الموضوع التالي

الموضوع التالي

الـفـهـــــرس

الموضوع السابق

الموضوع السابق

هل الأفضل للحاج أن يبدأ بالمدينة قبل مكة ، أو مكة قبل المدينة

و الجواب : أنه لا مشاحة في ذلك ، و بداءته بجعل المدينة هي طريقه إلى مكة أفضل من إنشائه السفر إلى القبر . و يجب عليه أن يحرم عندما يتوجه إلى مكة من موضع ما يحرم منه أهل المدينة ، لكون المواقيت للبلدان هي لأهلها ، و لمن مر عليها من غيرهم ، فقول النبي صلى الله عليه وسلم : » ميقات أهل المدينة ذو الحليفة ، و ميقات أهل الشام الجحفة ، و ميقات أهل نجد قرن المنازل ، و ميقات أهل اليمن يلملم . ثم قال : هن لهن و لمن أتى عليهن من غير أهلهن ممن أرد الحج و العمرة « . متفق عليه من حديث ابن عباس .

و تعيينه المواقيت لأهل هذه البلدان قبل إسلام أهلها هي من معجزات نبوته صلى الله عليه وسلم كما قال الناظم :

من الناس إلا بالروية و الفكر

 

و لم ينل درة الحق غائص

و قد قال النبي صلى الله عليه وسلم ــ  » صلاة في مسجدي هذا أفضل من ألف صلاة فيما سواه إلا المسجد الحرام ، و صلاة في المسجد الحرام أفضل من صلاة في مسجدي هذا بمائة صلاة « .

و إنما استحب العلماء زيارة المدينة لأجل الصلاة في مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم لحصول المضاعفة بالصلاة فيه ، و مشاهدة آثاره ، لكنه يستحب للحاج متى وصل إلى المدينة و دخل المسجد النبوي أن يزور قبر رسول الله صلى الله عليه وسلم و قبر صاحبيه و يسلم عليهم ، مع العلم أنه لا علاقة لزيارة المدينة في الحج ، بل الحج صحيح بدونها . و أما حديث » من حج و لم يزرني فقد جفاني « . فإنه حديث مكذوب على رسول الله صلى الله عليه وسلم ــ بتحقيق علماء الحديث ، بل الحديث الصحيح هو قول النبي صلى الله عليه وسلم ــ : » لا تتخذوا قبري عيدا ــ أي تعتادون مجيئه ــ و لا بيوتكم قبورا ــ أي تهجرونها ــ من فعل نوافل الصلاة فيها ــ و صلوا علي فإن صلاتكم تبلغني أين كنتم « .

و عن علي بن الحسين رضي الله عنه قبر النبي صلى الله عليه وسلم ــ فيدخل فيها و يدعوا ، فنهاه . فقال : ألا أحدثك حديثا سمعته من أبي عن جدي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ــ أنه قال : »لا تتخذوا قبري عيدا و لا بيوتكم قبورا و صلوا علي فإن تسليمكم ليبلغني أين كنتم  « .

فلا معنى لهذا الزحام عند القبر ، و لا التمسح بجدار الحجرة و الشبابيك ، فكل هذا يعد من الغلو الذي نهى عنه رسول الله صلى الله عليه وسلم ــ فالذي يصلي ويسلم على رسول الله صلى الله عليه وسلم في مشارق الأرض ومغاربها ، والذي يصلي و يسلم عليه عند حافة قبره ، هما في التبليغ سواء . و ليس الذي يصلي و يسلم عليه عند جانب قبره ، هما في التبليغ سواء . و ليس الذي يصلي و يسلم عليه عند جانب قبره بأفضل من الذي يصلي عليه في بيته ، أو في مسجد قومه ، أو في أي بقعة من مشارق الأرض و مغاربها ، لأن الله و كل ملائكة كراما يبلغونه سلام أمته .

