الموضوع التالي

الموضوع التالي

الـفـهـــــرس

الموضوع السابق

الموضوع السابق

التخفيف من ذبح النسك بمنى يتحقق بأمور شرعية

        أحدها : الإحرام بالإفراد بالحج :

فبما أن مدن المملكة العربية السعودية و ما جاورها من بلدان الخليج ، هن بالعدة أكثر الحجاج ، لقربهم من مكة ، و سهولة السفر للحج عليهم فهم دائما يترددون إلى الحج ، و بعضهم يحج كل عام ، كأهل مكة و من حولها من البلدان .

و كلهم يحجون متمتعين ، بحيث يلزم كل واحد ذبح النسك ، لقول الله سبحانه ( فمن تمتع بالعمرة إلى الحج فما استيسر من الهدي ) ، و أكثر العامة لا يعرفون الفرق بين الأنساك الثلاثة ، و لا يعرفون إلا التمتع الذي داوموا على فعله .

لهذا ينبغي للعلماء ، و للدعاة المرشدين ، بأن يأمروا هؤلاء بالحج مفردين كلون الإفراد بالحج ، و هو من الأنساك المشروعة المشهورة ، و بعض العلماء يفضله على حج التمتع كمالك
والشافعي ، و هو قول عمر الخطاب و اختياره ، وفعل بعض الصحابة ، وقد حصل النزاع بين عمر بن الخطاب ، و ابن عباس في هذه المسألة ، فكان عمر يرى إفراد الحج ، و تكون العمرة مستقلة عنه ، لما روى البخاري و مسلم عن عائشة ، قالت : خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ــ عام حجة الوداع ، فمنا من أهل بعمرة ، و منا من أهل بحج و عمرة ، و منا من أهل بحج  فأما الذين أهلوا بعمرة ؛ فحلوا ، تعني بعد طوافهم ، و سعيهم ، و تقصيرهم ، و أما الذين أهلوا بالحج ؛ أو بالحج و العمرة ، فلم يحلوا حتى كان يوم النحر .

و إن الإفراد بالحج ، فيه مصلحة خاصة لفاعله ، و مصلحة عامة لجميع الناس .

فأما المسألة الخاصة : فإنه يسقط به دم النسك ، إذ ليس على المفرد دم ، ثم إنه يثاب على عمله بهذا النسك الذي هو بمثابة السنة المهجورة غير المشهورة ، فيثاب على تنقله إلى فعل هذه السنة ، و لا يأثم من دعا الناس إليها ، أو ألزمهم بها ، لأن فعلها من باب تنوع العبادات الذي ينبغي أن يفعل هذه السنة مرة ، و تلك مرة ، ثم إنه يستفيد العلم بهذه السنة ، كما أن العلماء يستعينون على حفظ العلم بالعمل به ، و أكثر الغرباء لا ينوون بإحرامهم إلا الحج ، و لا يعرفون التمتع ، و لا القران ، لو لا أن المطوفين يلقونهم ذلك . و ليس في الإهلال بهذا النسك ما يشق
ما عدا أنه يبقى على إحرامه حتى يرجع من عرفة و يرمي الجمرة ، ثم يفيض إلى مكة ، فيطوف طواف الفرض ، و يسعى إن لم يكن سعى مع طواف القدوم .

لكن أكثر الحجاج من أنحاء المملكة العربية السعودية و ما جاورها من البلدان ، إنما يقدمون مكة في اليوم الخامس ، و السادس ، و السابع ، و بعضهم لا يقدم إلا في اليوم التاسع ، فيتوجه إلى عرفة ، و بعد رجوعه منها و رميه للجمار يفيض إلى مكة ، و يطوف طواف الفرض و يسعى سبعا ، ثم يحلق رأسه ، أو يقصر . و بذلك يتم وحجه . و ليس عليه دم نسك . و مثل هؤلاء لا يشق عليهم استدامة إحرامهم ، لقصر المدة .

أما المصلحة لجميع الناس ، فإنهم يستفيدون توفير الحيوان عن التوسع في هلكته ، و بذلك يخف ما يشاهده الناس من بشاعة .

و كنا نتمنى أن لو صدر الأمر من الحكومة ــ حرسها الله ــ بجعل الحجة بالنوبة و التوزيع ليخفف هذا الضغط على الناس ، ثم إن المفرد للحج في إمكانه إدراك العمرة في أي وقت يريدها ، حتى و لو بعد فراغه من أعمال الحج . و بهذا يسقط عن الناس الشيء الكثير مما يتعلق بذبح النسك .

