بسطته ، و نزول البركة في ماله
حتى في يد وارثه ( و ما أنفقتم من شيء فهو يخلفه و هو خير الرازقين ) ، فلو جربتم لعرفتم
فقد قيل :
» من ذاق عرف ، و من حرم انحرف « .

و أنه ما بين أن يثاب الإنسان على الصدقة ، و الصلة ، و الإحسان ، أو يعاقب على الإساءة ، و القطيعة ، و العصيان ، إلا أن يقال : فلان قد مات ، و ما أقرب الحياة من الممات
وكل ما آت آت .

إن أكثر الناس يكسلون عن النفقة فيما هو من واجبهم ، و في الأمر المرغب فيه في حقهم
فتراهم يكسلون عن أداء الزكاة الواجبة ، و عن الصدقة على الأرحام ، و على الفقراء
والمضطرين لكنهم ينشطون على النفقة في سبيل المآدب الواسعة ، و الولائم الإسرافية ، و بعض الناس من رجال و نساء ينفقون أيضا في سبيل حج التطوع و هم قد حجوا . ثم حجوا . ثم حجوا . فيتركون العمل الواجب عليهم ، والفاضل في حقهم ، و يعدلون عنه إلى العمل المفضول و الذي تركه أفضل من فعله ، أو العمل المحرم في نفسه .

و إنني أقول على سبيل النصيحة ، رجاء أن تعيها أذن واعية : إن هؤلاء الذين ينفقون هذه النفقات ، أن الأفضل في حقهم ، هو صرف ما ينفقون إلى الفقراء ، و المضطرين ، و مساعدة المنكوبين ، و تأسيس الأعمال الخيرية ، من بناء المساجد ، و إصلاح الطرق ، و بناء بيت لفقير، أو رحم ، أو مساعدته على ذلك ، لأن الصدقة على الفقراء و المضطرين لها وقع عظيم في مثل هذه الأيام الفاضلة ، و خاصة عشر ذي الحجة ، التي العمل فيها أفضل من العمل في غيرها .

و إن كان أحدهم مدينا ، وجب عليه أن يصرف نفقته إلى قضاء دينه ليعتق نفسه من ذل المطالبة بالدين ، فإن الدين هم بالليل ، و ذل بالليل ، و ذل بالنهار .

و لأن قضاء الدين واجب و التطوع بالحج مستحب ، أو أنه مكروه في حقه ، فلا يقدم المستحب على الواجب ، و قد قال بعض العلماء بعدم جواز حج من عليه دين حتى يقضيه ، أو يسترضي غريمه .

إن من النساء في وقت الحج من تقلق راحة زوجها في مطالبته بالحج بها ، فتلجئه بإلحاحها إلى الحرج و المشقة ، و تحمل الديون المرهقة ؛ من تخلية عن العمل الذي هو كسبه و معيشة عياله ، فيتحمل هذا كله في سبيل رضاها ، و الحج بها ، و لعلها قد قضت فرضها ، ثم حجت مرة بعد أخرى . و هذه تعتبر مأزورة غير مأجورة . فإن الأفضل في حقها ، هو طاعة زوجها
وعدم المشقة عليه . ثم الإكثار من عبادة ربها ، فتصوم و تصلي ، و تتصدق . فإن النبي صلى الله عليه وسلم لما حج بنسائه قال لهن :
» هذه ثم ظهور الحصر « ــ أي الزمن الجلوس في البيوت
فبعضهن لم تفارق بيتها لا لحج ، و لا لغيره ، حتى توفاها الله ــ منهن
» أم سلمة « ــ رضي الله تعالى عنها .

إن الصدقة بما سينفقه في حج التطوع ، هي أفضل من حج التطوع ، لكون الصدقة من العمل المتعدي نفعه إلى الغير ، سيما في عشر ذي الحجة ، التي فيها العمل الصالح أفضل من العمل في سائر شهور السنة ، فتصادف الصدقة من الفقير موضع حاجة ، و شدة فاقة ، لما يتطلبه العيد من النفقة و الكسوة له و لعياله ، فصدقته أفضل من تطوعه بحجه .

