الموضوع التالي

الموضوع التالي

الـفـهـــــرس

الموضوع السابق

الموضوع السابق

 

سقوط الرمي عمن لا يستطيع الوصول إلى موضع الجمار بدون استنابة

 

إن الأصل في هذا هو قول النبي صلى الله عليه وسلم ــ : » ما نهيتكم عنه فاجتنبوه و ما أمرتكم به فأتوا منه ما استطعتم « . فكما أن واجبات الصلاة تسقط عمن لا يستطيعها ، فكذلك واجبات الحج ، فإنها تسقط عمن لا يستطيعها ؛ لأن واجبات الصلاة آكد من واجبات الحج ، حيث أن واجبات الصلاة لو تعمد ترك واجب منها بدون عذر بطلت صلاته ، بخلاف واجبات الحج ، فإنه لو تعمد ترك واجب بدون عذر لم يبطل حجه ، و إنما عليه دم .

و متى كان أصل فرض الحج يسقط عمن لا يستطيعه بنص القرآن ، فما بالك بسقوط الواجب المعجوز عنه ، إذ هو أولى بالسقوط بدون استنابة و ليس عندنا ما يثبت الاستنابة في واجبات الحج عند العجز عنها .

لهذا أفتينا ضعاف الأجسام ، و كبار الأسنان ، و المصابين بالمرض ، من رجال و نساء الذين لا يستطيعون الوصول إلى الجمار ، بأن الرمي يسقط عنهم بدون استنابة و لا دم ، كما أن أصل الحج يسقط عمن لا يستطيعه سقوطا كليا بنص القرآن ، فما بالك بسقوط الرمي عمن
لا يستطيعه ، إذ هو من باب الأولى و الأحرى ، و قد أسقط النبي صلى الله عليه وسلم طواف الوداع عن الحائض بدون استنابة ، و قد عده الفقهاء من واجبات الحج ، و هذا واضح جلي
لا مجال للجدل في مثله ، إذ ليس عندنا ما يثبت صحة التوكيل في سائر واجبات الحج أو مستحباته .

فلما أكل رسول الله صلى الله عليه وسلم ــ من لحم هديه ، و شرب من مرقد ، دفع إلى مكة و معه أصحابه ، فطاف بها طواف الحج ، و لم يثبت عنه أنه سعى ، بل اكتفى بسعي القدوم عن الحج و العمرة ، لكون القارن يكفيه سعي واحد عن الحج و العمرة ، و اختار شيخ الإسلام ابن تيمية ، و العلامة ابن القيم ، أن المتمتع يكفيه سعي واحد عن حجه و عمرته ، كالقارن ، إذ هما في الحكم سواء ، و هذا معنى قول النبي صلى الله عليه و سلم ــ :  » دخلت العمرة في الحج إلى يوم القيامة « . إذ الدخول هو أن يكتفى بسعي أحدهما عن الآخر . و هذا هو ما فعله الصحابة الذين حلوا من إحرامهم بعد سعي العمرة ، ثم طافوا مع النبي صلى الله عليه وسلم ــ طواف الإفاضة فلم يعيدوا السعي اكتفاء بسعي العمرة ، فاكتفاء الرسول صلى الله عليه وسلم ــ بسعي واحد عن حجه و عمرته ، و هو أمر مسلم لا خلاف فيه ، لكونه قارنا ، و الصحابة الذين حلوا من إحرامهم بعد سعي العمرة لم يثبت تخلفهم عنه لاستئناف سعي ثان لحجهم ، و بذلك تظهر فائدة دخول العمرة في الحج إلى يوم القيامة ، و كونه يكتفي بطواف أحدهما و سعيه عن الآخر .

و نحن لا نشك في صحة حج من اكتفى بسعي واحد عن حجه و عمرته في حج التمتع ، كالقارن على حد سواء ، كما هو فعل الصحابة ، و اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية ، و العلامة ابن القيم ، و بما أننا نخشى أن يلقى هذا الحاج أحدا من أهل العلم الذين لم يفقهوا في المسألة حق الفقه  فيقول له : بطل حجك ، فيعود باللائمة على نفسه ، و على من أفتاه ، لهذا فإن الأحوط في حق هذا  أن يسعى مع طواف الإفاضة حتى يكون مطمئنا من اللائمة ، مع العلم بأننا لا نشك في صحة حج من اقتصر على سعي واحد . و الله أعلم .

ثم أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم ــ زمزم و قال : » انزعوا يا بني عبد المطلب ، فلو لا أن يغلبكم الناس على سقايتكم لنزعت معكم « . فناولوه دلوا فشرب منه و هو قائم ، و صلى بالناس الظهر بالمسجد الحرام قصرا . و لما فرغ من صلاته قال : » يا أهل مكة أتموا فإننا قوم سفر « .

و في اليوم الثاني جلس رسول الله صلى الله عليه وسلم للناس ، و جعلوا يسألونه . فما سئل عن شيء قدم و لا أخر إلا قال : » افعل و لا حرج « . حتى إذا زالت الشمس ، و قام الناس معه يتبعونه ، أتى الجمرة الأولى ، فرماها بسبع حصيات ، يكبر عند كل حصاة ، ثم أسهل في الوادي  و أخذ يرفع يديه يدعو و يتضرع طويلا و الناس صفوف خلفه يدعون ، و يتضرعون ، ثم أتى الجمرة الوسطى ، ففعل مثل ذلك ، ثم أتى جمرة العقبة ، و فرماها و لم يقف عندها ، قيل : لضيق المكان . ثم انصرف بالناس ، و صلى بهم صلاة الظهر بمسجد الخيف من منى ، فصلى بهم ركعتين قصرا من غير جمع .