![]() |
|
|
هل الأفضل للحاج أن يبدأ بالمدينة قبل مكة ، أو مكة قبل المدينة و الجواب
: أنه لا مشاحة في ذلك ، و بداءته بجعل المدينة هي طريقه إلى مكة أفضل من إنشائه
السفر إلى القبر . و يجب عليه أن يحرم عندما يتوجه إلى مكة من موضع ما يحرم منه
أهل المدينة ، لكون المواقيت للبلدان هي لأهلها ، و لمن مر عليها من غيرهم ، فقول
النبي صلى الله عليه وسلم : » ميقات أهل المدينة ذو الحليفة ، و ميقات أهل الشام الجحفة ، و
ميقات أهل نجد قرن المنازل ، و ميقات أهل اليمن يلملم . ثم قال : هن لهن و لمن أتى
عليهن من غير أهلهن ممن أرد الحج و العمرة « . متفق عليه من
حديث ابن عباس . و تعيينه
المواقيت لأهل هذه البلدان قبل إسلام أهلها هي من معجزات نبوته صلى الله عليه وسلم
كما قال الناظم :
و قد قال
النبي صلى الله عليه وسلم ــ » صلاة في مسجدي هذا أفضل من
ألف صلاة فيما سواه إلا المسجد الحرام ، و صلاة في المسجد الحرام أفضل من صلاة في
مسجدي هذا بمائة صلاة « . و إنما
استحب العلماء زيارة المدينة لأجل الصلاة في مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم
لحصول المضاعفة بالصلاة فيه ، و مشاهدة آثاره ، لكنه يستحب للحاج متى وصل إلى
المدينة و دخل المسجد النبوي أن يزور قبر رسول الله صلى الله عليه وسلم و قبر
صاحبيه و يسلم عليهم ، مع العلم أنه لا علاقة لزيارة المدينة في الحج ، بل الحج
صحيح بدونها . و أما حديث »
من حج و لم يزرني فقد جفاني « . فإنه حديث مكذوب على
رسول الله صلى الله عليه وسلم ــ بتحقيق علماء الحديث ، بل الحديث الصحيح هو قول
النبي صلى الله عليه وسلم ــ : » لا تتخذوا قبري عيدا ــ أي تعتادون مجيئه ــ و لا بيوتكم قبورا ــ
أي تهجرونها ــ من فعل نوافل الصلاة فيها ــ و صلوا علي فإن صلاتكم تبلغني أين
كنتم «
. و عن علي
بن الحسين رضي الله عنه قبر النبي صلى الله عليه وسلم ــ فيدخل فيها و يدعوا ،
فنهاه . فقال : ألا أحدثك حديثا سمعته من أبي عن جدي عن رسول الله صلى الله عليه
وسلم ــ أنه قال : »لا
تتخذوا قبري عيدا و لا بيوتكم قبورا و صلوا علي فإن تسليمكم ليبلغني أين كنتم « . فلا معنى
لهذا الزحام عند القبر ، و لا التمسح بجدار الحجرة و الشبابيك ، فكل هذا يعد من
الغلو الذي نهى عنه رسول الله صلى الله عليه وسلم ــ فالذي يصلي ويسلم على رسول
الله صلى الله عليه وسلم في مشارق الأرض ومغاربها ، والذي يصلي و يسلم عليه عند
حافة قبره ، هما في التبليغ سواء . و ليس الذي يصلي و يسلم عليه عند جانب قبره ،
هما في التبليغ سواء . و ليس الذي يصلي و يسلم عليه عند جانب قبره بأفضل من الذي
يصلي عليه في بيته ، أو في مسجد قومه ، أو في أي بقعة من مشارق الأرض و مغاربها ،
لأن الله و كل ملائكة كراما يبلغونه سلام أمته . و قد
أمرنا بأن نقول في صلاتنا : السلام عليك أيها النبي و رحمة الله و بركاته . و علم