و مثله الذين يضحون لوالديهم الميتين ، فإن الصدقة عن والديهم أفضل من ذبح الأضحية  فإنه لا أضحية للميت ، و إنما شرعت الأضحية في حق الحي ، شكرا لنعمة بلوغ عيد الإسلام
وتأسيا بأبينا إبراهيم ، و نبينا محمد عليهما الصلاة و السلام ــ و الله سبحانه أمر بالحج في آية واحدة ، لكنه أمر بالصلاة ، و الصدقة ، وسائر الأفعال الخيرية أكثر من ثلاثمائة مرة ، و تكرار ذكرها هو مما يدل على فضل فعلها .

إنه ما بخل بنفقة واجبة في سبيل الحق ؛ من زكاة ، و صدقة ، و صلة إلا سلطه الشيطان على نفقة ما هو أكثر منها في سبيل الباطل .

و ما أنفق أحد نفقة في سبيل الحق ، من زكاة ، و صدقة ، و صلة ، إلا أخلفها الله عليه أضعافا مضاعفة . فلو جربتم لعرفتم ، و صدق الله العظيم : ( و ما أنفقتم من شيء فهو يخلفه
وهو خير الرازقين ) . ( و اسمعوا و أطيعوا و أنفقوا خيرا لأنفسكم و من يوق شح نفسه فأولئك هم المفلحون ) .

إن أكثر الناس قد غلب عليهم حب الشهرة ، فجعلوا الحج و العمرة بمثابة سفر النزهة
كي يقال : حج فلان ، و حجت فلانة . و الله سبحانه لا يقبل من الأعمال إلا ما كان خالصا
وابتغى به وجهه . و لهذا نرى خشوع العبادة قد عزب عن قلوب الناس في مشاعر الحج
ومشاهده .

و إنني أقول على سبيل النصيحة لهؤلاء الذي يتطوعون بالحج كل عام ، أو عاما بعد عام
وأخص أهل مكة ، و أهل البلدان المجاورين للبلد الحرام ، من سائر البلدان في المملكة العربية السعودية ، و أهل الخليج ، و ما حولهم أن الأفضل في حق هؤلاء ، هو الإكثار من عبادة ربهم في بلدهم ، فيكثرون من : الصلاة ، و الصيام ، والصدقة ، و يصرفون ما سينفقونه في حجهم إلى الفقراء ، و المساكين ، و المضطرين ، وسائر أفعال الخير ، فإن هذا أفضل من تطوعهم بحجهم و عمرتهم .

أضف إلى ذلك ، أن المجاورين للبلد الحرام ، و الذين يترددون للحج عاما بعد عام ، بأنهم يتعرضون للأضرار ، و مواقع الأخطار ، من تصادم السيارات ، و انقلابها ، و يصيب الناس الضرر الشديد منهم ، بتضييقهم على الناس بسياراتهم ، و خيامهم ، و مسالك طرقهم ، و مشاعر حجهم ، و في الطواف ، و السعي ، و الصلاة في المسجد الحرام ، حتى لا يكاد يجد الإنسان مكانا لموضع جبهته في المسجد ، و كله من شدة زحمة المجاورين للبلد الحرام ، و الذين يترددون إلى الحج عاما بعد عام .

و كان أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه يأمر أهل مكة بأن يخلوا المطاف للحجاج الغرباء . فاحتساب التوسعة على الناس في مثل هذا الزمان فيه فضل ، و لفاعله أجر .

و إنني أنصح كبار الأسنان ، و ضعاف الأجسام ، من رجال و نساء ، متى قضوا فرضهم، بأن يلزموا أرضهم ، و يكثروا من عبادة ربهم في بلدهم ، و فإن أبواب الخير كثيرة ، و ليس الحج من أفضلها ، و ليحافظوا على حياتهم ، و صحتهم ، فلا يتعرضوا للبرد القارص ، و لا للحر القتال ؛ فإن البرد سريع دخوله ، بطيء خروجه ، و يتزايد ضرره ، و يعظم خطره في أوله ، كما قال علي رضي الله عنه : » اتقوا البرد في أوله ، و تلقوه في آخره ، فإنه يعمل في الأبدان ، كعمله في الأشجار ، أوله يحرق ، و آخره يورق  « .

و لهذا : و إن الوقاية خير من العلاج ، و نية المؤمن تبلغ مبلغ عمله، و الحمد لله الذي جعل الحج فرض العمر مرة واحدة و لا لم يفرضه على التكرار ، فاقبلوا من الله عفوه ، و احمدوه على عافيته ، ( و لا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة ) ، و ( و لا تقتلوا أنفسكم إن الله كان بكم رحيما ) .