و قد أمرنا بأن نقول في صلاتنا : السلام عليك أيها النبي و رحمة الله و بركاته . و علم الرسول أصحابه كيفية الصلاة عليه ، فقال : » صلوا علي و اجتهدوا في الدعاء ، قولوا : للهم صل على محمد و على آل محمد و بارك على محمد كما باركت على إبراهيم و آل إبراهيم إنك حميد مجيد « . و هذه هي أفضل صيغة صفة الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم ــ و كما أمرنا بعد إجابتنا لنداء الصلاة بأن نقول : » اللهم رب هذه الدعوة التامة ، و الصلاة القائمة ، آت محمدا الوسيلة و الفضيلة و ابعثه مقاما محمودا الذي وعدته  « . و هذا كله حماية منه لجناب التوحيد ، و سد لطرق الشرك ، لأن الذي يدعا له لا يدعا من دون الله  .

و الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم هي من أفضل الطاعات ، و أجل القربات ، و من صلى عليه مرة صلى الله بها عشرا ( إن الله و ملائكته يصلون على النبي يا أيها الذين آمنوا صلوا عليه وسلموا تسليما ) .

و النبي صلى الله عليه وسلم قال : » أكثروا علي من الصلاة ، فإن صلاتكم معروضة علي « . و قال : » صلوا علي فإن صلاتكم تبلغني أين كنتم  « .

فمحبة الرسول الطبيعية لا تغني عن محبته الدينية . فالمحبة الصادقة توجب طاعته فيما أمر ، و تصديقه فيما أخبر ، و اجتناب ما عنه نهى و زجر ، و أن لا يعبد الله إلا بما شرع
لا بمجرد الهوى و البدع .

و هذا معنى قوله تعالى : ( قل إن كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببك الله و يغفر لكم ذنوبكم )  فمعناه بالضبط : إن كنتم تحبوني : فاتبعوني ، و أطيعوا أمري ، يحببكم الله و يغفر لكم ذنوبكم .

فمن البدع : كون بعض الناس بالمدينة متى سلموا من صلاة الفرض ، نفروا ، و قاموا إلى القبر يسلمون على رسول الله صلى الله عليه وسلم و قد عده الإمام مالك بدعة ؛ لأنه ليس من عادة الصحابة ، و لا السلف الصالح أنهم يفعلون ذلك ، و إنما يكتفون بتسليمهم عليه في صلاتهم ، حيث يقولون : » السلام عليك أيها النبي و رحمة الله بركاته « ، حيث يقولون : » السلام عليك أيها النبي و رحمة الله و بركاته  « ، و هذا السلام بهذا الصفة كافية ، و لن يضيع عند الله
ولا عند نبيه و حبيبه محمد صلى الله عليه وسلم .

و أعظم من هذا ،  دعاؤهم واستغاثتهم برسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ كأن يقولوا:
يا محمد إشفع لي ، يا محمد أنقذني ، يا محمد أنقذ أمتك من المهالك ومثله قول بعضهم :

يا أكرم الخلق مالي من ألوذ به

 

سواك عند نزول الحادث العمم

 

        فهذا كله يعد من الشرك الأكبر الذي لا يغفر (ومن يكفر بالإيمان فقد حبط عمله) ، (ومن يشرك بالله فقد حرم الله عليه الجنة ومأواه النار وما للظالمين من أنصار) . والنبي ـ صلى الله وسلم ـ قال: » اللهم لا تجعل قبري وثناً يعبد « ، وكل من دعا الرسول واستغاث به ، فقد عبده لأن الدعاء من العبادة .

  وأخبر سبحانه بأنه لا أضل ممن يدعو من دون الله ، فقال سبحانه: (ومن أضل ممن يدعو من دون الله من لا يستجيب له إلى يوم القيامة وهم عن دعائهم غافلون . وإذا حشر الناس كانوا لهم أعداءً وكانوا بعبادتهم كافرين) فسمّى الله دعاءهم عبادة ، لأن من دعا مخلوقاً فق عبده . وقال: (ولا تدع من دون الله ما لا ينفعك و لا يضرك فإن فعلت فإنك إذا من الظالمين) . وأخلصوا الدعاء لربكم ، وأكثروا من الصلاة على نبيكم . وأطيعوا الله ورسوله إن كنتم مؤمنين . والله أعلم.