الرسول أصحابه كيفية الصلاة عليه ، فقال : » صلوا علي و اجتهدوا في الدعاء ، قولوا : للهم صل
على محمد و على آل محمد و بارك على محمد كما باركت على إبراهيم و آل إبراهيم إنك
حميد مجيد «
. و هذه هي أفضل صيغة صفة الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم ــ و كما أمرنا بعد
إجابتنا لنداء الصلاة بأن نقول : » اللهم رب هذه الدعوة التامة ، و الصلاة القائمة ، آت محمدا
الوسيلة و الفضيلة و ابعثه مقاما محمودا الذي وعدته « . و هذا كله حماية منه لجناب التوحيد ، و سد لطرق
الشرك ، لأن الذي يدعا له لا يدعا من دون الله . و الصلاة
على النبي صلى الله عليه وسلم هي من أفضل الطاعات ، و أجل القربات ، و من صلى عليه
مرة صلى الله بها عشرا ( إن الله و ملائكته يصلون على النبي يا أيها الذين آمنوا
صلوا عليه وسلموا تسليما ) . و النبي
صلى الله عليه وسلم قال : »
أكثروا علي من الصلاة ، فإن صلاتكم معروضة علي « . و قال : » صلوا علي فإن صلاتكم
تبلغني أين كنتم «
. فمحبة
الرسول الطبيعية لا تغني عن محبته الدينية . فالمحبة الصادقة توجب طاعته فيما أمر
، و تصديقه فيما أخبر ، و اجتناب ما عنه نهى و زجر ، و أن لا يعبد الله إلا بما
شرع و هذا
معنى قوله تعالى : ( قل إن كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببك الله و يغفر لكم ذنوبكم
) فمعناه بالضبط : إن كنتم تحبوني :
فاتبعوني ، و أطيعوا أمري ، يحببكم الله و يغفر لكم ذنوبكم . فمن البدع
: كون بعض الناس بالمدينة متى سلموا من صلاة الفرض ، نفروا ، و قاموا إلى القبر
يسلمون على رسول الله صلى الله عليه وسلم و قد عده الإمام مالك بدعة ؛ لأنه ليس من
عادة الصحابة ، و لا السلف الصالح أنهم يفعلون ذلك ، و إنما يكتفون بتسليمهم عليه
في صلاتهم ، حيث يقولون : »
السلام عليك أيها النبي و رحمة الله بركاته « ، حيث يقولون :
» السلام عليك أيها النبي و
رحمة الله و بركاته «
، و هذا السلام بهذا الصفة كافية ، و لن يضيع عند الله و أعظم من
هذا ، دعاؤهم واستغاثتهم برسول الله
ـ صلى الله عليه وسلم ـ كأن يقولوا:
فهذا
كله يعد من الشرك الأكبر الذي لا يغفر (ومن يكفر بالإيمان فقد حبط عمله) ، (ومن
يشرك بالله فقد حرم الله عليه الجنة ومأواه النار وما للظالمين من أنصار) . والنبي
ـ صلى الله وسلم ـ قال: »
اللهم لا تجعل قبري وثناً يعبد « ، وكل من دعا الرسول
واستغاث به ، فقد عبده لأن الدعاء من العبادة . وأخبر سبحانه بأنه لا أضل ممن يدعو من دون
الله ، فقال سبحانه: (ومن أضل ممن يدعو من دون الله من لا يستجيب له إلى يوم
القيامة وهم عن دعائهم غافلون . وإذا حشر الناس كانوا لهم أعداءً وكانوا بعبادتهم
كافرين) فسمّى الله دعاءهم عبادة ، لأن من دعا مخلوقاً فق عبده . وقال: (ولا تدع
من دون الله ما لا ينفعك و لا يضرك فإن فعلت فإنك إذا من الظالمين) . وأخلصوا
الدعاء لربكم ، وأكثروا من الصلاة على نبيكم . وأطيعوا الله ورسوله إن كنتم مؤمنين
. والله أعلم. |