![]() |
|
|
سقوط الرمي عمن لا يستطيع الوصول إلى موضع الجمار
بدون استنابة إن الأصل
في هذا هو قول النبي صلى الله عليه وسلم ــ : » ما نهيتكم عنه فاجتنبوه و ما أمرتكم به فأتوا
منه ما استطعتم « . فكما أن واجبات الصلاة تسقط عمن لا يستطيعها ،
فكذلك واجبات الحج ، فإنها تسقط عمن لا يستطيعها ؛ لأن واجبات الصلاة آكد من
واجبات الحج ، حيث أن واجبات الصلاة لو تعمد ترك واجب منها بدون عذر بطلت صلاته ،
بخلاف واجبات الحج ، فإنه لو تعمد ترك واجب بدون عذر لم يبطل حجه ، و إنما عليه دم
. و متى كان
أصل فرض الحج يسقط عمن لا يستطيعه بنص القرآن ، فما بالك بسقوط الواجب المعجوز عنه
، إذ هو أولى بالسقوط بدون استنابة و ليس عندنا ما يثبت الاستنابة في واجبات الحج
عند العجز عنها . لهذا
أفتينا ضعاف الأجسام ، و كبار الأسنان ، و المصابين بالمرض ، من رجال و نساء الذين
لا يستطيعون الوصول إلى الجمار ، بأن الرمي يسقط عنهم بدون استنابة و لا دم ، كما
أن أصل الحج يسقط عمن لا يستطيعه سقوطا كليا بنص القرآن ، فما بالك بسقوط الرمي
عمن فلما أكل
رسول الله صلى الله عليه وسلم ــ من لحم هديه ، و شرب من مرقد ، دفع إلى مكة و معه
أصحابه ، فطاف بها طواف الحج ، و لم يثبت عنه أنه سعى ، بل اكتفى بسعي القدوم عن
الحج و العمرة ، لكون القارن يكفيه سعي واحد عن الحج و العمرة ، و اختار شيخ
الإسلام ابن تيمية ، و العلامة ابن القيم ، أن المتمتع يكفيه سعي واحد عن حجه و
عمرته ، كالقارن ، إذ هما في الحكم سواء ، و هذا معنى قول النبي صلى الله عليه و
سلم ــ : » دخلت العمرة في الحج
إلى يوم القيامة « . إذ الدخول هو أن يكتفى بسعي أحدهما عن الآخر . و
هذا هو ما فعله الصحابة الذين حلوا من إحرامهم بعد سعي العمرة ، ثم طافوا مع النبي
صلى الله عليه وسلم ــ طواف الإفاضة فلم يعيدوا السعي اكتفاء بسعي العمرة ،
فاكتفاء الرسول صلى الله عليه وسلم ــ بسعي واحد عن حجه و عمرته ، و هو أمر مسلم
لا خلاف فيه ، لكونه قارنا ، و الصحابة الذين حلوا من إحرامهم بعد سعي العمرة لم
يثبت تخلفهم عنه لاستئناف سعي ثان لحجهم ، و بذلك تظهر فائدة دخول العمرة في الحج
إلى يوم القيامة ، و كونه يكتفي بطواف أحدهما و سعيه عن الآخر . و نحن لا
نشك في صحة حج من اكتفى بسعي واحد عن حجه و عمرته في حج التمتع ، كالقارن على حد
سواء ، كما هو فعل الصحابة ، و اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية ، و العلامة ابن
القيم ، و بما أننا نخشى أن يلقى هذا الحاج أحدا من أهل العلم الذين لم يفقهوا في
المسألة حق الفقه فيقول له : بطل
حجك ، فيعود باللائمة على نفسه ، و على من أفتاه ، لهذا فإن الأحوط في حق هذا أن يسعى مع طواف الإفاضة حتى يكون مطمئنا
من اللائمة ، مع العلم بأننا لا نشك في صحة حج من اقتصر على سعي واحد . و الله
أعلم . ثم أتى
رسول الله صلى الله عليه وسلم ــ زمزم و قال : » انزعوا يا بني عبد
المطلب ، فلو لا أن يغلبكم الناس على سقايتكم لنزعت معكم « . فناولوه دلوا
فشرب منه و هو قائم ، و صلى بالناس الظهر بالمسجد الحرام قصرا . و لما فرغ من
صلاته قال : » يا
أهل مكة أتموا فإننا قوم سفر « . و في
اليوم الثاني جلس رسول الله صلى الله عليه وسلم للناس ، و جعلوا يسألونه . فما سئل
عن شيء قدم و لا أخر إلا قال : » افعل و لا حرج « . حتى إذا زالت
الشمس ، و قام الناس معه يتبعونه ، أتى الجمرة الأولى ، فرماها بسبع حصيات ، يكبر
عند كل حصاة ، ثم أسهل في الوادي و
أخذ يرفع يديه يدعو و يتضرع طويلا و الناس صفوف خلفه يدعون ، و يتضرعون ، ثم أتى الجمرة
الوسطى ، ففعل مثل ذلك ، ثم أتى جمرة العقبة ، و فرماها و لم يقف عندها ، قيل :
لضيق المكان . ثم انصرف بالناس ، و صلى بهم صلاة الظهر بمسجد الخيف من منى ، فصلى
بهم ركعتين قصرا من غير جمع . |