الأمر الثاني : من مقتضيات تخفيف ذبح النسك بمنى: هو أن الحكومة السعودية حرسها الله ــ تسافر إلى مكة في موسم الحج ، و في أشهر الحج ، و معها جميع أتباعها ، و سائر المتعلقين بأعمالها ، من كل الأمراء ، و الوزراء ، و القضاة ، و العلماء ، و الموظفين ، و سائر الأسرة المالكة ، و أكثرهم قد حجوا خمسين حجة ، و أربعين و اعتمروا مثل ذلك .

و غاية قصد الجميع ، هو تنظيم أمر الحاج ، و حمايتهم ، و رعايتهم ، و ترتيب ما يلزم بشأنهم ، ثم ملاقاة العظماء من الغرباء ، و التخاطب معهم بما يلزم من شأن الجميع ، فهذا هو السبب الأعظم في سفرهم إلى مكة ، و شهودهم لموسم الحج .

فكل هؤلاء ؛ ينبغي أن يؤمروا بدخول مكة بثيابهم بدون إحرام ؛ لكونهم لم يقصدوا الحج أصلا ، و إنما دخلوا مكة للحاجة . و لا يلزم كل من يدخل مكة لحاجته أن يحرم ، و إنما شرع الإحرام في حق من أراد الحج أو العمرة .

ثم إنه لا مانع لهؤلاء عند خروج الناس إلى عرفات بأن يخرجوا معهم بثيابهم غير محرمين ، و لا بأس بذلك ، أو يقعدوا في بيوتهم حتى يرجع الحاج إليهم ، و إن أرادوا أن يحرموا بالحج فعلوا ، و يكون حكمهم كحكم حاضري المسجد الحرام ، أي كأهل مكة . و لا يلزمهم ذبح نسك . أشبه المترددين إلى ممكة ، فكل هؤلاء يسقط عنهم دم النسك .

 الأمر الثالث : مما عسى أن يخفف من ذبح النسك بمنى :

هو أن الحاج متى دخل مكة متمتعا ، أو قارنا ، فطاف بالبيت ، و سعى بين الصفا
والمروة ، و حلق رأسه أو قصره ، ثم حل من إحرامه ، و لبس ثيابه ، ثم بدا له بعد ذلك أن يسافر إلى المدينة ، أو إلى جدة ، أو إلى الطائف ، فعلا أنشأ السفر فيما تقصر فيه الصلاة إلى شيء من هذه البلدان ، ثم رجع بمن معه إلى مكة ، فإن هؤلاء يسقط عنهم دم المتعة و القران في ظاهر مذهب الحنابلة ، قال ناظم المفردات :

مسافة القصر لذي الأسفار

 

ما بينما الحج و الاعتمار

به دم المتعة والقران

 

سقوطه فواضح البرهان

و عللوا هذا السقوط ؛ بأنه لم يبق على حالة إحرامه بالحج و العمرة في سفرة واحدة
وبعمل واحد ، حيث أدخل عليها سفرة ثانية ، فتغير الحكم من وجوب دم النسك إلى سقوطه .
والصحيح عدم سقوط دم المتعة و القران بمثل هذا السفر لعدم ثبات ما يدل على سقوطه و لكونه من جنس الترفه الذي أبيح للمتمتع فعله فيما بين حجه و عمرته كما أبيح له الترفه بالجماع
والطيب و سائر محظورات الإحرام و هذا هو الصحيح بمقتضى الدليل و البرهان و فاقا للأئمة الثلاثة ، و الله أعلم .

الأمر الرابع : أن هذه الذبائح المركومة و المتروكة ، بحيث لم يبق لأهلها رغبة فيها ، فإنها مباحة لمن أخذها ، أو أخذ شيئا منها ، أو باع شيئا منها ، كما لو عملوا التصنيع لجعلها في علب ، ثم بيعها على الناس ، لكونها من المال المتروك المباح لمن أخذه .

و سميت الأيام الثلاثة بعد العيد بأيام التشريق ، لكون الناس يشرقون اللحم فيها ، أي ينشرونه بالشمس ــ كما سمي أوسط أيام التشريق ، بيوم الرؤوس . قد نهى رسول الله صلى الله عليهم وسلم في أو الإسلام عن ادخار لحوم الأضاحي فوق ثلاثة أيام ، قيل : من أجل الدافة ــ أي الفقراء ــ من أهل اليمن ، ثم إنه رخص بعد ذلك في ادخار ، فكان الصحابة يتزودون من هذه اللحوم إلى أهلهم بالمدينة ، و الله أعلم . و صلى الله على نبينا محمد و على أله و صحبه و سلم .